أهمية الثبات على دين الإسلام 1

المحاضرة بعنوان أهمية الثبات على دين الإسلام 1، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر عصر يوم الأحد 19 جمادى الأولى 1442هـ الموافق 3 يناير 2021م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أهمية الثبات على الإسلام وحسن الخاتمة

يؤكد المقطع على نعمة الهداية للإسلام ووجوب الثبات عليه حتى الممات مستدلاً بالآيات والأحاديث. ويوضح أن الأعمال بالخواتيم وأن العبد قد يعمل بعمل أهل الجنة ثم يسبق عليه الكتاب فيختم بعمل أهل النار والعكس صحيح.

سؤال الله التثبيت عند الممات وفضل الثبات

يؤكد المقطع أن الخاتمة تحدد مصير العبد يوم القيامة مستشهداً بأحاديث وآيات تبين تثبيت الله للمؤمنين. ويشير إلى أن الثبات على الدين من أعظم الكرامات خاصة في زمن الفتن ويوصي بالإكثار من دعاء ربنا لا تزغ قلوبنا.

أسباب الثبات على الدين ومجالسة الصالحين

يذكر المقطع أسباب الثبات ومنها كثرة الدعاء يا مقلب القلوب والاهتمام بكتاب الله تلاوة وتدبراً. كما يستدل بقصة التائب الذي أمر بمفارقة أرض السوء وصحبة أهل الصلاح.

دعاء الختام والصلاة على النبي محمد

يسأل المتحدث الله أن يحفظ دينهم وأن يتوفاهم مسلمين راضين مرضيين. ويختتم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.

  • 20 جمادى الأولى 1442هـ - 03/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الإخوة في الله، كما يعلم الجميع أن الله تبارك وتعالى له المنة العظمى والنعمة الكبرى على خلقه وعبيده، فنعمه عليهم تترى لا تعد ولا تحصى. وصدق الله إذ يقول: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾. ومن أعظم هذه النعم وأجل هذه المنن التي تفضل بها ربنا جل في علاه علينا جميعا، معاشر أهل الإيمان وأمة التوحيد والإسلام، أن هدانا لهذا الدين. فلولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا. يقول ربنا جل في علاه في كتابه العزيز: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾. اعلموا رحمكم الله وإياكم أن هذه النعمة وهذه المنة الكبرى تتم بأن يثبتنا الله عز وجل على هذا الخير حتى نلقاه. الله عز وجل أمرنا بالثبات على هذا الدين، وأن لا نموت إلا ونحن مسلمون، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾، أي حتى يأتيك الموت وأنت على عبادة الله وعلى استقامة على شرع الله عز وجل. وكذلك قال ربنا تبارك وتعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿ قَالَ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾، توفني مسلما وألحقني بالصالحين. وربنا عز وجل قال عن نبيين عظيمين ورسولين كريمين، ألا وهما إبراهيم وهكذا حفيده يعقوب، عليهما وعلى نبينا صلوات ربنا وسلامه، قال عز وجل: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾. ولهذا دعا يوسف عليه الصلاة والسلام ابن يعقوب: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم يحث على الاهتمام بحسن الختام، وهكذا الثبات على هذا الدين حتى الممات. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة: «إنما الأعمال بالخواتيم»، إنما الأعمال بالخواتيم. هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وفيه قال: «فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه أو بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب» أي الذي كتب عليه وهو لا يزال جنينا في بطن أمه، وهكذا كتب عليه في الكتاب الأزلي، قال: «فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». إذن الأعمال يا عباد الله بالخواتيم. وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يبعث العبد على ما مات عليه». انظر، قال: «يبعث العبد» أي يوم القيامة على ما مات عليه. من مات على خير بعث على خير، يا إخوان، ومن مات على شر فنسأل الله عز وجل العفو والعافية. وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قصة ذلك الرجل المحرم الذي سقط من على ناقته فانكسر عنقه فمات، رضي الله تعالى عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه» أي لا تغطوا رأسه. لماذا؟ قال: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً»، يبعث على الحالة التي مات عليها، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً. أيها الأحبة في الله، من أعظم الكرامات التي يكرم الله عز وجل بها من شاء من خلقه وعبيده هو أن يثبتهم على هذا الدين، وأن يكرمهم بالمداومة على الطاعات والاستقامة على دين الله عز وجل. إن من أعظم الكرامة دوام الاستقامة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وما أحوجنا أحبتي في الله إلى أن نهتم بهذا الباب العظيم، ألا وهو باب الثبات على هذا الدين، لا سيما أيها الأحبة في الله ونحن نعيش في زمن عظمت فيه الشبهات وعظمت فيه الشهوات، وكثر الانحراف في أوساط الأمة. فما أسهل الانحراف، وما أعظم الثبات على هذا الدين! إذا كان بعض أهل العلم قبل مئات السنين يقول في آثارهم: «لا تسل عن من هلك كيف هلك، ولكن عن من ثبت كيف ثبت»، لأن الانحراف ما أسهله، لكن الثبات ما أعظمه. ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الجنة حفت بالمكاره، بينما النار حفت بالشهوات. من أعظم أسباب الثبات على هذا الدين دعاء الله عز وجل والتضرع بين يديه أن يثبت القلوب ويثبت الأقدام، فإن الثبات من الله عز وجل: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾. يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، قال قتادة رحمه الله تعالى: قال أن يثبتهم بالأعمال الصالحات والمسارع إلى الخيرات. قال: وفي الآخرة، قال: أي في القبر، أي في القبر. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾، فثبت الذين آمنوا. في دعاء المؤمنين الصادقين كما قال ربنا عز وجل: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴾. دعاء عظيم يا إخوان، دعاء عظيم، ما أحوجنا أن نكثر من الدعاء به: ربنا، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها كان يكثر أن يدعو بهذا الدعاء: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». من يدعو بهذا الدعاء؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر من الدعاء بهذا الدعاء، وبين سبب ذلك أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. في حديث النواس رضي الله عنه قال: «إن شاء أقامه» أي على الطاعة، «وإن شاء أزاغه» أي عن طريق الخير وطريق الطاعة. إذن الثبات على هذا الدين عظيم، ومن أعظم ما يعيننا على ذلك دعاء الله تبارك وتعالى. وهكذا من أسباب الثبات على هذا الدين الاهتمام بكتاب الله عز وجل تلاوة وتدبراً، وهكذا تعلماً وتعليماً وعملاً ودعوة، فإن في ذلك من أسباب الثبات الشيء الكثير. قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾، قال عز وجل: ﴿ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴾، كذلك، كذلك لنثبت به فؤادك. إذن الاهتمام والعناية بكتاب الله يعتبر من أسباب الثبات. وهكذا من أسباب الثبات مرافقة الصالحين ومجالسة الطيبين. فربنا عز وجل يقول: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، أي من يصاحب، من يجالس. وهكذا في حديث أبي موسى: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير» الحديث. وفي حديث أبي سعيد الخدري في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم أراد أن يتوب، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على عابد وليس عالم، عابد أي لا علم عنده، فسأله: قتل تسعة وتسعين نفساً هل لي من توبة؟ قال: لا، فقتله فكمل به المئة. وهذا يا إخوان من أضرار الجهل والقول على الله بغير علم. ثم لا يزال يبحث عن التوبة، سأل عن أعلم أهل الأرض لكنه دل على عالم، فذكر له أنه قتل مئة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، جلساء طيبين، وهكذا رفقاء ناصحين. قال: «ولا تعد إلى أرضك فإنها أرض سوء». قال العلماء: آية الحديث فيه أنه ينبغي للتائب أن يترك مجالسة الأخدان والمواضع التي كان يمارس فيها المعاصي، لأن ذلك قد يكون سبباً لعودته إليها، وأنه ينبغي أن يستبدلها بمجالس أهل الصلاح وأهل الخير، مجالس الصلاح ومجالس الخير. أيها الأحبة في الله، أسباب الثبات كثيرة، فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم أجمعين ثباتاً على هذا الدين حتى نلقاه. نسأله تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يتوفانا ونحن مسلمون وهو راض عنا. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.