باب التقوى من رياض الصالحين 2

باب التقوى من رياض الصالحين 2

الدرس في باب التقوى من رياض الصالحين 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

المخرج من كل ضيق والفرج الإلهي

يوضح الشرح أن آية ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ تعد وعداً عاماً بفرج كل ضيق للمتقين، مستدلاً بقصص الصحابة كقصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة وغزوة الأحزاب. ويؤكد أن التقوى تجلب المخرج من الأزمات المعيشية والمالية والاجتماعية.

الفرج والرزق من حيث لا يُحتسب والفرقان

تبين الآية ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ أن التقوى تجلب رزقاً غير متوقع وتعوض العبد خيراً عما يتركه من حرام. كما تمنح المؤمن فرقاناً يميز به بين الحق والباطل والنافع والضار.

الفرقان وتكفير السيئات

تمنح التقوى المؤمن فرقاناً يزيده فهماً وفراسة وتهون عليه مصائب الدنيا، وتكون سبباً لتكفير السيئات بالأعمال الصالحة كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم أن اتباع السيئة بالحسنة يمحوها.

المغفرة بالتوبة والاستغفار من فوائد التقوى

من فوائد التقوى أن الله ييسر للعبد الاستغفار والتوبة بعد الذنب، مما يكفر السيئات بالأعمال الصالحة والإنابة. ويختم الدرس بالتأكيد على لزوم تقوى الله للسعادة في الدين والدنيا والانتقال للأحاديث في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فلازلنا في أول باب التقوى من كتاب رياض الصالحين. وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى عدة آيات في هذا الباب، تكلمنا على آيتين، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، ثلاث آيات. ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. هذه الآية أيضًا فيها ذكر بعض ثمار التقوى، وأن المسلم إذا اتقى الله بفعل أوامره وترك نواهيه يجعل له مخرجًا من كل ضيق، لأن "مخرجًا" هنا نكرة جاءت في سياق الشرط فتفيد العموم، فكل ضيق نزل بالمتقي فإن الله الذي لا يخلف الميعاد قد وعد بانفراج هذه الضائقة على عبده المتقي. فكلما ضاق عليه الشيء وهو متقٍ لله جعل له مخرجًا، سواء كان هذا الضيق في معيشته أو في أمواله أو في أولاده أو في مجتمعه. ففي كل ضيق ينزل بالمتقي فإن فرج الله عز وجل عليه قريب، قريب. وسيذكر المؤلف قصصًا ممن فرج الله عز وجل عليهم بسبب تقواهم لله عز وجل، كالثلاثة النفر الذين انطبقت عليهم الصخرة، وهكذا ما أيد الله عز وجل به صحابة نبيه في كثير من المواقف التي ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فجاء فرج الله كالثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فإن هؤلاء الثلاثة بسبب صدقهم وهو من أعظم خصال التقوى ففرج الله عز وجل عنهم بعد خمسين ليلة، فجاءت براءتهم من فوق سبع سماوات. أمثلة كثيرة في غزوة الأحزاب، ذكر الله عز وجل الضيق والحال الذي نزل بالصحابة، فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾. انظر إلى هذا الوصف، أهناك ضيق أعظم من هذا أن تبلغ القلوب الحناجر من شدة الخوف ومن شدة الأمر؟ ومع هذا جاء الفرج بأن أرسل الله عز وجل جندًا من جنوده، فهبت تلكم الريح العاصفة فأقلعت خيام المشركين وأكفأت قدورهم، فولوا مدبرين ذليلين منهزمين. وهكذا أمثلة كثيرة. فمن يتق الله سواء كان على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمع فالله عز وجل لا شك ولا ريب يفرج عنه كربته، يفرج عنه كربته، سبحانه وتعالى، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقول للشيء كن فيكون، فهو مع عبده المتقي له سبحانه وتعالى. فهذه ثمرة عظيمة من ثمار التقوى، ما تضيق عليك إلا وتفرج، إلا وتفرج بإذن الله سبحانه وتعالى، متى ما اتقيت الله عز وجل. وهكذا في هذه الآية ثمرة أخرى من ثمار التقوى، وهي قوله: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. يبارك ربك سبحانه وتعالى في رزقك، ويفتح لك أبوابًا ما كانت في مخيلتك وما كانت في بالك، أبوابًا لربما ما توقعت أن تفتح لك، لكن بسبب تقوى الله عز وجل فتح عليك هذه الأموال وهذه الأرزاق من حيث لا تحتسب. بعض الناس مثلًا يعرض عليه عمل محرم أو عمل مشبوه فيتق الله ويترك هذا العمل، مع أنه ربما هذا العمل فيه إغراء، فيه راتب كبير وكثير، ولكنه يتركه لله عز وجل. اعلم أنك قد اتقيت الله في عدم قبولك لهذا الرزق الحرام أو الرزق المشبوه، فأيقن بأن الله عز وجل سيفتح عليك أبوابًا كثيرة من الرزق الحلال. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه». تترك شيئًا لله ابتغاء مرضاة الله واتقاء غضب وسخط الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يبدلك خيرًا منه، ويرزقه من حيث لا يحتسب. فاحذر من أن تغرك هذه الدنيا فتترك تقوى الله فتقع في شيء من تلك الأرزاق المحرمة أو المشبوهة. فقد يبتلى الإنسان يترك عملًا لله فيتأخر عليه الرزق فيقنط ويسيء الظن بربه فيحرم هذا الرزق، لكن تصبر وتحتسب، واعلم أن الله سبحانه وتعالى لن يخيبك ولن يضيعك ما دمت مع الله، ما دمت في تقوى الله سبحانه وتعالى. فاصبر واترك ما حرم الله عليك، وانتظر الفرج والرزق من حيث لا تحتسب. وهكذا ذكر الآية الأخرى في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. هذه الآية ذكرت فيها ثلاث فوائد وثمار من ثمار التقوى. الفائدة الأولى: يجعل لكم فرقانًا. أي يجعل لكم ما تفرقون به بين الحق والباطل. من اتقى الله سبحانه وتعالى يعطيه الله عز وجل نورًا يبصر به طريق الحق من طريق الضلال، والطريق النافع من الطريق الضار. يتميز كذاك الذي يمشي في ظلمة الليل ومعه سراج يضئ له الطريق، فإذا رأى حفرة ابتعد عنها لا يقع فيها لأن معه النور الذي يبصره، وإذا رأى حجرة ابتعد عنها حتى لا يصطدم بها، إذا رأى شجرة ابتعد عنها حتى لا يصطدم بها. وهكذا. فهذا الذي ذكر في الآية أمر معنوي، فما أكثر العوائق في هذه الدنيا، وما أكثر الحفر والفتن التي يسقط فيها كثير من الناس: فتن الشهوات، وفتن الشبهات، فتن الأحزاب، فتن المناهج المنحرفة، فتن البدع والضلالات. فإذا كنت من أهل التقوى فربك سبحانه وتعالى يجعلك تميز، تميز بين الحق والباطل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، أي تفرقون به بين الحق والباطل. ويدخل في ذلك العلم، أن الله يوفقك للعلم النافع، فالعلم النافع هو الذي به يبصر الإنسان الطريق، يبصر به الإنسان الطريق. فبالعلم تزداد التقوى، وتزداد الهداية. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. فبالعلم تزداد هداية، وبالهداية تزداد تقوى لله سبحانه وتعالى. فالإنسان كلما ازداد علمًا ازداد معرفة، وازداد فرقانًا يفرق به بين الحق والباطل، والضار والنافع. وكذلك يدخل في ذلك الفهم، الله عز وجل ينور قلبك بالفهم، لأن التقوى سبب لقوة الفهم، وقوة الفهم يحصل بها زيادة العلم. ولذلك ما يناقض التقوى وهي ارتكاب المعاصي يكون سببًا في ظلمة القلب، وإذا أظلم القلب تبلد القلب وصار كالكوز مجخيًا، كالكوز المنكوس، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأخبرني بأن العلم نور، ونور الله لا يؤتاه عاصٍ. فمن اتقى الله كذلك نور قلبه، ففهم العلم وحفظ العلم، واتسع قلبه للعلم. وهكذا ربك سبحانه وتعالى يعطيك الفراسة، تكون من أهل الفراسة الذين يميزون بين كل شيء بإذن الله سبحانه وتعالى. وهكذا يدخل في ذلك ما يحصل لأهل التقوى من الكرامات التي لا تحصل لغيرهم، فالحوادث تكون في حقهم خفيفة فيها من حلم الله عز وجل عليهم، وهكذا ما يكون من مصائب الدنيا يخففها الله عز وجل عليهم بما أوتوا من صبر ومن يقين ومن إيمان بقضاء الله وقدره. فكل ذلك من ثمار التقوى. هذه الفائدة الأولى: يجعل لكم فرقانًا. الفائدة الثانية: يكفر عنكم سيئاتكم. تقوى الله سبب لتكفير السيئات، لأن من اتقى الله عمل الصالحات، والأعمال الصالحة سبب في تكفير السيئات، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، الحسنات يعني الأعمال الصالحة. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها». إذا أتبعت السيئة بحسنة فإن هذه الحسنة تمح السيئة. فإذا تقوى الله عز وجل كذلك سبب لتكفير الذنوب. وهكذا: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، هذه الفائدة الثالثة، أي يسر لكم الاستغفار والتوبة. فإن من نعمة الله عز وجل على العبد أنه إذا أحدث ذنبًا أتبعه بالاستغفار، أتبعه بالاستغفار والتوبة، فهذا من أسباب تكفير السيئات. يكفر الله عنكم هذه السيئات بالأعمال الصالحة أو بالتوبة والاستغفار والإنابة إليه. فكم هي فوائد التقوى! فالزم تقوى الله تسعد في دينك ودنياك. وبهذا نكون قد انتهينا من ذكر الآيات الواردة في باب التقوى، وبه نكتفي. وفي الدرس القادم نشرع في ذكر الأحاديث. إلى هنا، والله تعالى، شكرًا للمشاهدة.