باب التقوى من رياض الصالحين 6

باب التقوى من رياض الصالحين 6

الدرس في باب التقوى من رياض الصالحين 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث «من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها» وأحكام اليمين وكفارتها

يستعرض المقطع حديث عدي بن حاتم الذي يجيز الحنث في اليمين إذا رأى المسلم ما هو أتقى لله مع وجوب الكفارة، ويضرب مثالاً بهجر المسلم. كما يبين مسألتين مهمتين: تحريم الحلف بغير الله، واشتراط كون اليمين على أمر مستقبل لتنعقد لها الكفارة.

شروط انعقاد اليمين وكفارتها والاستثناء بالمشيئة

يوضح المقطع شروط صحة اليمين المنعقدة الموجبة للكفارة، وهي أن تكون على أمر مستقبل وقصد جازم غير لغو. ويذكر أن الاستثناء بقول "إن شاء الله" يسقط الكفارة عند الحنث، مع تفصيل كفارة اليمين من إطعام أو كسوة أو عتق والتنبيه على خطأ تقديم الصيام على ما قبله.

كفارة اليمين بإطعام المساكين وتفصيل مقدار الطعام المسموح به

يجوز في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين متفرقين، ويُفضل إعطاء كل مسكين مدين (نصف صاع) من الطعام غير المطبوخ، وهو ما يعادل تقريباً كيلوغراماً وأكثر بقليل. إذا عجز المكلف عن الإطعام جاز له الصيام ثلاثة أيام متتابعات، والأكمل أن يختار الأتقى والأخير كما دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

خاتمة المقطع والإشارة إلى الترجمة

يختتم المتحدث الحديث معلناً الاكتفاء بما تم طرحه من أحكام اليمين وكفارتها. ويشير إلى أن الترجمة تمت بواسطة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين" في باب التقوى، الحديث الرابع: عن أبي طريف عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها فليأتِ التقوى». رواه مسلم. ومعنى الحديث: من حلف الحلف بالله عز وجل، كقول المسلم: والله، أو تالله، أو ورب الكعبة، أو نحو ذلك من أسماء الله، أو بصفة من صفاته، وعزة الله، ونحو ذلك. فمن حلف بالله فلا يجوز له أن يحنث، أن يحنث إلا إذا رأى غيرها خيراً منها، إذا رأى غيرها خيراً منها. مثال ذلك: مثلاً إنسان حلف أن لا يكلم فلاناً، قال: والله ما سأكلم فلاناً، ثم رأى أن الأتقى له أن يكلم فلاناً؛ لأنه لا يجوز أن يهجر أخاه المسلم، لا يجوز له ذلك. فالشرع جعل له متسعاً في هذه اليمين، فيكلم هذا الشخص ويكفر عن يمينه، ويكفر عن يمينه. نعم، فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها». وفي لفظ جاء: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتِ الذي هو خير، وليكفر عن يمينه، وليكفر عن يمينه». وهنا مسائل تتعلق باليمين، نذكرها على وجه الإجمال: أول هذه المسائل: أنه لا يجوز الحلف بغير الله، فلا يجوز للإنسان أن يقول: والنبي ما سأفعل كذا، أو الكعبة، أو العيش، أو الملح، أو عمري، أو أبي، أو أمي. هذه كلها مخلوقات، لا يجوز للمسلم أن يحلف بها. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك». هذه المسألة، المسألة الثانية: اليمين التي فيها كفارة وتنعقد لها شروط. فمن شروطها أولاً: أن تكون على أمر مستقبل، أن تكون على شيء مستقبل. أما اليمين على شيء ماضٍ فلا كفارة فيها، لا كفارة فيها. فلو قال مثلاً إنسان: والله ما فعلت كذا، يعني في الماضي، فهذا ما هي... يعني يمين منعقدة على شيء يكون فيه حنث وكفارة، لأن هذا شيء قد مضى، شيء قد مضى. فهذا من شروطها أن تكون على أمر مستقبل. نعم، فإذا حلف على شيء مستقبل فهنا تكون اليمين المنعقدة التي عليها كفارة، أو فيها كفارة. هذا شرط. الشرط الثاني: كذلك أن تكون هذه اليمين منعقدة، ليست من لغو اليمين، وإنما هي منعقدة، يعني عازم الحالف على فعل ذلك الشيء الذي حلف عليه. فإن كانت مما اعتاده الناس وهو ما يسمى بلغو اليمين، في قول عز وجل: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾، يعني شيء جزمتم فيه وشيء عزمتم عليه، ليس شيء مما اعتاده الناس. مثلاً بعض الناس يقول: والله أنا سأفعل كذا، والله، من باب يعني اللغو، ليس من باب العقد، فهذا لا كفارة فيها، لا كفارة فيها. كذلك من مسائل اليمين: أن الإنسان إذا استثنى بالمشيئة فلا يلزمه كفارة إذا حنث. مثلاً إذا إنسان قال: والله ما سأذهب مكان كذا إن شاء الله. إذا قال: إن شاء الله، ثم ذهب، ما عليه شيء، ما عليه شيء. لأن من فوائد هذا الاستثناء أو ذكر هذه المشيئة: أنه يتيسر لك ما حلفت عليه، يتيسر لك ما حلفت عليه فتفعله. والشيء الثاني: أنك لو حنثت فلا كفارة عليك، لا كفارة عليك. فلذلك استحب العلماء عند الحلف أن يجعل الإنسان لنفسه متسعاً في هذه اليمين، فيقول: إن شاء الله، يقول: إن شاء الله. هذا كذلك من المسائل التي تتعلق باليمين، أمر آخر في هذه الكفارة: لو حنث وأتى ما حلف ألا يأتيه، فعليه كفارة يمين. وهذه الكفارة اليمين قد ذكرها الله عز وجل في كتابه، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. فيخطئ بعض الناس أنه مباشرة ينتقل إلى الصيام، وهذا خطأ. الصيام إنما يكون بعد العجز عن العتق أو الإطعام أو الكسوة. والآن المتيسر هو الإطعام، إطعام عشرة مساكين. إما بتجهيز الطعام لهم مطبوخاً وإعطاءهم إياه، فهذا يجوز. تطبخ مثلاً عشاء وغداء يكفي العشرة وتوزعه على المساكين، ويكون المساكين متفرقين، متفرقين، ليس مسكين واحد أو اثنين تعطيهم إياه. لا تعطيه عشرة مساكين ولو عائلة واحدة مكونة من خمسة، تعطيهم حق خمسة، وتلك الأسرة من خمسة تعطيهم حق خمسة، أو أسرة من عشرة تعطيهم كاملة عشرة. لا، بس إذا كانوا منهم عشرة، نعم. ويجوز أن تعطي ما هو غير مطبوخ، غير مطبوخ. وهذا يعني موضع اجتهاد بين أهل العلم: كم يعطى المسكين في الطعام غير المطبوخ؟ منهم من قال: نصف صاع، يعني مدين من الأرز أو من البر، ولا يستلزم ذلك أن يعطى إدامه من زيت أو من سمك أو نحو ذلك، طالما أنه أعطيته بالزيادة فهذا يغني عن ملحقات هذا الطعام، عن ملحقات هذا الطعام. ومنهم من قال: أقل من ذلك، والمسألة موضع اجتهاد. والأكمل للإنسان أن يبرئ ذمته، فلو أعطى كل مسكين مدين فهذا هو أكثر ما ذكر أهل العلم في ذلك، أكثر ما ذكر أهل العلم في ذلك. والمدان ما يقارب يعني الكيلو ويزيد قليلاً شيئاً يسيراً، أكثر من الكيلو، فلا بأس بذلك. فالعشر لو أعطاهم مثلاً 12 كيلو أو 13 كيلو أو نحو ذلك، فإن شاء الله هذا يكفي في ذلك الإطعام، في ذلك الإطعام. فإذا عجز عن الإطعام، ما عنده شيء، فقير، فلا بأس بعد ذلك أن ينتقل إلى الصيام، فيصوم ثلاثة أيام. وجاءت قراءة أنها متتابعات، يعني تكون هذه الأيام متتابعات، ثلاثة أيام مع بعض. لكن هذا مع العجز، هذا مع العجز. لكن إذا يستطيع الأول فواجب عليه أن يفعل الأول. والشاهد من هذا الحديث هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم رأى أتقى لله منها»، هي بمعنى: خير، خير منها، كما تقدم. حلف أن لا يكلم فلان، أو حلف أن لا يدخل بيت فلان من أقربائه، من أرحامه، هذا ما يجوز، فهذا خير. دخولك إلى هذا البيت فلا يمنعك اليمين من الاستمرار في هذه القطيعة، فيجب عليك أن تكفر عن يمينك، وأن تأتي الذي هو أتقى، والذي هو خير، وهو دخول هذا البيت، أو كذلك كلام ذلك الأخ المسلم، أو نحو ذلك مما يحلف عليه الناس، مما يحلف عليه الناس. طيب، نكتفي بهذا. وإلهنا الله تعالى. ترجمة نانسي قنقر.