التعليق على شرح الجامع لعبادة الله وحده  1

التعليق على شرح الجامع لعبادة الله وحده 1

الدرس في التعليق على شرح الجامع لعبادة الله وحده 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف العبادة وغاية الخلق في رسالة "الجامع"

يستهل الشيخ الفوزان بشرح رسالة "الجامع" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، معرفاً العبادة بأنها طاعة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ويؤكد أن غاية خلق الجن والإنس والملائكة هي عبادة الله وحده مستدلاً بالآيات القرآنية، مبيناً أن مادة العبادة مأخوذة من التذلل والخضوع.

تعريف العبادة لغةً وشرعاً وقول ابن القيم

يتناول المقطع المعنى اللغوي للعبادة وهو الذل والخضوع، ثم التعريف الشرعي وذكر تعريف ابن القيم للعبادة بأنها غاية الحب مع غاية الذل. ويوضح الشارح أن المحبة وحدها دون ذل لا تسمى عبادة، وأن جمع المحبة مع الذل لغير الله هو شرك.

حقيقة العبادة: الجمع بين غاية الحب وغاية الذل

تبين أن العبادة الحقيقية تجمع بين غاية المحبة وغاية الذل لله وحده، أما الذل للخوف دون محبة فليس عبادة. ويقع عابدو القبور في الشرك بجمعهم المحبة والذل للمقبورين، وغاية المحبة والذل تقتضي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.

إتمام تعريف ابن القيم وتأجيل تعريف ابن عبد الوهاب

يأكمل المحاضر تعريف شيخ الإسلام ابن القيم، ثم يقرأ تعريف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي. ويعلن أن باقي التعريف سيؤجل إلى الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فبعد أن انتهينا من رسالة تفسير كلمة التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله مع شرحها للشيخ الفوزان، فإن شاء الله تعالى نبدأ في رسالة أخرى من رسائل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى. واخترنا هذه الرسالة التي هي من ضمن مجموع شروحات الشيخ الفوزان على رسائل شيخ الإسلام. فاخترنا هذه الرسالة وهي بعنوان "الجامع"، وكما سيأتي معنى الجامع، يعني: ما هو التعريف الشامل أو الجامع لمعنى العبادة. فالكلام في هذه الرسالة على معنى العبادة، وعلى كذلك أنواع العبادة التي يحتاج المسلم إلى معرفتها. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في بداية هذه الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين". وهذه المقدمة كأنها ليست لشيخ الإسلام؛ لأنه قال: "قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: فإن قيل فما الجامع لعبادة الله وحده؟" جعل هذه الرسالة في أولها هذا السؤال: "ما الجامع لعبادة الله وحده؟" قال: "قلت: طاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه". قال الشارح الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى: "بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد: قال: فإن الله سبحانه وتعالى خلق الجن والإنس لعبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ﴾. فأمر هذه... هذه هي الحكمة، وهذه هي الغاية التي من أجلها خلق الإنسان. فحري على كل مسلم أن يعرف ما هي هذه العبادة التي من أجلها خلق، والتي هي الغاية العظمى في خلقه. فما هي هذه العبادة؟ هذا سؤال ينبغي أن يعتني به المسلم، وأن يعتني به المسلم، وأن يعلم تفاصيله، وأن يعلم الأمور التي تتعلق به. فإذن علمنا أن الله سبحانه وتعالى ما خلق الجن والإنس إلا من أجل هذه العبادة. قال: بل إنه سبحانه خلق الملائكة أيضًا لعبادته، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عِنْدَهُ﴾ يعني: من الملائكة ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾. هنا عندنا خطأ: ﴿لَا يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾. وصواب الآية: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾. ﴿لَا﴾ زائد، خطأ، فينتبه لهذا لأن المعنى يختل. المعنى يختل، المعنى يختل. صوبتم هذا: ﴿مَنْ عِنْدَهُ﴾ كتاب يصوب هذا: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾. فهذه الآية فيها دليل على أن الملائكة أيضًا يعبدون الله. إذن الإنس والجن والملائكة، كل هؤلاء مأمورون بعبادة الله سبحانه وتعالى وحده، كما سمعت في هذه الأدلة وفي غيرها من الأدلة. قال: والعبادة مأخوذة من التعبد، وهو التذلل. هذا في اللغة، في اللغة تعريف العبادة بمعنى التذلل. التعبد: أي التذلل. يقال: طريق معبد، إذا ذللته الأقدام، يعني: صار صالحًا لمرور الناس عليه لكثرة مشيهم، أو كذلك لإصلاح الإنسان له. طريق أولا لا يستطيع الناس أن يمرون عليه، ثم عدل هذا الطريق وذلل، فصار طريقًا معبدًا يستطيع الناس أن يمرون عليه. قال: هذا من ناحية اللغة. وأما في الشرع فعرفها العلماء تعاريف كثيرة، وهذه التعاريف تختلف من حيث نسبتها. فقد يكون التعريف بالنسبة لمن أضيفت إليه من العابدين الذين يعبدون الله عز وجل، وهذا ما سيأتي في هذا التعريف، وقد يكون غير ذلك. قال: التعريف الأول: أنها غاية الحب مع غاية الذل. وهذا تعريفه شيخ الإسلام بن القيم عليه رحمة الله، كما سيأتي. غاية الحب: يعني نهاية الحب، مع نهاية الذل. فلا بد من اجتماع الأمرين، كما سيأتي من كلام الشارح. قال: كما قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في النونية: «وَعِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبِّهِ مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ وَعَلَيْهِمَا فَلَكُ الْعِبَادَةِ دَائِرٌ مَا دَارَ حَتَّى قَامَتِ الْقُطْبَانِ وَمَا دَارَهُ بِالْأَمْرِ أَمْرُ رَسُولِهِ لَا بِالْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ» هذه أبيات عظيمة لخص لنا فيها شيخ الإسلام ابن القيم معنى العبادة. «وَعِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبِّهِ»: الحب لذلك المعبود الحق سبحانه وتعالى، «مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ»: يعني ذل العابد لمعبوده سبحانه وتعالى. فيعبد الله عز وجل بحب مع ذل، بحب مع ذل. «هُمَا قُطْبَانِ وَعَلَيْهِمَا فَلَكُ الْعِبَادَةِ دَائِرٌ»: يعني أمر العبادة يدور عليهما، على المحبة والذل. «مَا دَارَ»: يعني فلك العبادة لا يمكن أن يدور وأن يتحقق «حَتَّى قَامَتِ الْقُطْبَانِ»: يعني حتى تحقق هذان الأمران. «وَمَا دَارَهُ بِالْأَمْرِ أَمْرُ رَسُولِهِ لَا بِالْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ»: يعني بعد المحبة والذل تكون هناك الأوامر والنواهي، والأمر والنهي إنما يؤخذ مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، إما في كتاب الله وإما في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي. قال الشارح: فلا بد من الجمع بين الأمرين: غاية الحب مع غاية الذل. فمن أحب شيئًا ولم يذل له لم يكن ذلك عبادة له، كما يحب الإنسان زوجته ويحب أولاده، لكنه لا يذل لهم. فحب الزوج لزوجته، وحبه لأولاده، وحب الولد لأبويه وأقاربه، لا يسمى عبادة؛ لأنه ليس معه ذل. الإنسان يحب الزوجة ويحب الأولاد ويحب كذلك الأبوين والأقارب، لكن ليس مع خضوع وذل وانحناء. فإذا فعل ذلك فاعل فإنه يشرك بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه جمع مع المحبة الذل والخضوع والخشوع. فلربما قدم محبة الزوجة أو محبة الولد على محبة الله، فهذا دليل على ذله واستكانته لهذا المخلوق، فيقع في الشرك والعياذ بالله. لكن غالب أهل التوحيد وغالب الناس يحبون الأزواج دون ذل ودون خضوع ودون كذلك استكانة، وإلى غير ذلك. قال: وكذلك من ذل لشيء ولم يحبه، ولم يحبه، فليس ذلك عبادة له. كمن ذل لجبار من الجبابرة أو لظالم من الظلمة، لكنه لا يحبه. إنسان يخاف من حاكم ويذل له لأنه معه قوة السلطان، فهذا الذل ليس مقرونًا بمحبة، فهو يبغض هذا الظالم وهذا الجبار لما يفعل من الظلم، ويذل له لأنه مكره، لأنه مكره لذلك، فهذا ليس بعبادة. قال: إنما العبادة ما جمعت بين الأمرين: غاية الحب مع غاية الذل. وهذا لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى. فلذلك من أحب غير الله وذل له فقد وقع في الشرك، كما يفعل أصحاب القبور وعباد القبور. فإنهم يحبون أصحاب هذه القبور، وترى عليهم من الذل، ومن الفشوع، ومن كذلك الاستكانة لهؤلاء المقبورين. فهؤلاء قد وقعوا في الشرك، لماذا؟ لأنهم جمعوا في حق أولئك بين المحبة وبين الذل لهم، وبين الذل لهم. وهذا تراه في أعمالهم، وفي زياراتهم الشركية، وفي كذلك بدعهم. فإنهم يكونون على هيئة فيها من الذل، وفيها كذلك من الخشوع لهؤلاء القبور، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فإذن لا بد أن تكون المحبة والذل لله سبحانه وتعالى وحده، وهذه هي العبادة التي تصدر من العابد. قال: ولا بد أن تدور عليهما أفلاك العبادة بجميع أنواعها. ولهذا قال: «وَعَلَيْهِمَا فَلَكُ الْعِبَادَةِ دَائِرٌ مَا دَارَ حَتَّى قَامَتِ الْقُطْبَانِ». فإذن العبادة لها أفلاك كثيرة، يعني: لها أنواع، لها أنواع كثيرة، وهذا سيأتي إن شاء الله من كلام المؤلف فيما سيأتي. قال: يعني على الأصلين: الحب والذل. فإن إنسانًا يقتصر على الحب والذل من غير أن يفعل ما أمر الله به، وأن يترك ما نهى الله عنه، لا يعتبر عابدًا لله. غاية الحب مع غاية الذل تقتضيان امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وبهذا تتحقق العبادة. ولذلك انظر إلى فقه شيخ الإسلام بن القيم في النونية في الأبيات التي قرأناها، قال في آخرها: «وَمَا دَارَهُ بِالْأَمْرِ أَمْرُ رَسُولِهِ لَا بِالْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ». يعني: لا يقول: "قال أنا أحب الله وأذل لله"، ولا تجده يعمل بأوامر الله ولا بأوامر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا كاذب؛ لأن المحبة والذل تقتضيان العمل بأوامر الله سبحانه وتعالى. ولذلك كما قرأنا في الأصل أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى عرف العبادة لله وحده بأنها: طاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وهذا ليس فيه تعارض مع ما عرف شيخ الإسلام ابن القيم به العبادة بأنها: كمال المحبة مع كمال الذل، أو غاية المحبة مع غاية الذل. فإن غاية المحبة مع غاية الذل تقتضيان، كما قال الشيخ الفوزان عليه رحمة الله، تقتضيان امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وبهذا تتحقق العبادة لله سبحانه وتعالى وحده. هذا هو تعريف شيخ الإسلام ابن القيم، وقرأنا في الأصل تعريف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى، وبقي تعريف شيخ الإسلام... إن شاء الله نتركه إلى درس قادم. إلى هنا والله تعالى.