التعليق على شرح الجامع لعبادة الله وحده  16

التعليق على شرح الجامع لعبادة الله وحده 16

الدرس في التعليق على شرح الجامع لعبادة الله وحده 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التوكل على الله والإنابة إليه من أعظم العبادات

يوضح الدرس أن التوكل على الله وحده يعد من أعظم العبادات وشرط لصحة الإيمان، مستدلاً بالآيات والأحاديث التي تؤكد أن من توكل على غير الله وكله الله إليه. كما يبين أن الإنابة تعني الرجوع إلى الله بالطاعة وترك المعصية، وهي عبادة واجبة لله وحده.

الإنابة والتوبة ومحبة الله ورسوله

يشرح المقطع مفهوم الإنابة كرجوع إلى الله بالتوبة والإقبال على الطاعة مع ترك المعصية، مستشهداً بالقرآن والسنة كحديث الأغر المزني. ثم ينتقل لبيان محبة الله ورسوله بوصفها من أعظم العبادات القلبية، مميزاً بين محبة العبادة الواجبة ومحبة الطبيعة المباحة.

محبة الله ورسوله تثبت باتباع السنة لا بمجرد القول

المحبة الحقيقية لله ولرسوله تظهر بالاقتداء بهديه واتباع سنته في العقيدة والعبادة والمعاملات، لا بمجرد الدعوى اللفظية. من يخالف النبي ببدع كالبناء على القبور أو الاحتفال بالمولد فهو كاذب في دعوى المحبة، لأن الصادق يتبع ولا يبتدع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴾. قال الشارح الفوزان حفظه الله تعالى: قال: التوكل من أعظم أنواع العبادة، قال تعالى: ﴿ فاعبده وتوكل عليه ﴾، فقرن العبادة بالتوكل: ﴿ فاعبده وتوكل على الله ﴾، والتوكل هو من العبادة، لكن هذا من باب ذكر الخاص بعد العام ليفيد الاهتمام. وقال: ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴾، فمن توكل على الله كفاه، ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ يعني كافيه، ومن يتوكل على مخلوق فإن الله يكله إلى ذلك المخلوق الضعيف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يحسنه بعض أهل العلم: « من تعلق شيئا وكل إليه، من تعلق شيئا وكل إليه ». فأنت إذا تعلقت بالله سبحانه وتعالى، علقت قلبك بالله سبحانه وتعالى، وتوكلت عليه وحده سبحانه وتعالى، فإن الله يكفيك، ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾. ومن توكل على غير الله، واعتقد وعلق قلبه بغير الله، فإن الله عز وجل يوكله إلى ذلك الشيء الذي تعلق به، « من تعلق شيئا وكل إليه ». فمن تعلق بتميمة، أو بحرز من الحروز الشركية، أو بمخلوق من المخلوقات، فإن الله سبحانه وتعالى يوكل هذا المتعلق بهذا الشيء الذي تعلق به. فماذا هذه الحلقة، أو ذلك الخيط، أو ذلك الحرز؟ عسى أن يقدم، أو أن كذلك ينفع ذلك المتعلق به؟ ما ينفعه شيء. لكن إذا تعلقت بالله، فأنت تعلقت برب السماوات والأرض، بمن الملك ملكه، والكون كونه سبحانه وتعالى، من إذا قال للشيء كن فيكون. فهذا فيه فضيلة التوكل على الله سبحانه وتعالى، وأنه من العبادات العظيمة. قال: وفي هذه الآية، أو في هذه التي ساقها المصنف، جعل الله التوكل شرطا في صحة الإيمان، فمن لم يتوكل على الله فليس بمؤمن، لأن الله عز وجل قال: ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴾، فالمؤمن الحق هو الذي يتوكل على الله سبحانه وتعالى وحده، لأنه إذا لم يتوكل على الله، لا شك أنه سيتوكل على غير الله، ومن توكل على غير الله فقد وقع في الشرك، والعياذ بالله. هذا دليل التوكل من القرآن. وأما من السنة، فقد جاءت الأدلة الكثيرة في كون التوكل يجب أن يكون على الله سبحانه وتعالى وحده. فمن يستحضر دليلا من السنة على التوكل على الله عز وجل؟ نعم، من السنة... نعم، نعم، حديث عمر عند الإمام أحمد: « لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا ». لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، تتوكلون على الله، فالتوكل يكون على الله سبحانه وتعالى. قال: ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ﴾. قال الشارح: الإنابة الرجوع، وأنيب يعني: أرجع إليه بالطاعة وترك المعصية، فالإنابة نوع من أنواع العبادة. الإنابة هي الرجوع إلى الله عز وجل، الرجوع إلى دينه وشرعه، وذلك بالعمل بالطاعات، وترك المعاصي والمنكرات. فقول الله عز وجل: ﴿ وأنيبوا إلى ربكم ﴾، الإنابة والرجوع يكون إلى الله، لا يكون الرجوع إلى غير الله. لا ترجع من معصية إلى معصية، ومن ترك واجب إلى ترك واجب، بل ارجع إلى الله سبحانه وتعالى، وتتوب إلى الله وحده سبحانه وتعالى. فالإنابة هي نوع من أنواع العبادة، فيها ما فيها من الافتقار إلى الله، ومن الخضوع والذل، ومن الاعتراف بالذنب، وإلى غير تلك المعاني العظيمة التي هي من معاني العبودية لله سبحانه وتعالى. هذا دليلها من الكتاب. ومن السنة يستدل لذلك بأدلة الرجوع إلى الله والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى. فمن يستحضر دليلا؟ الأدلة كثيرة التي فيها الرجوع والاستغفار، من ترك المعاصي والمنكرات، هذه أدلة كثيرة. حديث الأغر المزني: « يا أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من مئة مرة »، وفي رواية: « من سبعين مرة، من سبعين مرة ». فالإنابة هي بمعنى الرجوع والتوبة بالإقبال على الطاعة وترك المعصية. ﴿ وأنيبوا إلى ربكم ﴾: ارجعوا إليه، واتركوا ما كنتم عليه من المعاصي والذنوب. قال رحمه الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب: قال: ودليل المحبة قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ﴾. قال الشارح: ﴿ والذين آمنوا أشد حبا لله ﴾، قال: لأنهم أحبوا الله وحده ولم يحبوا معه غيره، نعم فهم أشد حبا لله. قال: أما المشركون فإنهم أحبوا مع الله غيره، ولذلك صاروا مشركين. فالمحبة كما مر معنا، المراد بها هنا محبة العبادة، لأن المحبة تنقسم إلى أقسام، فمهم للمسلم أن يفرق بينها حتى لا يكون في الحرج من بعض أنواع المحبة الجائزة. فهناك محبة طبيعية، هذا لا تدخل في محبة العبادة، كمحبة الإنسان لولده، ولزوجه، ولذويه، وإلى غير ذلك، فهذا كله من المحبة الطبيعية. هذا دليل الكتاب. وأما السنة، فأيضا الأدلة كثيرة من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، منها حديث أنس في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: « ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ». فالشاهد من هذا الحديث: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. فهذا الحديث فيه إثبات المحبة لله سبحانه وتعالى، والمحبة لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن هذه المحبة من أعظم أسباب، أو من أعظم الأسباب التي بها يجد المسلم طعم الإيمان ولذة الإيمان. « ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان »، إذن الإيمان له حلاوة، ومن أسباب طعم العبد لهذه الحلاوة أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، يقدم محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على محبة غيرهما. إذا تعارضت المحبتان، تعارضت محبة الله ورسوله مع محبة مثلا المال، أو مع محبة الزوجة، أو مع محبة الولد، فالذي يحب الله ورسوله فإنه يقدم محبة الله ورسوله على محبة من سواهما. فهذا أيضا من العبادة العظيمة، من العبادة العظيمة التي هي من عبادات القلب: المحبة، المحبة لله، والمحبة لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والمحبة لله ورسوله ليست كلمة تقال باللسان، من السهل أن أقول، وأن تقول، وأن يقول غيرنا: أنني أحب الله ورسوله، من السهل، لكن لابد لمن قال هذه الكلمة أن يبرهن عليها، والبرهان هو العمل، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ﴾. الدليل على محبة الله، وعلى محبة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اتباع النبي عليه الصلاة والسلام واقتفاء أثره، هذا من أعظم ومن أظهر العلامات على صدق زعم العبد محبته لله سبحانه وتعالى. من أعظم هذه العلامات أن يتبع النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ﴾. هذه الآية يسميها أهل العلم آية المحنة، أن قوما ادعوا محبة الله سبحانه وتعالى، فابتلاهم الله عز وجل بهذه الآية. فذاك الذي يقول: أنا أحب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإذا به يخالف النبي عليه الصلاة والسلام، سواء كان في الاعتقاد، أو كذلك في العبادات، أو في المعاملات، أو في غيرها من الأمور التي أمرنا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيها. فهذا الذي يدعي محبة النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخالفه بشيء من هذه الأمور، فكيف يصدق عليه أنه يحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ يقول: أنا أحب الرسول، وإذا به يدعو غير الله، وإذا به يبني، يعني ماذا، القباب على القبور، ويدخل القبور إلى المساجد، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن ذلك وحذر من ذلك، وهو يفعل هذا. فأهذا صادق في محبته للنبي عليه الصلاة والسلام؟ لا والله، ليس بصادق في محبته للنبي عليه الصلاة والسلام. كما يفعل الشيعة والصوفية عباد القبور، فإنهم يزعمون محبة النبي عليه الصلاة والسلام، وربما يتهمون أهل الحق أهل السنة بأنهم لا يحبون النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأنهم أفردوا النبي عليه الصلاة والسلام في المتابعة، ورفضوا ما هم عليه من الشركيات، ومن المحدثات، والبدع، والخرافات. فمن أجل ذلك اتهموا أهل الحق بأنهم لا يحبون النبي عليه الصلاة والسلام، لأنهم ما يقيمون الموالد، فهم يقولون: أنتم ما تحبون النبي، لأن هذا المولد يعني ذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. سبحان الله، بل أنتم الذين بفعلكم هذا لا تحبون النبي عليه الصلاة والسلام، لأن هذه البدعة لم يفعلها عليه الصلاة والسلام، لا بقوله لم يقلها، بقوله لم يأمر بها، بقوله، ولم يفعلها بفعله عليه الصلاة والسلام، بل أحدثت في نهاية القرن الرابع الهجري بعد انقضاء القرون المفضلة الثلاثة الأولى. فهكذا ينبغي أن يعلم المسلم أن الصادق في محبة النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يتبع النبي عليه الصلاة والسلام، ويتتبع أثره عليه الصلاة والسلام، ويقتدي بهديه في جميع مجالات حياته، في اعتقاداته، في معاملاته، في عباداته، في سلوكياته، في جميع شؤون حياته يتبع النبي عليه الصلاة والسلام. هذا هو الصادق في محبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما من يقول بلسانه، ما أسهل الكلام، أنا أستطيع أن أقول: سأبني بيتا عظيما، وسأنفق كذا وكذا من المال، هل سيصدقون الناس؟ ما سيصدقون الناس إلا إذا رأوا ذلك البناء، إلا إذا رأوا ذلك الإنفاق. وهكذا الزعم، ما أسهله، ما أسهل أن تزعم أنك تفعل، وأنك تحب كذا، وأنك يعني ستقوم بكذا، ولكن إذا لم تفعل ذلك، ولم يكن لذلك القول أثر في التطبيق والعمل، فلا عبرة بقولك. فهكذا الدليل على محبة الله ومحبة رسوله: أن تعمل بما أمر الله سبحانه وتعالى، وأن كذلك تتبع النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر