الوقت هو الحياة

الوقت هو الحياة

الخطبة بعنوان الوقت هو الحياة، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 24 ذو الحجة 1446هـ الموافق 20 يونيو 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أهمية الوقت وخطر إضاعته في ختام العام الهجري

يؤكد الخطيب أن الوقت هو حياة الإنسان ورأس ماله، وأن إضاعته أشد من الموت وتقطع عن الله والدار الآخرة، مستشهداً بأقوال ابن باز وابن القيم وحرص السلف الصالح. ويدعو إلى محاسبة النفس مع انقضاء العام الهجري، ومراجعة الأعمال الصالحة والتوبة من التقصير لأن الوقت هو رأس مال العبد وإضاعته تعرض لغضب الله.

أسباب ضياع الوقت وسبل علاجه

يستعرض الخطيب أسباب إضاعة الوقت كجهل قدره، وغياب الهدف الرباني، واتباع الهوى، والانشغال بالهواتف ومواقع التواصل، محذراً من عواقب ذلك. ويذكر أن الغاية من الخلق هي عبادة الله داعياً لحفظ الوقت في طاعته.

خطر الشاشات وإضاعة الوقت على العبادة والأخلاق

يحذر المقطع من استبدال مجالس العلم والذكر وحفظ القرآن بالانشغال بالشاشات، معتبراً ذلك فتنة عظيمة تفسد الأوقات والأخلاق والعقائد والسير إلى الله. ويشير إلى أن التسويف وطول الأمل من أسباب إضاعة الأوقات.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول العلامة ابن باز عليه رحمة الله: "الوقت هو الحياة، ومن ضيع وقته فقد ضيع حياته، ومن ضيع حياته ندم حيث لا ينفع الندم". كلمات جليلات عظيمات لمن تدبرها ولمن عقلها، فإن هذه الأنفاس التي نتنفسها في هذه الحياة هي حياتنا وهي رأس مالنا، فالوقت يا عباد الله هو الحياة التي يعيشها المرء في هذه الدنيا، فإذا ضيعها ضاعت حياته وندم يوم القيامة حيث لا ينفع الندم. ولذلك فإن أهل النار حينما يتمنون الخروج منها والرجوع إلى الدنيا يقال لهم: ﴿أَلَمْ نُمَتِّعْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، ﴿أَلَمْ نَعْمَرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، أولم نعمركم في حياتكم الدنيا بالأعمار فيها؟ فمنكم من عاش فيها خمسين سنة، ومنكم من عاش فيها ستين سنة، ومنكم من عاش فيها أكثر من ذلك أو أقل، فلماذا ضيعتم أوقاتكم؟ ولماذا عصيتم ربكم؟ أولم نعمركم؟ يقول العلامة ابن القيم عليه رحمة الله: "إضاعة الوقت أشد من الموت، فإن إضاعة الوقت يقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها". فإضاعة الوقت يا عباد الله أشد علينا من الموت. وهكذا يقول العلامة ابن القيم عليه رحمة الله: "جميع المصالح مرجعها إلى الوقت، فمن أضاع وقته ضيع مصالحه كلها، فإذا أردت أن تحقق مصلحة دينية أو دنيوية لن تستطيع أن تحققها إلا بمحافظتك على وقتك". وهكذا يا عباد الله، لقد كان سلفنا الصالح رحمهم الله يحرصون أشد الحرص على أوقاتهم من حرصنا على دنيانا، من حرصنا على دنانيرنا ودراهمنا، كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "لقد أدركت أقواما" - ويريد بالأقوام الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأنه من التابعين، فقد عاصر جمعا من الصحابة - "لقد أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد حرصا منكم على دنانيركم ودراهمكم، وكانوا يندمون أشد الندم إذا ضاع شيء من أوقاتهم، أو مر عليهم يوم من أيام عمرهم فلم يستفيدوا فيه عملا ولا علما ولا هدى". يقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي". هذا كان أشد ما يندم عليه، ما يندم على صفقة دنيوية خسر فيها، ولا يندم على مال ضاع من بين يديه، وإنما كان يندم على يوم من أيام عمره إن قضى ومضى فلم يزدد فيه عملا ولا تقربا إلى الله سبحانه وتعالى. وقد عبر عن هذا المعنى الشاعر فقال: إذا مر بي يوم ولم أقتبس هدى ولم أزدد فيه علما فما ذاك من عمري وهكذا يا عباد الله، فإن الإنسان يوم القيامة يندم على تلك الأوقات التي أضاعها، فتكون عليه حسرة وندامة. أخرج أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكرون الله فيه ولا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم إلا قاموا على مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة يوم القيامة»، وفي لفظ: «إلا كان عليهم تيرة يوم القيامة». انظروا يا عباد الله إلى خطورة تضييع الأوقات وإهدارها فيما لا ينفع. وهكذا يا عباد الله، فإن هذه الليالي والأيام والسنون والأعوام إذا انقضت وانتهت إنما هي من أعمارنا، فينقص من أعمارنا بمرور الليالي والأيام، كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك، إذا كتب أن تعيش مئة سنة فمرت أيام نقصت أو نقص أجلك بقدر مرور تلك الأيام والأعوام". ما مثل أعمارنا يا عباد الله إلا كمثل التقويم السنوي، كل يوم تنزع منه ورقة، فإذا انتهى العام انتهت جميع تلك الأوراق وانتهى ذلكم العام، وهكذا أعمارنا كلما مضى عام نزعت ورقة من أعمارنا، فإن كانت أعمارنا ثمانين ورقة نزعت من أعمارنا ثمانين ورقة، ثمانين عاما، وهكذا يكون عمر الإنسان. ألا فلنعتبر يا عباد الله. وها نحن في ختام عام هجري منصر، وقادمون على عام هجري جديد، فحاسب نفسك وتذكر ما مضى من عمرك في ذلكم العام، ماذا قدمت فيه؟ ماذا ازددت فيه من الأعمال الصالحة؟ وماذا ازددت فيه من العلم والعبادة؟ حاسب نفسك واستدرك ما بقي من عمرك، فالأيام والأعوام سرعانا ما تنقضي وتذهب. ألا فلنحاسب أنفسنا يا عباد الله. ألم تتل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. هذه الآية كما يقول العلامة ابن القيم عليه رحمة الله أصل في المحاسبة، في محاسبة النفس، يجلس المرء مع نفسه: ماذا قدم؟ هل حافظ على الصلوات في جماعة؟ هل حافظ على بر والديه؟ هل حافظ على حسن الجوار وحسن الخلق؟ هل ارتكب شيئا من المعاصي؟ فيتب إلى الله سبحانه وتعالى ويندم ويقلع عن هذا الذنب. هل عاود شيئا من الفواحش والمنكرات؟ فيرجع إلى نفسه بالعتب والندم فيقلع عن هذه الأمور التي تغضب الله سبحانه وتعالى. فحافظوا على أوقاتكم وعلى رأس أموالكم، ألا وهو الوقت، فمن أضاع وقته فقد أضاع عمره، ومن أضاع وقته فقد عرض نفسه لغضب الله عليه. يقول العلامة ابن القيم عليه رحمة الله: "من المقت إضاعة الوقت"، أي من أشد الغضب غضب الله عز وجل على العبد أن يضيع وقته. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. قولوا ما سمعتم واستغفروا الله، الحمد لله وحده، الصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، إن معرفة أسباب ضياع الوقت من الأمور المهمة، فإن معرفة الداء أول العلاج، وإن معرفة المشكلة من أول أسباب حلها، فلا بد أن نعرف ما هي الأسباب التي تضيع علينا أوقاتنا. فمن أول تلك الأسباب يا عباد الله: عدم معرفة قدر الوقت، فالوقت يا عباد الله كما سمعتم في الخطبة الأولى هو رأس مالنا وهو حياتنا، فإذا علم ذلك فالواجب على المسلم أن يحفظ وقته، وكما قيل: "من عرف مقدار ما يطلب هان عليه مقدار ما يبذل"، وكما قيل: "من جهل شيئا عاداه". فإنه من العجب العجاب أن تهدر أوقاتنا وأن تضيع أعمارنا، وكأن هذه الأوقات ما أعطيت أحدنا إلا من أجل أن يضيعها. فالحذر الحذر يا عبد الله من أن تضيع أوقاتك. وهكذا السبب الثاني من أسباب إضاعة الأوقات: عدم رسم الهدف الذي ينبغي أن يسعى إليه أحدنا في هذه الحياة، فلو أيقنا وعرفنا لماذا خلقنا في هذه الحياة لما أضاع أحد منا لحظة من لحظات عمره. ألم تخلق يا عبد الله من أجل عبادة الله؟ كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ما خُلقْتَ من أجل اللهو واللعب، ولا من أجل إشباع شهوات بطنك وفرجك، وإنما خلقت لهدف عظيم وحكمة بالغة، ألا وهي عبادة الله عز وجل، فسر على هذا الهدف في حياتك، واجعل وقتك في مرضاة الله وفيما يحبه الله وفيما يرفعك الله سبحانه وتعالى به، من أداء الواجبات، ومن الإكثار من السنن والمستحبات، ومن أداء الحقوق والواجبات ونحو ذلك. وهكذا عباد الله، من أسباب ضياع الأوقات: اتباع هوى النفوس، هذه النفس يا عباد الله التي بين جنبينا تركن إلى الراحة والدعة، وتركن إلى اللهو واللعب والزينة، فإذا تركنا لها الحبل على الغارب ركنت إلى ما تهواه وما ترغبه. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾. النفس تهوى يا عباد الله، الشهوات تهوى اللعب واللهو، وكذلك الضحك والقيل والقال، فإذا لم تأخذ بزِمامها إلى جادة الحق والصواب جرتك إلى هذه السفاسف وهذه الشهوات. ويترتب على هذا السبب أسباب أخرى، منها إضاعة الأوقات في مواقع التواصل الاجتماعي وفي شبكات الإنترنت، فإن هذه الجوالات في هذا الزمن أخذت الكثير والكثير من أوقاتنا في غير علم ولا فائدة، فذاك في مواقع الضحك والنكت، وذاك في مواقع المراسلات والأخبار والقيل والقال، وذاك لربما وقع فيما هو أعظم من ذلك من النظر إلى المواقع الخبيثة الإباحية والصور الماجنة والتعلق بذلك والانهماك على هذا الجوال. كم نرى من أناس منذ أن يفتح عينيه من الصباح الباكر إلى أن يغمضهما من الليل وهو مع هذا الجوال، ما قرأ حزبا من القرآن، وما حضر درسا من الدروس العلمية، وما ذكر الله عز وجل، لربما ضيع الأذكار الواردة من أذكار الصباح والمساء انشغالا بهذا الجوال، وربما ضيع حلقات العلم وحلقات القرآن انشغالا بهذا الجوال، الناس في حلقات العلم، الناس في الدروس الخاصة والعامة، وهو أمام هذا الجوال. أليس هذا من الضياع؟ أي والله، إنه من أعظم الضياع أن تستبدل تلك الشاشات بمجالس العلم وبمجالس الذكر وبورد القرآن وبالمحافظة على الصلوات وغير ذلك. فالحذر الحذر من هذه الفتنة العظيمة التي أفسدت أوقاتنا وأفسدت أخلاقنا وأفسدت عقائدنا وأفسدت كذلك سيرنا إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا عباد الله، من أسباب إضاعة الأوقات: التسويف وطول الأمل،