شرح الموقظة في مصطلح الحديث 10

الدرس في شرح الموقظة في مصطلح الحديث 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شروط التحمل والصيغ المتعلقة به

يناقش شروط التحمل في علم الحديث وصيغه المختلفة مثل السماع والعرض. يشير إلى أن العدالة لا تشترط حال التحمل بل حال الأداء.

الرواية بالمعنى واختصار الحديث وتطبيقاته

يتناول آراء العلماء في الرواية بالمعنى واختصار الحديث، ويقدم أمثلة على ذلك. يشدد على أهمية الدقة في الرواية وطرق السماع والتحديث.

آداب المحدث وطلبة العلم في طلب العلم

يؤكد على أهمية تصحيح النية في طلب العلم والحديث، ويذكر آدابًا للمحدثين وطلبة العلم مثل التبكير في طلب العلم والتحلي بالوقار.

طبقات الحفاظ وأهمية السماع بالإملاء

يذكر طبقات الحفاظ في علم الحديث بدءًا من الصحابة حتى العلماء المتأخرين. يشير إلى أهمية السماع بالإملاء في تحقيق الدقة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه، وبعد. قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: التحمل وهناك قد أخذنا العداء، ذكر العداء قبل التحمل، ولا شك أن التحمل قبل الأذى، لكن الله أعلم. الحافظ رتب هكذا، والظاهر أنه لم يرتب كتابه على الموضوع، كأنه كتبها عن عجلة؛ لأنها ليست مرتبة. فالتحمل هو قبل الأذى؛ لأن التحمل هو تحمل حديث، والتحمل له صيغ، والأداء له صيغ. الأداء معنى صيغ الأداء التي يؤدي بها، والتحمل إما سماع، وإما عرض، وإما مناولة، وإما إجازة. صيغ التحمل الثمان، صيغ التحمل الثمان. قال رحمه الله: لا تشترط العدالة حال التحمل، بل حالة الأداء، فيصح سماعه كافرا وفاجرا وصبيا. أنه إذا كان تحمل حال كفره، ثم أسلم وأدى، فهذا مقبول. كان صبيا تحمل، ثم أداه وهو كبير، مقبول أيضا. كان فاسقا تحمل في حال تحمله، ثم أداه بعد ما تاب، فهذا مقبول. قال: فقد روى جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في المغرب بطور. فسمع ذلك حال شركه، ورواه مؤمنا. أنا لما كان في أسرى بدر، جبير بن مطعم كان في أسرى بدر، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بطور. قال: كاد قلبي أن يطير لما سمع قول الله جل وعلا: ﴿مخلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾، فهذا سمعها وهو مشرك، وأداها وهو مسلم. قال: واصطلح المحدثون على جعل سماع ابن خمس سنين سماعا، وهذا قول أكثرهم، لأهل الحديث، على أن أول السماع يكون ابن خمس، إلا ما نذر. إلا ما نذر، مثلا بعضهم ليعطيهم الله عز وجل ذكاء وهم صغار، أصغر من خمس سنوات، تجدوا يتحمل الحديث. ولهذا ذكر بعضهم، وهو الجوهري، ذكر أنه رأى طفلا عند المأمون كان ابن أربع سنوات، قد قرأ القرآن وحفظ الصحيحين. أنا قرأ القرآن وحفظه البخاري ومسلم، لا أقصد قد قرأ القرآن، والظاهر حفظه من الحديث، معناه هو في عهد المأمون، أنا قبل البخاري ومسلم، وحفظه شيئا آخر، الظاهر أشعاره، وكذا، لكنه كان إذا جاع بكى. أنا طفل صغير من الأربع يحفظ القرآن، ويحفظ أيضا محفوظات، لكن قال: كان إذا جاع بكى، فهذا نادر أن ابن أربع سنوات يحفظ، لكن الغالب يبدأ الحفظ خمس وما فوق. قال: وما دون حضورا، معناه دون حضر، حضر عند فلان، يكتبون له حضورا، مع أنه ليس له حضور، معناه حضر، لكنه لا يفهم ما يقال، لكن عادة المحدثين أنهم يكتبون له حضورا، فإذا كبر وكان محدثا يأخذ إجازة، يأخذ الإجازة التي أجاز بها الناس، ويجعل ذلك الحضور مع الإجازة يتقوى. طالب قال: واستأنسوا بأن محمود بن الربيع عقل مجة، ولا دليل فيه، والمعتبر فيه إنما هو أهلية الفهم والتمييز. وهذا لا شك، هذا هو الأصل، أنه التمييز والفهم، لكن إذا حصل من خمس سنوات، حصل من ست سنوات، حصل من سبع، فهو المقصود. ومحمود بن الربيع قال: أذكر مجة، مجني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي، معنى أخذ ماء ووضعه في وجهه، بمعنى مجه. قال: مسألة يسوق التصرف في الإسناد بالمعنى إلى صاحب الكتاب أو الجزء، وكره بعض من يزيد في ألقاب الرواة، وذلك، وأن يزيد تاريخ سماعهم، وبقراءة من سمعه؛ لأنه قدر الزائد على المعنى، معنى المراد أنه يزيد في المعنى، معنى يزيد في الألفاظ، في الألقاب، ما في شيء. أما يزيد مثلا في بعض السماعات، وأنه سمع سنة كذا وكذا، هذا لا يزيد؛ لأنه سيأتي من بعده وسيأخذ به، وقد يكون خطأ. لكن يقول مثلا: أخبرنا فلان، وهو كان الإمام العلامة، ويذكر شيئا من مناقبه، ما في شيء. أما يزيد أشياء مثلا من التاريخ، فهذا لا ينبغي. أو قال: أو أن يزيد تاريخ سماعهم. قال: أن يزيد تاريخ سماعهم، سمع من هذا الشيخ سنة كذا وكذا، فهذا أيضا فيه أنه تأكيد للسماع، هذا يحتاج إلى خبرة. قال رحمه الله: ولا يسوق إذا وصلت إلى الكتاب أو الجزء أن تتصرف في تغيير سنده ومتونه. ولهذا قال شيخنا ابن وحب، أنا شيخ الشيخ الذهبي، وهو ابن دقيق العيد، أقصد معناه يقول له ابن وحب هناك. قال ابن وحب: وهذا أيضا من نوع من أنواع التدليس الذي يستخدمه لأجل التفنن. أنا ابن دقيق العيد ليس مشهورا بابن وحب، وإنما أبو الفتح القشيري ابن دقيق العيد، وغيره. أما ابن وحب فهو ليس مشهورا بذلك. قالوا: لهذا قال شيخنا ابن وحب: ينبغي أن ينظر فيه، هل يجب أو هو مستحسن؟ وقوى بعضهم الوجوب، الوجوب مع تجويزهم والرواية بالمعنى. وقالوا: ما له أن يغير التصنيف. وهذا كلام فيه ضعف. أما إذا نقلنا من الجزء الشيء إلى تصانيفنا وتخارجنا، فإنه ليس في ذلك تغيير للتصنيف الأول. وإن كان التغيير كما قلنا في أسماء الرجال، في الألقاب، في مثلا اسم الكتاب، فهذا خطأ. إذا كان في اسم الكتاب، أما إذا كان في زيادة الألقاب، ما فيه شيء، هذا ما يؤثر. لكن يأتي بلفظ كتاب آخر، أو مثلا مثل ما حصل في بعض الكتب، مثلا الآن كتاب العجلي يسمونه كتاب الثقات، وهو ليس خاصا بالثقات، وإنما فيه ضعفاء، فيه ضعفاء. وهذا بسبب التسمية، هذه أكثر أهل الحديث يقولون: كتاب الثقات. وجاء في بعض النسخ أنه كتاب العجلي في الجرح والتعديل، هذا أفضل. لكن كتاب الثقات يدل على أنه مجرد بالثقات. ولهذا أخطأ بعضهم العلم، حتى الحافظ ابن حجر، مع أنه الحافظ مطلع، واطلاعه قوي جدا، إلا أنه سهى، فذكر ممن جرد الثقات، ذكر العجلي وابن حبان، وكذا. فالعجلي كتابه الثقات مخلوط، صحيح أكثره الثقات، لكن فيه ضعفاء. والظاهر إن كان له كتاب آخر اسمه الثقات، ممكن. لكن هذا المطبوع الآن الثقات، فيه الضعيف، وفيه الصحيح. قال: قلت: لا، ولا يسوق تغيير ذلك إلا في تقطيع حديث، أو في جمع حديث مفرق إسناده واحد، فيقال فيه: وبه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. معنا مثلا يأتي بأحاديث أسانيد، أو أحاديث مجموعة، فيرويها بإسناد واحد، مثل ما يفعل البخاري. البخاري يروي بعض الأحاديث بإسناد واحد، مثلا مثل ذاك الحديث الذي حديث أبي هريرة، جمع ثلاثة حديث، حديث من طريق زهر عن سعيد المسيب عن أبي هريرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا توضأ أحدكم فليأخذ في أنفه ماء ثم يخرجه، وإذا استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نوم فلا يضع يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا - أو حتى يغسلها -». فهنا هذا ثلاثة أحاديث جمعها البخاري في حديث واحد؛ لأن نفس الإسناد. فهذا يفعلها بعض العلماء، لكن الأفضل أن يذكر كل إسناد بحديث، كما يفعل مسلم رحمه الله. قال: مثلا تسمح بعض من يقول: سمعت فلانا فيما قرأه عليه، أو يقرأ عليه الغير. وهذا قد تقدم الكلام عليه. وهذا خلاف الاصطلاح، من باب الرواية بالمعنى. ومنه قول المؤرخين: سمع فلانا وفلانا، معنى يقولون: سمع فلانا وفلانا، وهو لم يسمعه، وإنما قرأ عليه، معنى هنا الدقة غير موجودة. قال: مثلا إذا أفرد حديثا من مثل نسخة همام، أو نسخة بمسهر، معنى نسخة همام مشهورة عن أبي هريرة، صحيفة همام عن أبي هريرة، ورواها عبد الرزاق عن معمر، وذكرها الإمام أحمد كلها في مسنده، والبخاري ومسلم ذكروا منها أشياء. وهذه النسخ مكتوبة أيضا، نسخة التي رواها اليشكري سليمان بن قيس اليشكري، وهي أقدم صحيفة، أقدم صحيفة عرفت من الصحف والنسخ، هي صحيفة سليمان بن قيس اليشكري، بل هي أقدم من صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. أنه كان الناس تداولون هذه الصحيفة، حتى قتادة رحمه الله قال: ظهر شيبان - أو شيبان عبد الرحمن - أو غيره - قال: قرأت عندي قتادة سورة البقرة، قرأت عندي قتادة سورة البقرة، فما أخطأ في حرف، فما أخطأ في حرف، يعني ما أخطأ أبدا، كلها قرأها حتى انتهى منها. ثم قال رحمه الله: لأنا أحفظ لصحيفة اليشكري أحفظ، لأنا أحفظ لصحيفة اليشكري من سورة البقرة، يعني أحفظها حفظ الصم. أي صحيفة اليشكري، وصحيفة اليشكري هذا سليمان بن قيس اليشكري، كتبها في مكة، وكان جابرا في مكة، ثم مات، مات قديما، حتى قبل جابر، فاحتاج الناس لهذه الصحيفة، فبحثوا عن زوجته، حتى أن بعضهم من أهل البصرة تزوجها، وأخذوا منها هذه الصحيفة، وقرأها أكثر أهل البصرة، كما قال سليمان التيمي: أكثر أهل البصرة، ومشايخ البصرة أخذوا هذه النسخة. وأيضا صحيفة همام بعدها، صحيفة همام أيضا بعدها، لكن صحيفة اليشكري تكون من أولى أو أولى الصحف. وصحيفة عبد الله بن عمر، وصحيفة عمرو بن شعيب عن نبيه عن جده، أيضا صحيفة كتبها عمرو بن شعيب، ووجد أشياء مكتوبة عن جده، وهي قديمة، لكن جمعها عمرو بن شعيب، وجعلها نسخة كاملة. قال: فإن حافظ على العبارة جاز، كما يقول مسلم، فذكر حديثا، يعني حافظ على العبارة، يحافظ على الحديث بألفاظها، هذا أو لا؟ ومن أجاز الرواية بالمعنى يجيز الرواية بالمعنى في هذا، في الاختصار. وكذلك في الرواية؛ لأن الاختصار يعتبر من رواية بالمعنى. قال: ومن أباح، وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فالمحققون على الترخيص في التصرف السائغ، عن التصرف الذي لا يغير في المتون، لكن يغير مثلا في الاختصار، وفي الجمع، ما في شيء، إذا كان ما يؤثر. قال: مثلا اختصار الحديث وتقطيعه جائز، إذا لم يخل، معنا اختصار الحديث وتقطيعه، معنى اختصار الحديث الطويل، أو تقطيعه. فإذا كان يخل بالمعنى، فهذا خطأ. وجد حديث اختصرت وخلت بالمعنى، على سبيل المثال حديث سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا شك أحدكم في صلاته، أخرج منه شيء أو لم يخرج، فلا يخرج حتى يسمع صوتا، ويجد ريحا». هذا حديث أبي هريرة، ومثله حديث زيد بن ثابت، حديث عبد الله بن عبد الله بن زين بن عاصم في الصحيح، وهذا حديث أبي هريرة في مسلم، رواه شعبة، فقال: عن سهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»، لا وضوء إلا من صوت أو ريح. وهنا اختصره، وهذا قال العلماء: اختصار مخل. وقال أبو حاتم: أن الذي اختصره شعبة. وقال بعضهم: كالدارقطني وغيره، لعل هذا من سهيل، أنه هو الذي اختصره. لكن الذين رووه عن سهيل جماعة، ولم يذكر أحد منهم هذا إلا الشعبة. فالمهم الاقتصار، هذا كان مخلا؛ لأن الحديث إنما في الصلاة، وقوله: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»، هذا فيه حصر للوضوء، وليس كذلك. قال: ويسوق التصرف في الإسناد بالمعنى، مثل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: حدثنا به فلان عن فلان عن فلان. هذا يحصل كثيرا. قال: وكان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الندم توبة»، أخبرنا به فلان عن فلان، مثلا إذا ساق حديثا بإسناد، ثم أتبعه بإسناد آخر، وقال: مثله، فهذا يجوز. الحافظ المميز للألفاظ، فإن اختلف اللفظ، قال: نحوه، أو قال: بمعناه، بنحو منه. وأكثر الناس تدقيقا في هذا الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله. قال: فالعاقل أن مثله، أي مثل حديث، مثل اللفظ، ونحوه، أي مثل معناه. وتجد أن من التزم بهذا الإمام مسلم، لكن تجد في بعض الكتب أحيانا تجد فيها مثله، وهو ليس بمثله، وإنما يختلف في المعنى، أو إنه روي بالمعنى. قال: طيب قال: مثلا إذا قال: حدثنا فلان مذاكرة، دل على وهن ماء؛ إذ المذاكرة يتسامح فيها. معنا المذاكرة يتسامح فيها، ويتساهل فيها؛ لأن الإنسان يأتي بما يحفظه، ويتذكر. معنا مثلا يقول: هات ما تحفظه في قراءة الفاتحة في الصلاة، معنا يحتاج لتذكر الأحاديث التي جاءت في الفاتحة في الصلاة، فلهذا فيحصل التساهل أحيانا، يحصل التساهل أحيانا، بخلاف التحديث. إذا حدث الناس، فهو يتذكر هذه الأحاديث، ويأتي مستحضرا لها. قال: ومن التساهل السماع من غير مقابلة، يعني السماع من غير مقابلة، أي لمن يكتب، إذا كتب نسخته بعد السماع، فلابد أن يقابل هذه النسخة بنسخة الشيخ، أو بنسخة مقابلة، أو قوبلت بنسخة الشيخ. لا يعتمد على الكتابة؛ لأن هذا خطأ، الاعتماد على الكتابة خطأ؛ لأن الإنسان عندما يتكلم، والمتكلم وهو يكتب، لا شك أنه سيفوته كلمات. ولهذا كان بعض المحدثين لا يحب الكتابة، الكتابة مع التحديد، مثل ما كان يفعل شعبة، حتى أنه إذا رأى رجل قام وأخذ كتابه ودخل، إذا رأاه يكتب، حتى أنه كان الذين يكتبون يستخفون، مثل النظر بن شميل، وسليمان بن حرب، وجماعة، كانوا يختبئون. أما محمد بن جعفر فكان يكتب ويأتي ويريه شعبة. قال الإمام أحمد: وهذا من غفلته؛ أن شعبة لا يحب أحد أن يكتب، لكن محمد بن جعفر يكتب، وإذا انتهى يريه شعبة، يقول له: هذا الذي كتبته. وكان يتسامح معه شعبة؛ لأنه ربيبه، وأيضا يعرف أن فيه شيء من الغفلة، فلهذا قال الإمام أحمد: وهذا من غفلته؛ لأن الشعبة كان يغضب إذا أحد كتب، أحيانا يدخل بيته، معنى ما يحدث، ما يحب أحد يكتب وهو يتكلم. ولهذا تجد كما قال: يحيى بن سعيد: كنا نحضر مجلس شعبة، فيحدث بحديث، فأما خالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ، فكان كل واحد منهم يأخذ ناحية من المسجد، ويكتب ما سمع. أنا بعد المجلس. قال: وأما أنا فأذهب إلى البيت وأكتب ما قد سمعت. أولا يسمعون، ولأنهم حفاظ، فإذا سمعوا هذا كتبوه. ولهذا تجد أن المحدثين ما يكثرون في الحديث، ما يعطي مثلا عشرين حديث في المجلس، أو حتى عشر، ما يعطون عشر. كان يحيى بن سعيد يعطي كل واحد خمسة أحاديث، يعطيه كل يوم خمسة أحاديث فقط، لا يزيد. فلهذا لأجل أن يحفظ، ولأجل أن يكتبها. فإذا كتب لابد أن يقابل بنسخة الشيخ، إذا كان الشيخ عنده نسخة. أما إذا لم يكن عنده نسخة، فيعتمد على التصحيح. ولهذا استعمل أهل المدينة، وإن الحجاز القراءة؛ لأن القراءة تكون أضمن، القراءة في مثل هذا المجال أضمن، خاصة لمن يحفظ. بعض المحدثين ما يأتي بكتاب معه، بعض المحدثين ما يأتي بكتاب معه، كسفيان الثوري، وكوكيع، وجماعة من هؤلاء المحدثين ما يأتون بكتاب. فيقابل على ماذا؟ ما يستطيع يقابل على شيء. فلهذا احتاج أهل المدينة مالك أيضا ما كان يأتي بكتاب، فاحتاجوا إلى القراءة حتى يصحح الشيخ وصولهم، حتى يصحح الشيخ وصولهم. قال: فإن كثير الغلط، وإن جوزنا ذلك فيصح فيما صح من الغلط دون المغلوط. وإن ندر الغلط فمحتمل. إذا كان الغلط كثير في النسخة، فإنه لا تقبل هذه النسخة، معنا إذا قابلها فرأى غلطا كثيرا، حتى لا يستطيع يصححها، فهذه النسخة غير صحيحة. وإن جوزنا ذلك فيصح فيما صح من الغلط دون المغلوط، معنا صح من الغلط أي صحها. قال: وإن ندر الغلط فمحتمل. قال: أداب المحدث. قال: تصحيح النية من طالب العلم تعين، ومن طلب الحديث المكاثرة، أو المفاخرة، أو ليروي، أو لتناول وضعف، أو ليثني عليه وعلى معرفته، فقد خسر. وإن طلبه لله وللعمل به وللقربة بكثرة الصلاة على نبيه عليه الصلاة والسلام، ولنفع الناس، فقد فاز. وإن كانت النية ممزوجة بالأمرين، فالحكم للغالب. فهذا النية لابد منها. وإن كانت كما قال الشيخ هنا: وإن طلبه لله وللعمل به وللقربة بكثرة الصلاة على نبيه، ولنفع الناس، فقد فاز. هذا أعظم شيء، أنه يطلبه لله أولا لينفع نفسه، ومن ثم أيضا ليعمل به، وأيضا ليبلغه للناس، وليكثر الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وإن كانت النية ممزوجة بالأمرين، فالحكم للغالب. فأنا إذا كان ممزوجة، ليس قربة لله فقط، وإنما فيها قربة، وكذلك ليثنى عليه، فإن هذا الحكم قال للأغلب. إن كان طلبه لله عز وجل ولتقربه لله، ودخلت هذه النية الأخرى، وأنه ليثنى عليه ويذكر عند الناس، فهذا على الحكم على الأغلب. قال: وإن كان طلبه لفرط المحبة فيه، مع قطع النظر عن الأجر، وعن بني آدم، فهذا كثيرا ما يعتري طلبة العلوم. فلعل النية أن يرزقها الله بعد، معنا تكون عنده لذة في طلب العلم فقط، وعنده شهوة قوية في طلب العلم، لكن غالبا هذا ما يأتي إلا بالنية، أو تأتي النية بعد ذلك. كما قال يحيى بن الإيمان: طلب العلم نية، ومن طلبه لغير النية جاءت النية - أو كما قال - رحمه الله. قال: وأيضا فمن طلب العلم لآخر كسره العلم، وخشع لله، واستكان، وتواضع. كما قال سفيان: طلبنا العلم لغير الله، فأبان يكون إلا لله. قال: ومن طلبه للدنيا تكبر به، وتكثر، وتجبر، وازدرى بالمسلمين العامة، وكان عاقبة أمره لا سفال، وحقارة. قال: فليحتسب المحدث بحديثه رجاء الدخول في قول صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع مقالة فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها». أن نظر الله، أي الدعاء له بالنظارة والسرور، ونظارة الوجه، ونظارة أيضا العمل. قالوا: ليبدل نفسه للطلبة الأخيار، لا سيما إذا تفرد، وليمتنع من الهرم وتغير الذهن، وليأهد إلى أهله وإخوانه حال صحته: أنكم متى رأيتموني تغيرت، فمنعوني من الرواية. وهذا فعله بعض العلماء، معناه لما دخل ابن معين عند جرير بن حازم، وجده يخلط، فقال لابنه وهب: لا تدخل عليه أحد الحديث. فمنعه بعد ذلك وهب، وهب ابنه ابن جرير بن حازم. ومنع ابنه أن يدخل عليه أحد أن يدخل عليه أحد من المحدثين. وذكر أبو حاتم رحمه الله، وأبو زرعة: أنه جاء إلى رجل المحدث، وقد حصل له شيء من الخرف، فقال: فضربنا الباب، فأجاب، لأجل أن يفتح. فكانت ابنته تقول: يا أبي، لا تفتح، أولئك الحديث. فقالت: دعيهم يدخلون. قالت: والله قد منع ذلك أخي عن أخيه، منعهم أن يدخل أهل الحديث؛ لأنه قال: قد يخرف، إذا خرف سيأتي بكلام هكذا. فكان يريد أن يفتح، ولم تمكنه ابنته من الفتح. وهذا حتى أعجب أبو زرعة رحمه الله بهذه البنت الحريصة، فما أدخلتهم، ولا تركت أباها يفتح الباب. فقالت له: حتى يأتي أخي. فكانوا يحرصون على أنهم لا يدخلون أحدا. ولهذا يقول الحافظ هنا: وليأهد إلى أهله وإخوانه حال صحته: أنكم متى رأيتموني تغيرت، فمنعوني من الرواية. قال: فمن تغير بسوح حفظه، لهذا كان العلماء يخافون، حتى منهم من كان يدفن كتبه، حتى لا يأخذها بعده أناس. وأيضا يجدون فيها أخطاء، ويكون يتحمل هذه الأخطاء. لكن الإنسان على اجتهاده، لكن هذا من الورع، الإنسان على اجتهاده، يجتهد في طلب العلم، وفي كتابته. وإن حصل خطأ فهو مأجور. قال: فمن تغير بسوح حفظه، وله حديث معدود، قد أدمن في روايته، فلا بأس بتحديثه بها زمن تغيره. إذا كان التغير خفيف، وعنده حديث معدود، فقط دائما يحدث بها، فهذا غالبا. وقول: فقد أدمن في روايته، أي أتقنها، وفهمها. فلا بأس أن يحدث بها. قال: لا بأس من يجيز مروياته حال تغيره؛ فإن أصوله مضبوطة، ما تغيرت؛ لأن أصوله صحيحة، فحتى ولو تغير وأجاز، ما في شيء. قال: وهو فقد وعي ما أجاز؛ فإن اختلط وخرف، وامتنع من الأخذ الإجازة منه. إذا كان هذا التغير خرف، يعني يخلط في الكلام، هذا ما يعتمد منه إجازة. الآن تجد بعض طلبة العلم يأتي إلى بعض المشايخ الذين قد خرفوا، حتى يدخل عليه وهو يخلط، ويطلبون منه إجازة، ويعطيهم. أنا حينما يكون واعيا في الإجازات، لكن تجد في كلامه تجد تخليطا. أنا يأتي لك كلمة من هنا، وكلمة من هنا. المهم أنه إذا كان يصح للإجازة، ما في شيء. قال: بل يدلهم على المهم، فالدين النصيحة. قال: فإن دلهم على معمر عامي، وعلم قصوره في إقامة مرويات العامي، نصحهم، ودلهم على عارف، يسمعون بقراءته. أنا عامي يحفظ فقط، ما عنده كتاب، يحفظ. وإن كان عنده كتاب، إنما كتب له. قال: وحضر مع العامي، ورووا بنزول، جمعا بين الفوائد. معنا إذا كان عامي، نصح ودلهم على عارف، يسمعونه بقراءته، يعرف هذا العامي، ويعرف حديثه، يأتي ويقرأ عليهم حديث هذا الرجل، وهو يسمع. قال: وروي أن مالك رحمه الله كان يغتسل للتحديث، ويتبخر، معنا هذا من الأداب، ويتطيب، ويلبس ثيابه الحسنة. قال: ويلزم الوقار والسكينة، ويزجر من يرفع صوته، يعني ينهره. ويرتل الحديث، هذا ثابت عنه من عدة طرق، ذكره أبو نعيم في الحلية، وابن عبد البر وغيره. وكذلك أيضا ذكره الخطيب البغدادي في الجامع. قال: قد تساهل الناس في هذه العصر بالإسراع المذموم الذي يخفى معه بعض الألفاظ. أنا يسرع في القراءة لأجل السرد، فتخفى بعض الألفاظ، وهذا خطأ. قال: والسماع هكذا لا ميزة له على الإجازة، بل الإجازة صدق. قولك: سمعت أو قرأت هذا الجزء كله، مع التمتمة ودمج بعض الكلمات، كذب. أنا الآن يمكن الإمام الذهبي ما يفعله بعض المحدثين من سرد الحديث، ويكون هذا السرد فيه شيء من الخفاء، معنى يكون من كثرة السرد، تجد أنه بعض كلمات ما تفهم، فهذا ليس بالصحيح. قالوا: قد قال النسائي في عدة أماكن من صحيحه، وذكر كلمة معناها كذا وكذا. قالوا: كان الحفاظ يعقدون مجالس للإملاء، وهذا قد عدم اليوم. والسماع بالإملاء يكون محققا ببيان الألفاظ للمسمع. والسامع من أعظم فوائد السماع أنه يسمع اللفظ من الشيخ، وهذا مهم حتى لا يخطئ في اللفظ. وأيضا يسمع الأسماء من الشيخ الذي تلقاها سماعا. وغالب الذي يتلقى سماعا ما يخطئ. قالوا: ليجتنب رواية المشكلات مما لا تحمله قلوب العامة؛ فإن روى ذلك فليكن في مجالس خاصة، عن الأشياء التي لا يستطيعون فهمها. قالوا: يحرم عليه رواية الموضوع، ورواية المطروح، إلا أن يبينه للناس ليحذروه. وأما معنى إذا كان ضعيف، ليس شديد الضعف، أجازه بعض العلماء بشروط. قال: تشترط العدالة في الراوي كالشاهد، ويمتاز الثقة بالضبط والانتقال. فإن انضاف إلى ذلك المعرفة والإكثار، فهو حافظ. هذا مر معنا في الكلام على الحديث الصحيح. فالثقة هو العدل للضابط. وإذا كان انضاف إلى ذلك المعرفة، وكثرة الحفظ، فيسمى حافظا. ولهذا تجد في كتب الحديث فيقولون: حدثنا فلان الحافظ، ما يقول على كل أحد، وإنما يقولون على الناس معينين، وهم الذين عرفوا بالحفظ الكثير، والفهم. عرفوا بالحفظ الكثير، والفهم في علم الحديث. أنا عندهم دراية ورواية. قال: والحفظ الطبقات في ذروتها أبو هريرة رضي الله عنه، أبو هريرة حافظ الصحابة على الإطلاق، بل حافظ الأمة. أنا لم يأتي أحد مثل أبي هريرة رضي الله عنه. حتى ذكر المعلم قصة، الله أعلم هل هي لأبي هريرة أو للزهري؛ لأنها مثلها للزهري. وأن بعض الولاة من الأمويين طلب منه أن يكتب له أحاديث، أن يملي عليها أحاديث، فأملى عليها أحاديث، ثم جاءه بعد شهر - أو كذا - أو بعد فترة، وقال له: قد ضاعت تلك الورقة، فأملي لنا. فأملى لهم نفس الأحاديث. فلما قارنوا بين الورقة الأولى والورقة الثانية، رأوا أنه ما أخطأ في حرف واحد، على نفسها، كأنه مطبوع. وحصل أيضا للزهري مثلها، لما أملى له هشام بن عبد الملك، وظهر أنه هشام لم يكن يريد شيئا إلا هذا - أو الله أعلم - وقد يكون يريد يحفظ أولاده - كما قال -. قال: للزهري: أريد أن تولي لي أحاديث، وحفظها أولادنا. فأملى له أربعمائة حديث. وفي العام الثاني قال: قد ضاعت تلك الورقة، فأملينا. فأملاها، فوجدوا أن هذه نفسها، على نفس الأحاديث، ما خرم منها حرفا واحدا. قالوا: في التابعين كابن المسيب، وفي صغارهم كالزهري، على الصغار التابعين. وفي أتباعهم كسفيان، وشعبة، ومالك، وثم ابن المبارك، ويحيى بن سعيد، ووقيع بن المهلب. هؤلاء أئمة الحفظ، وأئمة العلم. قال: ثم كأصحاب هؤلاء كابن المدينة، وابن معين، وأحمد، وإسحاق، وخلق. ثم البخاري، ومسلم، ويحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود. مسلم، والعجيب أن هؤلاء تجد أنهم أهل حفظ، وأهل معرفة، يعني ليس حفظ فقط، كلهم هؤلاء الذين ذكرهم مؤلف، أهل حفظ ومعرفة لعلم الحديث. وخاصة شعبة في طبقة تابعي التابعين. أما هؤلاء: يحيى بن سعيد، ووقيع، وابن المبارك، فكانوا أيضا حفاظا، ومن أعلى الناس بالحديث. وخاصة يحيى، وابن المبارك. وأما ابن المدينة، وابن معين، وأحمد، فكانوا أيضا هم أئمة الناس في العلم، وأئمة الناس في الحفظ. وإسحاق يعتبر حافظا، وفقيها. قال: ثم البخاري، ومسلم، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود. ثم النسائي، وموسى بن هارون - أي الحمال -، وصالح جزرة، أبو علي البغدادي، وابن خزيمة. ثم ابن الصلاح، وأنا يدخل في هذا الطبق أيضا أناس كثيرون. ومن من يوصف بالحفظ والإتقان، جماعة من الصحابة، والتابعين. ثم عبد الله بن عمر، وابن عون، ومسعر. أنا الآن رجع إلى أناس أيضا، معناه يراهم أنهم طبق أخرى. أنا تلك الطبقة أولا القمة في الحفاظ في الطبقات. ثم طبقة أخرى أيضا: عبد الله بن عمر - أي العمري -، وابن عون، ومسعر. وكذلك أيوب. وقد يكون أيوب في الطبقة الأولى. قال: ثم زائدة، والليث، وحماد بن زيد. ثم يزيد بن هارون، وأبو أسامة، وابن وهب. ثم أبو خيثمة - هو النسائي -، أبو خيثمة النسائي، زهير بن حرب، وأبو بكر، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير - أي عبد الله بن نمير - أو ابنه محمد بن عبد الله بن نمير، الظاهر ابنه هنا. وأحمد بن صالح - أي ابن الطبري المصري -. قال: ثم العباس الدوري، صاحب ابن معين، وابن وارة، محمد بن مسلم، وابن وارة، والترمذي، وأحمد بن أبي خيثمة - أحمد بن زهير بن حرب -، وهو صاحب كتاب التاريخ. وعبد الله بن أحمد - وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل -. قال: ثم ابن صاعد - أي من الحفاظ -، وابن زياد النيسابوري - وهو أبو بكر بن زياد النيسابوري -، وهؤلاء كلهم مشايخ الدارقطني، وابن الجوزي، وابن الأخرم. ثم أبو بكر الإسماعيلي، وابن عدي، وأبو أحمد الحاكم. وأيضا الدارقطني يعتبر من الطبقة الأولى، الدارقطني يعتبر من الطبقة الأولى، على اعتبار الدارقطني هنا لم يذكره. والظاهر أنه اعتبره من الطبقة الأولى. وإلا الدارقطني لم يأتي حافظ مثله بعد الأربعمائة، بل ولا قبله، إلا من هؤلاء الحفاظ الكبار. حتى قال الذهبي رحمه الله: لو صدق أن الدارقطني كتب كتابه «العلل» من حفظه، لكان لا أحد أعلم منه في الدنيا. أنا لو كان هذا صحيح، أنه كتبه من حفظه، هو كتب من حفظه. لكن هل كله الكتاب كتبه من حفظه؟ قال الذهبي: إذا كان هذا الكتاب كتبه من حفظه، قال: لا أحد أحفظ منه؛ لأن هذا مثل هذه الأسانيد، وكذلك الطرق، ما يحفظها إنسان إلا رجل داهية. قال: ثم أبو بكر الإسماعيلي، وابن عدي، صاحب الكامل، وأبو أحمد الحاكم - أبو أحمد هذا شيخ الحاكم نيسابور -. قال: ثم ابن منده، أبو عبد الله ابن منده. ولحقه، أنا أبو عبد الله ابن منده، محمد بن إسحاق. وقد