نعمة الأخوة

نعمة الأخوة

الخطبة بعنوان نعمة الأخوة، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

نعمة الأخوة الإسلامية وأسسها في القرآن والسنة

توضح الخطبة أن الأخوة بين المؤمنين رابطة عقدية مقدسة تستند إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية تصفهم كجسد واحد وبنيان متراص. وتستعرض حقوق المسلم على أخيه من نصر وإيثار وكف الأذى مع مثال تآخي المهاجرين والأنصار.

فضل المحبة في الله وحقوق الأخوة المترتبة عليها

تؤكد أن المحبة والأخوة في الله هي الرابطة الباقية يوم القيامة بينما تنقطع صلات الدنيا، وتذكر فضائل المتحابين من النصوص الشرعية. وتبيّن أن كمال الإيمان يتحقق بإرادة الخير للمسلم كما يحب لنفسه مع التحذير من آفات اللسان ومخططات الأعداء.

التحذير من التفرق والدعوة إلى الوحدة والأخوة العملية

يحذر الخطيب من مخططات الأعداء لتمزيق وحدة المسلمين عبر القوميات والمذاهب مستدلاً بآيات تأمر بالاعتصام بحبل الله ونهي عن التفرق. ويذكر حقوق الأخوة العملية كإفشاء السلام وعيادة المريض وتشميت العاطس وقضاء الحوائج والتعاون على البر والتقوى.

أهمية الإصلاح بين الناس وخطر الشيطان في إثارة الفرقة

يحث المقطع على السعي في حل مشاكل المسلمين وفض النزاعات مبيناً أن الشيطان هو المصدر الرئيس للفرقة والشحناء. ويؤكد أن الإصلاح بين الناس من أعظم القربات وأفضل من نوافل العبادات داعياً للاستقامة والتآخي في سبيل الله.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: نعمة الأخوة، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن النصوص في كتاب الله عز وجل وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم التي تأمر بكل ما يقوي الألفة ويزيد في المحبة ويعين على التآخي والترابط كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل مبيناً كون المؤمنين أمة واحدة وجماعة واحدة وكتلة واحدة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾، ويقول الله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. وهكذا يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾. نعم عباد الله، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشاد بهذه الرابطة وفخم من شأن هذه القوة، وذكر الآداب والحقوق والوسائل التي تعين على تقوية هذه الصلة وهذه الرابطة. نعم عباد الله، حث النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك في سفره وحضره، وفي حله وترحاله، فهو القائل عليه الصلاة والسلام: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم». ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أيضاً: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، وشبك بين أصابعه، متفق عليه من حديث أبي موسى. ويقول عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، متفق عليه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. نعم، أمة الإسلام كتلة واحدة وجماعة واحدة وشيء واحد، إذا تفرق فإنه يفقد الحياة، مثل الجدار إذا تفرق فإنه يسقط، ومثل الجسد إذا تفرقت أعضاؤه فإنه يموت. وهكذا أمة الإسلام كما وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام: «كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، وفي الحديث الآخر: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وهكذا عباد الله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله، التقوى هاهنا»، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه». ويقول عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلّمه. من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة». ويقول أيضاً عليه الصلاة والسلام: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة». وفي الحديث الآخر: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». هكذا عباد الله، كانت توجيهات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شأن هذه الرابطة، وفي شأن هذه الصلة العظيمة التي تجمع بين المسلمين. لا يجمعهم طمع الدنيا ولو كثر عظم، ولكن الذي يجمع بين القلوب، والذي يوحد الصفوف، والذي يعطي الألفة والمحبة، إنما هو الإيمان بالله، والعقيدة الصحيحة، والمحبة الصادقة في الله عز وجل. كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. لو أنفقت يا محمد ما في الأرض جميعاً من القصور والذهب والفضة والجواهر واللآلئ، ما استطعت أن تؤلف بين هذه القلوب المتنافرة المتباغضة المتعادية. فإن الله عز وجل بعث نبيه صلى الله عليه وسلم إلى أمة متناحرة متباغضة متنافرة متعادية، يغير بعضهم على بعض، ويعتدي بعضهم على بعض، فما هي إلا أيام يسيرة وأيام قلائل، وإذا بهذه القلوب المتباغضة المتنافرة المتعادية تصير كقلب رجل واحد، يتحابون في الله، ويتزاورون في الله، ويتواصلون من أجل الله وفي ذات الله تبارك وتعالى. ضربوا أروع الأمثلة في الإخاء والمحبة والصدق والإيثار. زكاهم الله ومدحهم فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكَافِرِينَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. زكاهم الله ومدحهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. هكذا عباد الله، هكذا عمل النبي صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة، كانت من أجل الأعمال التي قام بها أنه أصلح بين الأوس والخزرج، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وصاروا أمة عظيمة، وصاروا قدوة صالحة. فهكذا ينبغي على أمة الإسلام: نحن في دعوة مباركة، ونحن في دين عظيم، دين الألفة والمحبة والترابط والتآخي والتواصل. نعم عباد الله، ألفة ومحبة للعرب والعجم، للغني والفقير، للأسود والأبيض. هكذا جعلنا ربنا عز وجل أمة واحدة في عقيدتها، وأمة واحدة في عبادتها، وأمة واحدة في سلوكها ودعوتها ومنهاجها: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. نعم عباد الله، هذه الصلة العظيمة التي تبقى وتدوم، يوم تنقطع الصلات وتذهب الروابط، وتذهب هذه العلاقات والصداقات التي تكون في الدنيا. أما رابطة الدين، وأما هذه الصلة والقوة في الله عز وجل، فإنها التي تبقى وتدوم. ﴿يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. أما صلات الأنساب والصداقات والعلاقات والقرابات فإنها تذهب، وكل واحد يقول يوم القيامة: نفسي نفسي. قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، ويقول الله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾، ويقول الله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. نعم عباد الله، فهكذا ينبغي علينا أن نحمد الله عز وجل على هذه النعمة. هذه تعتبر نعمة إخواني في الله: أننا نتواصل في الله، وأننا نجتمع لأجل الله، وأننا نتحابب في الله ومن أجل الله، ليس لدنيا من قشة، وليس لحطام فانٍ، وليس لأجل ولاء وبراء ضيق على حزب أو جمعية أو حركة أو مؤسسة أو طائفية أو عنصرية أو شيء من ذلك. إنما اجتماع المسلمين في الله ومن أجل الله، ولاء المسلم لله ورسوله وللمؤمنين، لا يوالي ويعادي لأجل دنيا، لا يوالي ويعادي لأجل حزب، لا يوالي ويعادي لأجل فكرة ونحلة وطريقة ومذهبية وعنصرية. وإنما اجتماع المسلمين في الله ومن أجل الله عز وجل. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند أبي يعلى وصحيح ابن حبان وعند النسائي في كتاب التفسير من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن لله عباداً، إن لله عباداً يغبطهم الأنبياء والشهداء، ليسوا بأنبياء ولا شهداء». قالوا: يا رسول الله، صفهم لنا لعلنا نحبهم. قال: «هم قوم تحابوا في الله من غير أرحام ولا أنساب، وجوههم من نور على منابر من نور، لا يخافون يوم يخاف الناس، ولا يحزنون يوم يحزن الناس». ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. نعم عباد الله، المحبة في الله والأخوة في الله، هذه شأنها عظيم، وهذه منزلتها عالية ورفيعة. رجلان من الذين يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجلان اجتمعا في الله وتحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، اجتمعا عليه وتفرقا عليه». يوم القيامة ينادي الله عز وجل: «أين المتحابون في جلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي». وهكذا يقول الرب سبحانه وتعالى: «وجبت محبتي للمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ، والمتحابين فيّ». نعمة عظيمة إخواني في الله، لا ينبغي أن نهجرها، ولا ينبغي أن نحقر من أمرها، بل علينا أن نسعى في تنميتها، وأن نسعى في زيادتها، في أداء الحقوق التي أمر الله عز وجل بها، بالبعد عن أسباب الشحناء والبغضاء وأنواع العداوات. أصل عظيم من أصول ديننا: الإتلاف والتحابب والرحمة والاجتماع. أصل عظيم، حسن الله في كتابه عليه، وحسن عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهكذا عباد الله، ينبغي أن يكون عليه المؤمن، هكذا ينبغي أن يكون عليه المؤمنون: أنهم يتعاونون على البر والتقوى، وأنهم يتآزرون على الخير، وأنهم يتحابون في الله ومن أجل الله. من كان على القرآن والسنة فهو أخوه، وإن بعدت دياره، سواء كان يمنياً أو كان مصرياً أو كان حجازياً أو كان نجديا أو كان شامياً أو كان شرقياً أو كان غربياً، سواء كان عربياً أو كان أعجمياً. من كان على القرآن والسنة فهو أخوه، تحبه وتواليه وتحرص على إيصال الخير إليه. بل تبلغ المحبة بالمؤمن لإخوانه المؤمنين أن يحب لهم من الخير مثل ما يحب لنفسه. ليست محبة على أطراف اللسان، وليست محبة ببشاشة الوجه فقط، بل محبة قد غرست في القلوب حتى ظهرت آثارها على الجوارح. نعم عباد الله، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. يعني إلى هذا الحد عباد الله، ما يكمل الإيمان، يرتفع عنك كمال الإيمان حتى تحقق هذا الأمر. ما هو هذا الأمر؟ أن تحب لإخوانك المسلمين ما تحبه لنفسك. كما أنك تحب لنفسك أن تكون صحيحاً في بدنك، وأن تكون معافى من الفتن، وأن تكون غنياً، وأن تكون سعيداً، وأن تكون كريماً، وأن تكون عالماً، وأن تكون معتدلاً، وأن تكون صالحاً مستقيماً، فإنك تحرص على أن يكون إخوانك المسلمون كذلك. تكره لنفسك المرض والسقم، تكره لنفسك الضلال والانحراف، تكره لنفسك الفتن، فأنت تكره لإخوانك المسلمين. لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. هل أنت ترضى أن يغتابك أحد؟ الجواب: لا. فأيضاً كيف تغتاب إخوانك المسلمين؟ والله يقول: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾. أترضى أن يفسد بينك وبين أحبائك أحد يسعى بالتحريش والنميمة؟ الجواب: لا. فكيف تسعى في التحريش والتفريق بين إخوانك المؤمنين؟ والله يقول: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، ويقول: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾. أترضى لأحد أن يسخر بك؟ الجواب: لا. فكيف تسخر بإخوانك المسلمين وتحتقرهم؟ والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. أترضى أن يخطب الرجل على خطبتك؟ الجواب: لا. فكيف تخطب على خطبة إخوانك المسلمين؟ أترضى أن يبيع أو يشتري على بيعك وشرائك؟ الجواب: لا. فكيف تفعل ذلك؟ أتحب أن يغشك أحد من المسلمين في معاملة أو بيع أو شراء أو كلام أو شيء من ذلك؟ الجواب: لا. فكيف تفعل ذلك مع إخوانك المسلمين؟ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. هكذا إخواني في الله، فينبغي عباد الله أن نحمد الله عز وجل على هذه النعمة، وأن نحذر من ضدها: وهو التقاطع والتدابر، وأيضاً فصول الشحناء والبغضاء في صفوف المسلمين. لسنا نتكلم على مجموعة معينة ولا على بلد، لكن نتكلم على عموم المسلمين: أنهم يتآخون كما أمرهم الله عز وجل، أنهم يتعاونون على البر والتقوى، أنهم يتواصلون ويتحابون في الله ومن أجل الله، وأن يحذروا من مخططات الأعداء التي ترمي إلى تمزيقهم، التي ترمي إلى تفريقهم. أعداؤنا من اليهود والنصارى منذ فجر الإسلام حريصون كل الحرص على تفريق كلمة المسلمين، وعلى تمزيق صفوفهم. أليس اليهود هم الذين قالوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؟ أليس المنافقون الذين قالوا: ﴿لَا تَنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾؟ أليس ربنا عز وجل حذرنا في كتابه الكريم من مخططاتهم ومن دسائسهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟ أليس الله يقول محذراً إيانا: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؟ نعم عباد الله، آيات بينات في كتاب الله عز وجل تحذرنا من دسائس الأعداء الذين يريدون أن يمزقوا المسلمين إلى قوميات، وإلى وطنيات، وإلى دويلات، وإلى فئات وجماعات وأحزاب ومذاهب وعصبيات. فعلينا أن لا ننخدع، بل على الرجل في بيته أن يسعى في جمع كلمة أهل البيت، على الرجل أن يصلح مع زوجته، أن يصلح مع إخوانه، أن يسعى في حل وفض النزاعات التي تكون بين المسلمين. فهذه من أعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى. نعم عباد الله، إن التكاثر والتشردم والتمزق مذموم في كتاب الله سبحانه وتعالى، وأكبرنا ربنا عز وجل أنه ليس من طريقة المسلمين، وإنما هو من صنيع الكافرين والمشركين، كما قال الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. ويقول الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وآخر يقول الله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. آيات في كتاب الله سبحانه وتعالى. والله يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. احذروا من التفرق، احذروا من التقاطع، احذروا من التباغض، احذروا من التحاسد، احذروا من التشرد، احذروا من التمزق، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ما هي هذه النعمة التي ذكرنا الله عز وجل بها في كتابه؟ ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. فأصبحتم بنعمته إخواناً. هذه نعمة عظيمة. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يد الله مع الجماعة»، وهو القائل: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويسخط لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويسخط لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». وهكذا في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان الصحابة إذا كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية. كان إذا كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حاثاً لهم على اجتماعهم: «إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما هو من الشيطان». فكانوا بعد ذلك إذا نزلوا منزلاً انضوى بعضهم إلى بعض، قال الراوي: حتى كأنه لو بسط عليهم بساط لاشتملهم، أو كما قال رضي الله عنه. إلى هذا الحد: العدد الكبير اجتمع بعضهم إلى بعض، وانضم بعضهم إلى بعض، حتى إذا كانت عندهم خرقة كبيرة أو ملحفة أو شيء فإنه يضمهم جميعاً، ويكونون تحتها جميعاً، مبالغة في اجتماعهم وقرب بعضهم من بعض. ويقول عليه الصلاة والسلام: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». وصدق النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا علم من أعلام النبوة، أخبر بوقوع الفرقة فكانت كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. فهكذا صارت الأمة، ليُوقد مزق شملها، وتفرقت كلمتها، ودب الخلاف فيما بينها، وطمع فيهم الأعداء بسبب هذا التفرق وهذا التنازع. نسأل الله أن يجمع الكلمة. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فكما سمعتم عباد الله من النعم العظيمة والجليلة: الاجتماع والتآخي والتواصل والتوادد والقيام بحقوق المسلمين، فإن الإخوان كالمسلمين عليك حقوقاً، إذا أديتها وقمت بها كانت سبباً في حصول الألفة والمحبة. ما أكثر الوصايا من النبي صلى الله عليه وسلم لنا بأداء الحقوق والتخلق بأخلاق المسلمين! من ذلكم: إفشاء السلام. قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». أفشوه، اجعلوه فاشياً ظاهراً، لا تخصوا بالسلام أحداً دون أحد، بل كل من لقيت من إخوانك المسلمين الذي ليس فيه ما يستوجب هجره، فإنك تلقي عليه السلام، غير مبالٍ بجنسه، وغير مبالٍ بلونه، وغير ملتفت إلى نسبه، وغير ملتفت إلى بلده. وإنما كما قال عليه الصلاة والسلام: «أفشوا السلام بينكم». تلقى السلام بصوت مسموع، ويكون الرد بصوت مسموع، ويكون الرد بمثل السلام أو بأفضل منه. ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. أو إذا كان بعيداً فتضيف إلى تحريك لسانه الإشارة باليد، يعني حتى يشعر إخوانك المسلمين أو أخاك المسلم الذي يلقي عليك السلام من بعد أنك ترد عليه، وأنك تحتفي بسلامه. وهكذا إخواني في الله، الزيارات في الله التي يحصل فيها التناصح، والتي يحصل فيها التشاور، والتي يحصل فيها التعاون على البر والتقوى. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «زار رجل أخاً له في قرية، فأرسل الله على إثره ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية. قال: هل لك من نعمة تربها عليه؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه». وكذا عيادة المريض، هذا من حقوق المسلمين على المسلمين. تعود إخوانك المرضى، تدعو لهم وتصبرهم، وتأمرهم بحسن الظن والرجاء في الله سبحانه وتعالى. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من عاد مريضاً لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع». قيل: وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها». أيضاً تشميت إخوانك العاطسين من المسلمين: إذا عطس فحمد الله، فمن حقه عليه أن تشمته. إذا عطس فحمد الله، قال: الحمد لله، فعليك أن تقول له: يرحمك الله، وهو يقول لك: يهديكم الله ويصلح بالكم. ما أعظم التقصير في مثل هذه الآداب! وهكذا إخواني، السعي في قضاء حوائج المسلمين، إعانة الفقير، وإعانة الراغب في الزواج، وهكذا الإعانة لمن أراد أن يبني أو يعمل شيئاً. فالله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. والله والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». ويقول: «من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة». والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. أنت تعين أخاك بقدر طاقتك، بقدرك، بفقر وحاجة وضعف، والله يعينك وهو القوي العزيز، وهو الذي بيده خزائن السماوات والأرض. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. وهكذا إخواني الله، من الحقوق: السعي في حل مشاكلهم، وفض النزاعات فيما بينهم. ما أكثر الخلافات والنزاعات التي تنشب في أوساط المسلمين، والسبب الرئيس فيها هو الشيطان الرجيم، الذي هو حريص على تفريق الكلمة، وعلى زرع الشحناء والبغضاء. أليس الله يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؟ الله يقول: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش». ولكن بالتحريش. فمادة الشر والبلاء والفرقة والتنازع إنما هي مصدرها من الشيطان الرجيم. فلا نحقق أمنية الشيطان، ولا نستجيب ونحقق رغبات الشيطان في التنازع والتفريق، بل علينا أن نكون أداة خير وإصلاح بين المسلمين. إذا رأيت أخوين متناحرين متنافرين فاسعَ للإصلاح بينهما. إذا رأيت جارين قد تنافرا فأحرص على الصلح بينهما. إذا رأيت متزوجين وأنت لك القدرة على الإصلاح فافعل. إذا رأيت كتلتين، جماعتين، طائفتين، فهذه من أعظم القربات. قال الله عز وجل: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ويقول الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. ويقول الله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الحديث العظيم: «ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟» يعني النافلة. «ألا أخبركم بأرفع أو أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البين، فإن إفساد ذات البين هي الحالقة». فهكذا إخواني في الله، يتعاون المجتمع على البر والتقوى، ويحذر الجميع من أسباب التفرق. ومن أعظم أسباب التفرق: عدم الاستقامة على طاعة الله. ما حصل تشاحن ولا تباغض إلا بسبب معاصي، بسبب يعني تقصير في أداء ما أمر الله عز وجل به. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا﴾ يعني تركوا العمل ببعض ما أمروا به، فكان من ثمرة ذلك وعاقبة ذلك أن أُلقي بينهم العداوة والشحناء والبغضاء. ويقول عليه الصلاة والسلام: «ما تواد اثنان في الله ثم يفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما». ما تواد اثنان في الله ثم يفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما، سواء كان الذنب على أخيه الذي تعاف معه يظلمه ويضيع عليه، أو ذنب فيما بينه وبين الله، أو ذنب فيما بينه وبين الآخرين. ما تواد اثنان في الله ثم يفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما. فندعو أنفسنا وإخواننا إلى الاستقامة على طاعة الله، وإلى التآخي في ذات الله، وإلى المحبة في الله ومن أجل الله عز وجل. نسأل الله تبارك وتعالى أن يجمع كلمة المسلمين على الحق، إنه سميع الدعاء. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكراً للمشاهدة.