الدرس في باب التقوى من رياض الصالحين 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح حديث أبي سعيد الخدري الذي يصف الدنيا بأنها حلوة خضرة، ويبين أن الله استخلف الناس فيها ليختبر أعمالهم. يحذر النبي ﷺ من الركون إلى زينتها ومن فتنة النساء، موضحاً أن "اتقوا الدنيا" تعني الالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه.
يضرب الشيخ أمثلة كالتاجر الذي يترك الصلاة لجمع المال، ومن يختار المال الحرام على طاعة الله، ومن يشتغل بالبيع والشراء وقت صلاة الجمعة. يوضح أن تحذير النبي ﷺ «فاتقوا الدنيا» يعني القيام بأوامر الله وترك نواهيه وعدم الاغترار بحلاوة الدنيا وزينتها.
يبيّن المقطع أن النساء هي أعظم فتنة في الدنيا مستدلاً بحديث «أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». توضح الشريعة حرمة النظر والخلوة والمصافحة والسفر بغير محرم والتبرج لسد ذرائع الفتنة، وتحذر من استغلال أعداء الإسلام لهذه الفتنة عبر الإعلام والدعوات للتحرر.
يؤكد المقطع أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بتقوى الله من خلال الحذر من فتنة الدنيا، وخصوصاً فتنة النساء. يختتم الدرس بالتوقف عند هذا الحد مع تفويض العلم لله تعالى.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وبعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في باب التقوى، الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». رواه مسلم. قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا حلوة خضرة»، أي: حلوة في المذاق، وخضرة في المنظر. والشيء إذا كان خضراً حلواً، فإن العين تطلبه أولاً، ثم تطلبه النفس. عندما تنظر إلى شيء خضر يسر الخاطر وتقر به العين، فلا شك أن النفس تطلبه. فالشيء اجتمع فيه طلب العين وطلب النفس، فإن الإنسان يوشك أن يقع فيه. ولذلك يغتر الإنسان بهذه الدنيا لما فيها من ذلك الوصف: الإخضرار مع حلو المذاق. فحذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الركون إليها ومن الاغترار بها، فقال: «وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون». يعني: فتنة، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. فهذه الدنيا فتنة للإنسان، فلربما تتزين له، وكذلك تكون حلوة خضرة فيغتر بها ويركن إليها. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «فاتقوا الدنيا واتقوا النساء». ما معنى «اتقوا الدنيا»؟ وهذا هو موطن الشاهد من إيراد هذا الحديث في باب التقوى. معنى «فاتقوا الدنيا»: أي قوموا بما أمركم الله به، واتركوا ما نهاكم عنه، ولا تغركم أو تغرنكم حلاوة الدنيا وما فيها. وهذا الحديث بمعنى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. نضرب أمثلة لاغترار بعض الناس بالدنيا. من أمثلة ذلك: أن يكون الإنسان منشغلاً بعمل دنيوي كالتجارة أو الزراعة أو مهنة، فينادى المنادي بالصلاة: «حي على الصلاة، حي على الفلاح»، وهذا الرجل في دكانه يجمع الأموال ويترك نداء الله. الناس يصلون وهو في دكانه. ما الذي جعله يفعل ذلك؟ فالاغترار بالدنيا وما يذيقه من حلاوة الدنيا ومن جمع الأموال ومن التكاثر بها ونحو ذلك. هذا كمثال. مثال آخر: إنسان بين أمرين، إما أن يأخذ هذا المال وهو من حرام، وإما أن يتركه لله عز وجل فيفوته هذا المال، فيقدم حلاوة وشهوة المال على أمر الله عز وجل. وهذا الذي حذر الله منه في آيات كثيرة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. اتركوا البيع، فلا يجوز للمسلم الذي تجب عليه الجمعة أن يبيع ويشتري إذا صعد الخطيب على المنبر. انظر الآن كم من أناس تجب عليهم الجمعة وتجدهم لا يزالون في سوقهم، لا يزالون في بيعهم وشرائهم. ما الذي دفعهم إلى هذا؟ إنه الاغترار بهذه الدنيا، يتلذذون بحلاوتها وزينتها، ويتركون أوامر الله سبحانه وتعالى. مثال آخر مما حذرنا الله عز وجل فيه من الدنيا، قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾. فسر ذكر الله في هذه الآية بالصلاة، يعني: لا تلهكم الأموال والأولاد، وهي شهوة من شهوات الدنيا، عن ذكر الله، عن الصلاة. ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون. فهمنا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا الدنيا»، أي: قوموا بما أمركم الله به، واتركوا ما نهاكم عنه، ولا تغرنكم حلاوة الدنيا وزينتها عما أمركم الله سبحانه وتعالى به. وأما قوله: «واتقوا النساء»، فالنساء من الدنيا، من زينة الدنيا. زينة الدنيا هذا يشمل أيش؟ زينة الدنيا: الأموال والرئاسات. بعض الناس يحب الرئاسة وأن يقال: فلان رئيس، فلان وزير، فلان مدير، فلان كذا وكذا. كذلك من زينة الدنيا: النساء. ينظر إلى النساء، وربما يشتهي أن يلتقي بالنساء على ما حرم الله عز وجل. شهوة ودنيا وزينة. وهكذا الأولاد من زينة الدنيا. وهكذا قس على ذلك. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «واتقوا النساء»، هذا من باب عطف الخاص على العام. والقاعدة عند أهل العلم أن عطف الخاص على العام يفيد الاهتمام، بمعنى: أن من أعظم فتن الدنيا النساء. من أعظم فتن الدنيا النساء. وهناك أمم قبلنا كانت أعظم فتنتهم النساء، كما في هذا الحديث: «فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». فكيف الإنسان يتقي النساء؟ يبتعد عن كل سبب يؤدي إلى الافتتان بهن. ولذلك نهى ربنا سبحانه وتعالى عن أي وسيلة تؤدي إلى الافتتان بالنساء والوقوع في الزنا. فحرم الله النظر، لأن النظر بريد الزنا. وحرم الله الخلوة بالمرأة. وحرم الله مس المرأة أو مصافحة المرأة. وحرم الله سفر المرأة من غير محرم. وحرم الله تبرج النساء. كل هذه من أجل اتقاء فتنة النساء. ولقد تفطن أعداء الإسلام إلى خطورة فتنة النساء، فحاولوا أن يضعفوا المسلمين من هذا الباب: باب فتنة النساء. فهناك دعوات لأعداء الإسلام في بلاد المسلمين إلى أن تتحرر المرأة من أيش؟ تتحرر من عفتها، تتحرر من كذلك سترها وحيائها. فنادوا بمشاركة المرأة للرجال في الوظائف وفي كذلك الأعمال، ونادوا كذلك بسفر المرأة من غير محرم. وللأسف الشديد أن بعض الدول الإسلامية عملت بهذا الأمر الذي هو غاية في الخطورة، غاية في الخطورة: أن تسافر المرأة وحدها من غير محرم. فهذا هو من أعظم ما يفتن المرأة ويفتن الرجل أيضاً. وهكذا انتشار الفساد في تلك الوسائل الحديثة من الجوالات والشاشات والإباحية فيها، ونشر صور النساء في المنتجات، في البضائع. ما تجد بضاعة إلا ويجعلون صورة امرأة. لماذا ما يجعلون صورة رجل؟ الصابون والأمواس والمواد الغذائية، وما من بضاعة إلا ويضعون عليها صورة المرأة. لماذا؟ حتى يفتنوا الناس بهذه الفتنة. فينبغي على أهل الإسلام أن يتفطنوا لذلك. إذن الشاهد من هذا الحديث هو الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم بتقوى الله عز وجل، وذلك بالحذر من فتنة الدنيا ومن فتنة النساء خاصة. طيب، نكتفي بهذا إلى هنا، والله تعالى أعلم.