من الضروريات الخمس حفظ النفس والعرض

من الضروريات الخمس حفظ النفس والعرض

الخطبة بعنوان من الضروريات الخمس حفظ النفس والعرض، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 26 محرم 1447هـ الموافق 18 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حفظ النفس في الإسلام وأحكام الضرورة

يستعرض المحور مكانة حفظ النفس كأحد الضروريات الخمس في الإسلام، مستدلاً بالآيات والأحاديث على تحريم القتل إلا بثلاث حالات، ويبين رخصة الشرع في ارتكاب المحرمات أو ترك الواجبات عند الخوف على النفس من الهلاك كما في قصة عمرو بن العاص مع التيمم، وإباحة الميتة والخنزير للمضطر.

وجوب حماية النفس وتجنب موارد الهلاك

يؤكد المحور على عظمة حق النفس ووجوب حمايتها من الهلاك، مستدلاً بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تحريم إلقاء النفس في التهلكة كترك الأكل المباح عند الضرورة، والمبيت على سطح غير محجور، والإشارة بالسلاح للمسلم، وركوب البحر عند هيجانه، محذراً من عواقب هذه الأفعال.

تحريم المخدرات والتدخين وصيانة العرض وسد الذرائع

يبين المحور أن تعاطي المخدرات والمسكرات والتدخين يعد قتلاً للنفس بالنهي عنه شرعاً لثبوت ضرره، مستدلاً بحديث الوعيد الشديد فيمن يقتل نفسه. ثم ينتقل إلى حفظ العرض كأحد الضروريات الخمس، محذراً من الزنا وجميع الوسائل الموصلة إليه كاختلاط الرجال بالنساء، ومصافحة الأجنبية، وخروج المرأة متبرجة، والاغتسال المختلط.

الختام بالدعاء والشكر للحضور

يختتم المتحدث المحاضرة بدعاء الله أن يوفق الجميع للهدى والتقى والعفاف والغنى، ويطلب تزكية النفوس والصلاة على النبي محمد، ثم يشكر الحضور على حسن الاستماع.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن مما اتفقت عليه الشرائع كلها حفظ الضروريات الخمس، وهي: حفظ الدين، والنفس، والمال، والعقل، والعرض. فهذه الخمس جاء الإسلام بتأكيد حفظها. وإني في هذا المقام أتناول اثنتين من هذه الخمس، الأولى: حفظ النفس. هذه النفس التي بين جنبيك، أو كذلك نفس المسلم، فإن دين الإسلام قد حرم عليك أن تفرط في هذه النفس فتلقي بها إلى التهلكة، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. وقد حرم الإسلام على المسلم أن يقتل أخاه المسلم إلا بحق، وقد جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل» قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة». وأما غير هذه الثلاث فلا يجوز أن يتعمد المسلم قتل أخيه المسلم، ليتبين لك أخي المسلم عظمة هذه النفس المسلمة. وهكذا يا عباد الله، فإن الشرع قد أباح لك أن تترك بعض الواجبات حفاظًا على هذه النفس، حفاظًا على هذه النفس التي بين جنبيك، فإن الله سبحانه وتعالى أباح لك أن تترك الاغتسال من الجنابة إذا كان هذا الاغتسال سيؤدي إلى هلاك نفسك. جاء عند أبي داود من حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما - أو رضي الله تعالى عنه - أنه قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، قال: فأشفقت على نفسي أن أهلك إذا اغتسلت، قال: فتيممت وصليت بأصحابي الصبح، قال: فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: «يا عمرو، أصليت بالناس وأنت جنب؟» قال: فذكرت له ذلك، وقلت: خشيت أو أشفقت على نفسي، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا، إقرارًا بما فعل عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه. وهكذا أباح الشرع المحرمات للإنسان إذا كان بتركه لهذه المحرمات إهلاك نفسه، فقد أباح الشرع للمضطر أن يأكل الميتة، وأن يأكل الخنزير، يجب عليه ذلك. ولذلك نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله عن مسروق رحمه الله تعالى أنه قال: «من اضطر إلى أكل لحم الخنزير أو إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار»، قال: لأنه لم يقي نفسه من الهلاك مع قدرته على أكل ذلك، وقد أباحه الله له. انظروا يا عباد الله إلى عظم هذه النفس التي بين جنبيك، فإن من أعظم حقوقها عليك أن تحفظها من الهلاك ومن الموت. ولذلك أيضًا جاء النهي عن أن يبيت المسلم على سطح ليس بمحجور عليه، كما جاء من حديث جابر عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت الرجل على سطح ليس بمحجور عليه». ومعنى «ليس بمحجور عليه» يعني: ليس عليه جدار وساتر يصد النائم من أن يقع من على هذا السطح، لأن النائم لربما تدحرج، فإذا لم يصده شيء سقط من على هذا السطح فهلك ومات، بل ربما قام مذعورًا أو قام بعد رؤية مزعجة رآها فلربما قام من غير شعور فسقط من على هذا السطح لأن لا شيء هناك يرده، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك حفاظًا على هذه النفس من أن تهلك. وهكذا يا عباد الله، نهى الإسلام أن تشير إلى أخيك المسلم بسلاح أو بحديدة، جادًا كنت أم مازحًا، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار»، لأنه سيقتل أخاه المسلم متعمدًا بغير حق. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا». فهذه الإشارة ربما تكون سببًا في أن تصيب دمًا حرامًا فتقع في حفرة من النار، والعياذ بالله. وهكذا نهى الإسلام أن يركب الإنسان البحر عند ارتجاجه وعند هيجانه وطرب أمواجه، فقد جاء عند أبي داود - أو جاء عند الإمام أحمد - من حديث أبي عمران الجوني أنه قال: حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكنا في غزو الروم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ركب البحر عند الطرابة فمات فقد برئت منه ذمة الله، فقد برئت منه ذمة الله». ومعنى «برئت منه ذمة الله» أي: أن عهد الله بحفظه يذهب ويزول، لا يكون له عهد ولا حفظ من الله سبحانه وتعالى، وهذا إشعار بهلاك هذا المتهور الذي دخل البحر عند ارتجاجه وعند هيجانه. فانظروا إلى جهل كثير من الناس في هذه الأيام مما يسمى بموسم البلدة، وما يكون فيها من اضطراب البحر وهيجان أمواجه، فكم ابتلع البحر من أناس في هذه السنة وفي هذه الأيام وفي غيرها من السنوات بسبب دخولهم إلى البحر واغتسالهم في مواضع قد حذر منها أهل الاختصاص لخطورتها، فمن يفعل ذلك فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة ويشمله هذا الحديث: «فقد برئت منه ذمة الله». فالحذر الحذر يا عباد الله من أن نترك أولادنا يذهبون دون توجيه ودون رعاية ودون رجل عاقل يكون معهم ويوجههم ويحذرهم من أن يتهور أحدهم. وهكذا يا عباد الله، مما أدخله العلماء في قتل المرء لنفسه أن يتعاطى بعض المخدرات أو بعض المسكرات أو بعض المفترات التي تقضي على حياة الإنسان ولو بعد حين، فلا يجوز للمرء أن يتعاطى السجائر أو المخدرات أو القات، لأنه قد ثبت ضرارها، وقد حذر منها الأطباء، بل وقد وضعوا هذا التحذير في علب هذه السجائر بقولهم: «تحذير حكومي»، فماذا بعد هذا يا عباد الله؟ إنما هو ضعف النفس وانقيادها إلى شهواتها ولو كانت محرمة. فالحذر الحذر يا عباد الله من أن يلقي أحدنا بنفسه إلى التهلكة بأي صورة من صور الهلاك، سواء كان انتحارًا مباشرًا أو انتحارًا غير مباشر بطيء. وقد جاء عند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من تحسى سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة - أو ومن طعن نفسه بحديدة حتى مات - فهو يوجأ بها في بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها». انظر يا عباد الله، من تحسى سما، أليست هذه سموم؟ ماذا يوضع في القاتل يا عباد الله؟ توضع فيه تلك الأمور الكيماوية أو المواد الكيماوية التي تضر بالأجساد، بل وتضر كذلك بإنسان أو بعمر هذا الإنسان. وهكذا هذه السجائر تدخل سمًا إلى جوفك، إلى رئتك، كم من إنسان مات بسبب هذه السجائر تذهب عليه كليته أو كذلك بطنه أو نحو ذلك بسبب هذه السموم، فهذا يسمى بالقاتل البطيء. فاحذر يا عبد الله من أن تتعاطى، فكما سمعت فيه وعيد شديد. أسأل الله أن يحفظنا وإياكم بحفظه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أستغفر الله، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، ومن الضروريات الخمس حفظ الأعراض، أي حفظ النسل، وأن لا يذهب المسلم إلى طرق محرمة في قضاء وطره وشهوته، وهو الزنا. فقد حرمه الله عز وجل، وحرم كل سبيل وكل طريق يهيج إليه ويوصل إليه. قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. لم يقل: ولا تزنوا بمجرد النهي، بل قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، أي: لا تزنوا ولا تقربوا الوسائل التي تفضي إليه. فلذلك حرم الإسلام اختلاط الرجال بالنساء حفظًا للأعراض، حرم الإسلام مصافحة المرأة الأجنبية حفظًا للأعراض، حرم الإسلام دخول الرجال على النساء حفظًا للأعراض، حرم الإسلام خروج المرأة متعطرة متبرجة من بيتها حفظًا على الأعراض، حرم الإسلام وحرم وحرم من وسائل كثيرة، إنما كان سبب تحريمها لأنها تفضي إلى الزنا وإلى اختلاط الأنساب. فلذلك ينبغي للمسلم أن يحذر من أن يقرب هذه الوسائل وهذه كذلك الطرق الموصلة إلى الزنا، والعياذ بالله. فما نراه من خروج المرأة متبرجة أو مختلطة بالرجال، أو كذلك للأسف الشديد في هذه الأيام نرى من بعض النساء والشباب من يختلطون على سواحل البحر من أجل الاغتسال فيما يسمى بالبلدة، ولا يبالون بكشف الأعراض والعورات. انظر: امرأة اغتسلت في البحر، البحر مفتوح، من مر رآها، ومن كذلك جلس رآها، فأين الحياء وأين الغيرة على الأعراض؟ فهذا كله مما ينافي ما أمرنا الله عز وجل به من حفظ الأعراض، ومن البعد عما يدنسها وعما يذهب بحياء أهلها. فنسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. شكرًا، شكرًا.