باب التقوى من رياض الصالحين 1

باب التقوى من رياض الصالحين 1

الدرس في باب التقوى من رياض الصالحين 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى التقوى وفضلها في رياض الصالحين

يوضح المحاضر معنى التقوى لغةً وشرعاً كوقاية النفس من عذاب الله بفعل الأوامر وترك النواهي، مستنداً إلى آيات وأقوال السلف مثل طلق بن حبيب. ويستعرض فضائل التقوى من جعل المخرج والرزق من حيث لا يُحتسب، مبيناً تفسير "اتقوا الله حق تقاته" بأنه الاتقاء بقدر الاستطاعة.

تفسير ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وضوابط الاستطاعة

يشرح أن التكليف مرهون بالاستطاعة، فيُرخّص للعاجز عن ركن في الصلاة أو الصيام بالبديل أو السقوط، وتباح المحرمات عند الضرورة القصوى كخوف الموت. ويشدد على أن الاستطاعة والضرورة تضبط بأحكام الشرع لا بالآراء أو العواطف.

معنى التقوى والقول السديد وثمرتهما

يعرف التقوى بفعل الأوامر وترك النواهي خوفاً من الله، والقول السديد بالكلام الصواب الشامل لكل خير مع أهمية وضعه في موضعه بالحكمة. ويذكر ثمرتيهما: صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب.

ختام الدرس وتأجيل تفسير بقية الآيات

أعلن المحاضر انتهاء الوقت المحدد وقرر تعليق التعليق على الآيات المتبقية إلى درس قادم. واختتم الجلسة بالحمدلة مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وبعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين": الباب السادس، باب التقوى. قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾، وقال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾، والآيات في الأمر بالتقوى كثيرة معلومة. وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾، وقال تعالى: ﴿ إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾. التقوى اسم مأخوذ من الوقاية، وهو أن يتخذ الإنسان ما يقيه من عذاب الله. وما هو الذي يقي العبد من عذاب الله؟ فعل الأوامر وترك النواهي. وهذا المعنى جاء في قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾، أي اجعلوا بينكم وبين أهاليكم وبين النار وقاية من عذابها. فإذن هذا هو معنى التقوى، وكل ما جاء عن العلماء في تفسير التقوى يدور حول هذا المعنى، يدور حول هذا المعنى. فقول طلق بن حبيب رحمه الله تعالى: «التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله»، هذا هو بمعنى فعل المأمورات وترك المحظورات. وهكذا ما جاء في تفسير وتعريف التقوى. والتقوى إذا أطلقت فهذا هو معناها، أما إذا قرنت مثلاً بالبر فالبر يكون بمعنى فعل الأوامر والتقوى يكون بمعنى ترك النواهي. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾، فُسِّر البر بفعل الأوامر والتقوى بترك النواهي. فإذا اجتمع البر والتقوى فلكل واحد معنى، أما إذا انفردت التقوى فتشمل فعل الأوامر وترك النواهي. ثم ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى بعض الآيات في باب التقوى والأمر بها والحث عليها، وفضل كذلك التقوى وثمار التقوى التي يجنيها المتقي. فذكر من هذه الآيات قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾. فربنا سبحانه وتعالى وجه الأمر للمؤمنين لأن المؤمن يحمله إيمانه على التقوى، لأن المؤمن يحمله إيمانه على التقوى. فهذا فيه أمر لأهل التقى بأن يتقوا الله حق تقاته. وقوله: ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾، ما معنى حق تقاته؟ قال الشيخ ابن عثيمين: فسر الإمام النووي معنى قوله ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ بالآية التي ذكرها بعد هذه الآية، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾. فمعنى ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ أي أن تتقي الله ما استطعت، لأن الله عز وجل لا يكلف نفساً إلا وسعها. فلذلك فإن المؤمن إذا لم يستطع أن يقوم بالأمر رخص له فيما هو دونه. فمثلاً في الصلاة: إذا لم يستطع أن يأتمر بأمر الله عز وجل في القيام أثناء الصلاة، والقيام ركن من أركان الصلاة، لكنه يسقط بالعجز، يسقط بالعجز كمرض ونحوه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين: «صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب». فإذا قدّر الإنسان ما يستطيع أن يفعل الأمر، سواء كان في الصلاة أو في الصيام، ما يستطيع أن يصوم، أن نقول له: من تقوى الله أن تصوم ولابد؟ لا، رخص الله عز وجل للمريض، رخص الله عز وجل كذلك للكبير العاجز أن يفطر، وأن يجعل بدلاً عن الإفطار إذا كان مرضه لا يرجى برؤه، أو كان الكبير لا يستطيع الصيام مطلقاً، فينتقل هؤلاء إلى الإطعام. فهذا معنى ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾. هذا في الأوامر، وكذلك حتى في النواهي: إذا اضطررت إلى فعل المحرم أجاز لك الشرع ذلك، أجاز لك الشرع ذلك. ما يعني عندك طعام وبلغ بك الحال إلى الهلاك، ربما تهلك وتموت، وعندك لحم خنزير، فهل يجوز لك أن تأكل منه؟ نعم، بقدر الضرورة، مع أن لحم الخنزير محرم. هل معنى أن هذا الآكل ليس بمتقٍ لله؟ لا، هو من المتقين. وإذا ما أكل فمات فهو من الآثمين. فإذا هذا معنى ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾، أي على قدر الاستطاعة. لكن هذه الاستطاعة لها ضوابط، لا تكون بالآراء، ولا بالاستحسان، ولا بالعواطف، إنما تكون بضوابط الشرع. فمثلاً: الضرورة إنما يصل إليها الإنسان إذا خشي من الموت، أو إذا خشي من المرض أو ازدياده، أو إذا عجز عن فعل الواجب، عجز عن فعل الواجب، فهنا يكون مضطراً، يكون مضطراً إلى تركه. مثال الموت: كما مثلنا، إما أن تأكل من هذا المحرم أو تموت، فلا يجوز لك أن تؤدي بنفسك إلى التهلكة. وهكذا زيادة المرض: عندك مرض لو صمت لزاد هذا المرض، أو إذا صمت لأججك هذا المرض، كالذي يعاني من أمراض الكلى، أو من أمراض السرطان، أو من أمراض كذلك هذه الأمراض التي لا بد للمريض أن يأكل بين الفترة والأخرى، فهنا لا يجوز له أن يصوم حتى يؤدي بنفسه إلى زيادة المرض أو إلى وقوع المرض. وكذلك من ضوابط الإضطرار: العجز، تعجز عن فعل الأمر فتنتقل إلى غيره إذا كان له بدل. نعم، فالإضطرار قد يكون، أو سقوط الواجب قد يكون عن بدل: ما تستطيع أن تتوضأ بالماء تتيمم، هذا بدل. ما تستطيع أن تصوم لمرض لا يرجى برؤه تنتقل إلى الإطعام. وهناك واجبات ليس لها بدل، وهو العاجز عن الحج بماله، فالعاجز عن الحج بماله يسقط عنه. طيب، لو مات وهو لا يزال عاجزاً ولم يحج، هل عليه إثم؟ ليس عليه إثم، لأن الله عز وجل قال في كتابه الكريم: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾، فالذي لا يستطيع إليه سبيلاً، ما يملك الزاد ولا الراحلة، فهنا يسقط عنه الحج. فهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾، وهذا معنى قول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾، ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ يفسره قوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾. وكذلك ذكر الإمام النووي قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾، فأمر بأمرين في هذه الآية: بتقوى الله وبالقول السديد. تقوى الله تقدم معناها، وأما القول السديد فهو القول الصواب. القول السديد هو القول الصواب، وهو يشمل كل قول فيه خير، سواء كان من ذكر لله، أو من طلب علم، أو من أمر بمعروف، أو من نهي عن منكر، أو من الكلام الحسن الذي يؤدي إلى المحبة والمودة بين الناس. ويجمع ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»، فليقل خيراً أو ليصمت. وما هو ضد القول السديد؟ هو القول الذي ليس بصواب، بل خطأ، إما في موضوعه وإما في محله. في موضوعه: بأن يكون الكلام فاحشاً بذيئاً، كالسب والشتم والغيبة والنميمة وما أشبه ذلك. وأما في محله: أن يكون هذا القول في نفسه هو خير، لكن كونه يقال في هذا المكان ليس بخير، لأن لكل مقام مقال. مثال ذلك: إنسان عند أناس جهال، عندهم شرك بالله عز وجل، وعندهم كذلك معاصٍ أخرى، فليس من القول السديد أن يبدأ معهم بالتحذير مما هو دون الشرك، بل يبدأ معهم بالدعوة إلى التوحيد. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، فلا يبدأ بما هو دون التوحيد، لأنه إذا لم يوجد التوحيد لا تنفع بقية الأعمال، لا تنفع بقية الأعمال. أو يحدث في مجلس عوام في مسائل لا تدركها عقولهم، أو لا تدركها عقولهم، كأن يتكلم في تفاصيل الأسماء والصفات والقواعد في ذلك ونحو ذلك من تفاصيل هذا الباب، فهذا ليس بقول سديد. فمن الحكمة أن تضع الكلام في موضعه المناسب، فهذا أيضاً يدخل في هذا. طيب، ثم ذكر في هذه الآية ثمرة من ثمار التقوى والقول السديد، وهو: ﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾، وهذا يدل على فضل التقوى وعظم فضلها وأجرها. فمن ثمار التقوى: صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب. يصلح الله عز وجل لك أعمالك لأن التقوى هو أن تخاف من الله، فخوفك من الله عز وجل يدفعك لعمل الأوامر وترك النواهي، وهذا لاشك أنه صلاح الأعمال. وهكذا مغفرة الذنوب، مغفرة الذنوب. طيب، لانتهاء الوقت نعلق على بقية الآيات في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر