الدرس في التعليق على شرح الجامع لعبادة الله وحده 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المحور معنى التأله بوصفه تعبداً ومحبة خالصة لله، مبيناً أن الألوهية حق خالص لله لا شريك فيه مستدلاً بقوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ﴾. ويشير إلى أن الركوع والسجود من أعظم العبادات التي لا تصح إلا لله وحده.
يبيّن المحور أن النهي عن الركوع والسجود لغير الله عام يشمل كل انحناء تعظيم وذل للمخلوق كملوك وقبور وأضرحة، مستدلاً بحديث معاذ بن جبل في منع النبي صلى الله عليه وسلم السجود له. وينبه على أن بعض العادات كالمصافحة مع الانحناء تشبه أفعال المشركين فتجنبها أولى.
يؤكد المحور أن السجود محرم لغير الله حتى لو كان لصاحب حق عظيم كحق الزوج، وأن الخشوع عبادة قلبية يجب صرفها لله وحده فمن خشع لمخلوق فقد أشرك. ويوضح أن الخشوع الحقيقي عند ذكر الله وآياته نعمة عظيمة وأجر كبير للمؤمن.
يختتم المتحدث الدرس بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، مختتماً حديثه بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في تعداده لأنواع العبادة - وأنواع العبادات -: "والتأله". أي: من أنواع العبادات التأله. قال الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى: قال: "التأله: التعبد". ويطلق التأله ويراد به المحبة، من الوله، وهو المحبة. فهذا هو معنى التأله. التأله هنا بمعنى الإله، بمعنى التعبد لله عز وجل. فالتعبد لله سبحانه وتعالى هو العبادة. وأشار الشيخ إلى معنى آخر أخص من معنى التعبد، وكأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يريد بالتأله هذا المعنى الثاني، وهو مأخوذ من الوله، أي: المحبة. إنسان ولِهَ بشيء: أي تعلق به وأحبه. فمحبة العبد لله سبحانه وتعالى، فهذا لا شك أنه عبادة عظيمة، ويدخل في معنى المحبة التي تقدمت معناه. قال: "هذا حق لله سبحانه وتعالى". فالأُلُوهية حق لله جل وعلا، لا يجوز أن يتخذ معه إله آخر يُوَلَّه ويُحَب ويُعبَد مع الله عز وجل. فالمحبة التي هي مقرونة بالتعظيم والإجلال، فهذا يكون في حق الله سبحانه وتعالى. وقد تقدم معنى أن المحبة على ثلاثة أقسام: محبة عبادة، ومحبة طبيعية، ومحبة معصية. وقد تقدم هذا المعنى في الكلام على المحبة. قال: "قال: فالأُلُوهية حق لله". قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. يعني: يُؤْلَه ويُعبَد ويُحَب أهل السماء وأهل الأرض. هذا هو معنى الآية، وهذا هو التفسير الصحيح لهذه الآية. وهو الذي في السماء إله: أي هو الذي يُحَب ويُعبَد في السماء من قبل أهل السماء. وفي الأرض إله: أي هو الذي يُعبَد ويُحَب في الأرض من قبل أهل الأرض. وليس معنى هذه الآية كما ذهب إليه أهل البدع والأهواء ممن يقولون: إن الله سبحانه وتعالى في كل مكان، في السماء وفي الأرض، فيستدلون بهذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ﴾، قالوا: إذن الله في السماء وفي الأرض. وهذا تفسير باطل، لم يقل به أحد من سلف هذه الأمة. وإنما الذي عليه المفسرون في تفسير هذه الآية: أن المراد بالآية ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ﴾ أي: هو الذي يُعبَد ويُوَلَّه ويُحَب من قبل أهل السماء. والسماء لها أهلون، كما أن الأرض لها أهلون. فالملائكة من أهل السماء، كما أن الجن والإنس من أهل الأرض. فهذا هو التفسير الصحيح لهذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ﴾ أي: الذي يُعبَد ويُحَب في السماء من قبل أهل السماء. ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ﴾ أي: هو الذي يُعبَد ويُحَب من قبل أهل الأرض. فهذا هو معنى التأله: يأتي بمعنى التعبد، ويأتي بمعنى الوله، أي: المحبة، بمعنى المحبة. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تعداده لأنواع العبادات: "والركوع والسجود". قال الشارح: الركوع عبادة لا يكون إلا لله. لا يركع الإنسان لأحد، ولا يخضع لأحد، ولا ينحني لأحد تعظيما له. والمراد بالركوع والسجود هو أعم مما هو معلوم مما يكون في الصلاة. فليس المراد بالركوع والسجود الركوع والسجود الشرعي الذي يكون في الصلاة فقط، وإنما هو أعم من ذلك. فكل انحناء، ولو لم يكن على هيئة الركوع، ولو لم يكن فيه اطمئنان، وفيه كذلك - إن كان مصحوبًا بالتعظيم والذل والإعظام - فهذا يكون ركوعًا لغير الله، يكون ركوعًا لغير الله سبحانه وتعالى. ولذلك هنا الشارح قال: "لا يخضع لأحد، ولا ينحني لأحد تعظيما له". تعظيما له. فالركوع أعم، أو معناه أعم مما هو معلوم ومعهود فيما يقع في الصلاة. وهذا سيأتي أيضًا الكلام عليه. قال: فالإنحناء على وجه الذل والتعظيم لمن انحنى له، ركوع لغير الله عز وجل. ولا يسجد إلا لله. لا يسجد للصنم، ولا للقبر، ولا للضريح، ولا لعظيم من العظماء. ولا يجوز السجود إلا لله سبحانه وتعالى. وهذه كلها الأمور، وللأسف الشديد، واقعة في مجتمعات المسلمين. فكم قد رأينا، وسمع الناس، مما يقع عند القبور من الإنحناء، بل ربما من السجود لهذه القبور. كذلك الأضرحة والمشاهد، وإلى غير ذلك. وهكذا ما ذكره المؤلف من الإنحناء أو السجود للعظماء: أي الملوك والرؤساء. وهذا يقع، وربما شاهده بعضكم عندما يأتي ملك أو رئيس من الرؤساء، فتجد بعض الجنود أو بعض الموجودين يأتي أمام ذلك الملك ويأتي بالتحية، ومع هذه التحية ينحني شيئًا ما. فهذا الإنحناء هو نوع من الركوع، هو نوع من الركوع؛ لأن فيه تعظيمًا، وفيه كذلك ذل من ذلك المنحني. فلا يجوز هذا. لا يجوز الإنحناء، لا لملك، ولا لرئيس، ولا لعظيم من العظماء. وإنما الركوع والسجود حق لله سبحانه وتعالى، سواء كان على وجه الصلاة أو على غير وجه الصلاة. وإنما ركوع منفرد، أو سجود منفرد، فكل ذلك لا يجوز. قال: كان الفرس والروم يعظمون ملوكهم فيسجدون لهم. ولما رآهم معاذ بن جبل رضي الله عنه، وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم، أراد أن يسجد له، يعني: استأذن النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: "يا رسول الله، إن الفرس والروم يسجدون لملوكهم، فأنت أحق بذلك منا". فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ومنعه من ذلك. فمنعه عليه الصلاة والسلام من ذلك، وقال: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها، ولكن لا يسجد إلا لله». كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فانظروا إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو رسول ونبي، ليس ملكًا فحسب، وليس زعيمًا فحسب، بل هو رسول من الله سبحانه وتعالى، مؤيد بالوحي. ومع هذا منع أصحابه أن يسجدوا له. فكيف بغيره من البشر؟ أيضًا من باب التنبيه: بعض العادات فيها شيء من الإنحناء، وفيها شيء مما يشبه الإنحناء والركوع. فربما بعض الأعراب وبعض البدو إذا صافح انحنى مع هذه المصافحة، حتى ربما مس رأسه يد ذلكم الذي صافحه. وهذا من الخطأ، وإن لم يصل مثلًا إلى حد التعظيم والذل، لكن فيه تشبيه بعمل أهل الشرك والكفر من الفرس والروم وغيرهم. فهذا ما ينبغي. ما ينبغي أثناء المصافحة أن ينحني المصافح، ويكون فيه شيء من الإنحناء يشبه الركوع. فهذا يترك. وهكذا هذا الحديث يبين حرمة هذا الفعل، ألا وهو السجود لغير الله سبحانه وتعالى. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». يعني: الزوج حقه عظيم تجاه المرأة. ومع هذا لا يجوز للمرأة أن تسجد لزوجها، مع أن حقه عليها عظيم. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأذن بذلك. فغيره من باب أولى، غيره من باب أولى. قال الشيخ الإسلام في تعداده أيضًا لبعض العبادات: "والخشوع". قال الشارح: الخشوع من أعمال القلوب. والخشوع هو الرقة التي تكون في القلب. وهذا لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى. فلا تخشع لمخلوق، وإنما تخشع للخالق تعظيما له سبحانه وتعالى، ترق له وتفتقر إليه، وتبكي من خوفه وخشيته. قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾. هذا أيضًا عبادة عظيمة، من رزقها فهو مغبوط على هذه النعمة التي أعطيها. من أعطي رقة القلب والخشوع لله سبحانه وتعالى، سبحانه وتعالى عند ذكره لله، عند التفكر في مخلوقات الله عز وجل، عند سماعه لكلام الله، عند سماعه لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذه الرقة وهذا الخشوع الذي تظهر ربما آثاره على الجسد، فتدمع العين، وهكذا يقشعر الجلد، وهكذا يلين القلب. فهذه عبادة عظيمة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى. أما الخشوع لعظيم من العظماء، أو لمقبور من المقبورين، أو لولي من الأولياء، كما يفعله عباد القبور، فهذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى. إذا ذكر أحد هؤلاء عنده، فإذا به يقشعر جلده، وتدمع عيناه، ويتغير حاله، ويخشع قلبه عند ذكر أحد هؤلاء المخلوقين. وإذا ذكر الله عز وجل عنده، فهو لم يكن كذلك، لم يكن بذاك الخشوع، ولا بتلك الرقة التي يجدها عند ذكر غير الله سبحانه وتعالى. كما قال عز وجل: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. إذا هم في راحة، إذا هم في خشوع، إذا هم في - والعياذ بالله - استبشار. فهذا هو حال من علق قلبه بغير الله سبحانه وتعالى، وعظم غير الله، وخشع لغير الله سبحانه وتعالى. فالخشوع يكون لله سبحانه وتعالى. في الحديث، حديث أبي هريرة: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: «رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه». ذكر عظمة الله، ذكر آيات الله، ذكر كذلك مخلوقات الله العظيم، ففاضت عيناه، وخشع قلبه، وكذلك رق قلبه بذكره لله سبحانه وتعالى. هذا هو الخشوع الذي أراد المؤلف، وهو عبادة عظيمة. من رزقها فقد رزق خيرًا عظيمًا، ويغبط على هذا. ولا ينكر عليه، لا ينكر على من يخشع عند سماع كتاب الله، وتدمع عيناه عند ذكره لله، وعند تفكره في آيات الله. فهذه عبادة عظيمة، يؤجر عليها من قام بها، أو من كذلك رزقها. فنسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى. إلى هنا، والحمد لله رب العالمين.