تذكير الإخوان بنعمة إدراك رمضان

الخطبة بعنوان تذكير الإخوان بنعمة إدراك رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 7 رمضان 1438هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الافتتاح بالصلاة على النبي والحث على اغتنام رمضان للتوبة

يستهل الخطيب بالصلاة والسلام على النبي ﷺ، ثم يؤكد على نعمة إدراك رمضان ويحث المسلمين على شكر الله والتوبة الصادقة، موضحًا أن الموت قريب وأن الشهر فرصة للرجوع إلى الله بأداء الفرائض واجتناب المحرمات والاجتهاد في النوافل كقيام الليل لمضاعفة الحسنات.

فضل قيام الليل وتلاوة القرآن والدعاء في ليالي رمضان

يبرز الخطيب فضائل قيام رمضان (التراويح) وتلاوة القرآن والإكثار من الدعاء مستدلاً بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي تؤكد غفران الذنوب واستجابة دعوة الصائم، مع التنبيه على أهمية الإخلاص في النية وحسن اختيار أوقات الإجابة.

الأدعية الجامعة واجتماع أعمال البر أسباب لدخول الجنة

يؤكد الخطيب على الإكثار من الأدعية الجامعة النبوية كدعاء ثبات القلب وإصلاح الدين والدنيا والآخرة، ويحث على الجمع بين الصيام وأعمال البر كطيب الكلام وإطعام الطعام وقيام الليل وزيارة المرضى وتشييع الجنائز لضمان دخول الجنة من أي أبوابها، محذراً من إضاعة رمضان في اللهو والمعصية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، لقد أنعم الله عليكم ببلوغ وإدراك هذا الشهر المبارك، تتفيأون ظلاله، وتقطفون ثماره، وتستنشقون من أريج أزهاره، تصومون نهاره، وتقومون ليله، وتتقربون إلى الله عز وجل بتلاوة كتابه، وإطعام عباده، وتسألونه مغفرته ورحمته ورضوانه وجناته. فلنشكر الله أيها المسلمون، عباد الله، على ما أنعم الله به علينا من هذه النعمة، إذ خصنا بها، فمن علينا بإدراكها. كم من مؤمل لرمضان فلم يدركه، وكم من فرح بقدومه فلم يتم فرحه. كم من أناس أعرفهم وتعرفهم، أخي المسلم، كانوا معنا في العام المنصرم، فباغتتهم الآجال، وقصرت بهم الأعمار، فصاروا تحت الثرى، مرهونين بأعمالهم. كم كنت تعرف ممن صام في سلف، من بين أهل وإخوان وجيران، أفناهم الموت، واستبقاك بعدهم حيًا. فما أقرب القاصي من الداني، ما أقرب الموت أيها المسلمون، عباد الله. إن الموت أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. كم نشيع من جنائز في هذه الأيام، ربما في اليوم الواحد أكثر من جنازة: جنازة بعد صلاة العصر، وجنازة بعد صلاة التراويح. فيا أيها المسلمون، فلنفق من غفلتنا، ولنستعد للقاء ربنا، ولنشكر الله عز وجل على ما من به علينا وأمدنا في أعمارنا. فمن كان محسنًا فليزدد في إحسانه، ومن كان مسيئًا فليتب من إساءته وعصيانه. أيها المسلمون، عباد الله، إن رمضان فرصة عظيمة للرجوع إلى الله، للتوبة الصادقة، لإصلاح نفوسنا وأحوالنا. إذا لم نتب، عباد الله، في هذا الشهر المبارك، فمتى نتوب؟ إذا لم نتنافس في فعل الخيرات في هذا الشهر، فمتى نتنافس؟ إذا لم نرجع إلى الله عز وجل في هذا الشهر، فمتى نتب؟ عز وجل يقول ابن الجوزي عليه رحمة الله: «إن الأيام والليالي الفاضلة لا يصلح أن يغفل عنها، لأنه إذا غفل التاجر عن موسم الربح فمتى يربح؟». وهكذا يقول الحسن البصري عليه رحمة الله: «إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه، مضمارًا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى رضوانه، فسبق أناس ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا. والعجب من ذلكم اللاعب الضاحك في هذا اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون». أيها المسلمون، عباد الله، استغلوا ما بقي من أيام هذا الشهر في إصلاح نفوسكم، وفي التقرب إلى بارئكم سبحانه وتعالى. ألا واعلموا أن أعظم شيء يتقرب به المتقربون هو أداء ما افترض الله عز وجل عليكم من أداء الواجبات وترك المحرمات. قال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، فيما يرويه عن ربه: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». فاحرص على الفرائض، أخي الصائم، من أداء الصلوات في أوقاتها، فإن من ترك الصلاة متعمدًا لا حظ له من الإسلام، ولا صحة له، ولا صحة لصومه. لماذا؟ لأن الصلاة الركن الثاني من أركان الإسلام، فمن تركها فقد كفر. وأما الصيام فهو الركن الرابع من أركان الإسلام، فمن تركه ليس جاحدًا لفرضية، فهو عاصٍ مرتكب لأمر عظيم. أيها المسلمون، عباد الله، احرصوا على أداء هذه الصلوات في جماعة حيث ينادى بها، وعود نفسك على المحافظة عليها، حتى تخرج من هذه المدرسة وقد صرت محافظًا على الصلوات في جماعة. وهكذا، احذر من ارتكاب المحرمات، فليس الغرض والحكمة البالغة من الصيام الجوع والعطش فحسب، بل الحكمة من ذلك أن تكسب التقوى. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فاخرج من هذه المدرسة وقد طاب كلامك، وحسن لسانك، فلا تكذب، ولا تغتاب، ولا تقول النميمة، ولا تسب، ولا تشتم. قال عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، فليقل: إني صائم». وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». أيها المسلمون، عباد الله، بعد أداء الفرائض والواجبات، احرصوا بالاجتهاد في النوافل والمستحبات، فإن هذا الشهر، عباد الله، موسم عظيم، ضاعف الله عز وجل فيه الحسنات، وشرع فيه من العبادات التي لا تشرع إلا في هذا الشهر، ولم تأتِ في فضائل هذه الأعمال من تضاعف الحسنات إلا في هذا الشهر. فمن تلك الأعمال، عباد الله، الحرص على قيام الليل، بما يسمى أيضًا بصلاة التراويح، فهي كلمتان لصلاة واحدة، سواء قلت صلاة التراويح أو قيام الليل. فهذه عبادة من أظهر وأخص العبادات التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم في هذا الشهر المبارك، فبها غفران الذنوب. قال عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، غفر له ما تقدم من ذنبه». ألا فل... ألا فل تتعرض لهذه المغفرة، وذلك بالإتيان بأسبابها. إن هذه الصلاة لم تشرع جماعة شهرًا كاملًا إلا في هذا الشهر، حتى تسهل عليك، أخي المسلم، وحتى تنشط في أدائها. جاء عند الإمام أحمد من حديث أبي ذر، ويصححه العلامة الألباني والوادعي رحمهم الله تعالى، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ومن صلى مع الإمام -أي صلاة التراويح- حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة، كتب له قيام ليلة». فمن ذا الذي يزهد في مثل هذه الأجور العظيمة؟ فاحرص، أخي المسلم، على أداء هذه الصلاة. وهكذا من الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، ويتزود بها من الأعمال الصالحة: قراءة القرآن. فالقرآن له مزية خاصة في هذا الشهر، كيف لا وقد أنزل هذا القرآن في شهر رمضان؟ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. ولقد كان جبريل عليه السلام يعارض نبينا في كل رمضان القرآن مرة واحدة، فلما كانت السنة التي توفي فيها عليه الصلاة والسلام، عارضه فيها مرتين، عارضه فيها مرتين، أي دارسه القرآن مرتين. أيها المسلمون، عباد الله، أقبلوا على كتاب ربكم، وتدبروا ما فيه من العلم والإيمان. أيها المسلمون، عباد الله، وهكذا من الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم في هذا الشهر المبارك: دعاء الله عز وجل، والإكثار من ذلك. فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. وهذه الآية جاءت متخللة بين أحكام الصيام من سورة البقرة. قال الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله: «وفي ذكر هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد بالدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر». ثم ذكر حديث أنس: «أن للصائم دعوة عند فطره، دعوة لا ترد عند فطره». فنعم، الصوم سبب من أسباب استجابة الدعاء. فأكثروا من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم، وقد جمعتم في هذه الأيام بين أسباب كثيرة من أسباب إجابة الدعاء. ولا يكن قصدك، يا عبد الله، هو حصول المطلوب فحسب من الدعاء، بل اعلم أن الدعاء في أصله عبادة. يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، كما في «الفتاوى السعدية»: «يقول: ومن كان قصده في الدعاء التقرب إلى الله عز وجل في دعائه وحصول مطلوبه، فهذا أكمل، فهذا أكمل وأفضل ممن لا يقصد من دعائه إلا حصول المطلوب فقط. وهذا ما عليه حال كثير من الناس». ولا يزال الكلام للشيخ رحمه الله، قال: «وهذا حال كثير من الناس، وهذا من ثمرات العلم النافع، فإن الجهل قد منع الخلق الكثير من مقاصد جليلة ووسائل جميلة». فمن... من... من تأملنا، وكذلك لحظا هذا الملحظ عند دعائه. عندما تدعو، لا تظن أن الدعاء القصد منه فقط حصول المطلوب، بل أنت في عبادة، كيف لا وأنت تتضرع إلى الله، وأنت تعلق قلبك بالله؟ فعليك أن تلحظ هذا الملحظ عند دعائك. ثم قد يستجاب لك، وقد تتخلف الإجابة، وقد تعطى يوم القيامة ما هو أفضل وأعظم من هذه الإجابة. فأكثروا، عباد الله، من الدعاء، فإن للصائم دعوة لا ترد. جاء في دعوة الصائم حديثًا، حديث مطلق: «أن ثلاثة لا ترد دعوتهم: إمام عادل، والصائم حتى يفطر، والمظلوم». صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فهذا الحديث يدل على أن الصائم حال صيامه فدعوته مستجابة بإذن الله سبحانه وتعالى، ليس عند فطره فحسب. وهناك جاء حديث آخر: «أن كذلك للصائم دعوة، أن للصائم دعوة خاصة لا ترد عند فطره». فأكثروا، عباد الله، من الدعاء، واتخذوا في ذلك المقاصد الجليلة والوسائل الجميلة، وذلك بتحين أوقات الاستجابة، بتحين أوقات الاستجابة: ككونك صائمًا، أو بين الأذان والإقامة، أو في الثلث الأخير من الليل، أو في الساعة الأخيرة من يوم الجمعة، أو في حال سجودك. كن فطنًا، يا عبد الله، يا عبد الله، وتفقه في أحكام الدعاء بإذن الله عز وجل، تعبد الله على علم وبصيرة. وهكذا تختار من الدعاء جوامعه، وهي دعوات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد أوتي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم، قد أعطي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم. ومن فقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يسألون رسول الله عن أدعية جامعة يدعون بها. ومن ذلك أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها، كما عند الترمذي وغيره، قالت: «يا رسول الله، أرأيت إن أدركت ليلة القدر، أو إن علمت أي ليلة هي، ماذا أقول؟» فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». هذا دعاء عظيم، يا عباد الله، وهو من جوامع دعائه عليه الصلاة والسلام، ففي هذا الحديث خيري الدنيا والآخرة. فإذا عفي عن الإنسان وغفر له، وغفر له، سعد في دينه ودنياه وآخرته، سعد في دينه ودنياه وآخرته. فإذا حطت عنك الأوزار، رزقت الرزق الحلال الطيب، إذا وضعت عنك الأوزار رق قلبك، وكذلك رغبت في عبادة ربك. هكذا جزاء ذلك يوم القيامة: جنة عرضها السماوات والأرض. انظروا، يا عباد الله، إلى ثمارات دعاء النبي عليه الصلاة والسلام. فاحرصوا على الأدعية الجامعة، واحفظوا منها ما يسر الله لكم. ومن تلك الأدعية ما كان يكثر منها النبي عليه الصلاة والسلام، فلقد كان يكثر منها لمقصد عظيم. ومن تلك الأدعية... ومن تلك الأدعية قوله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث عائشة، وجاء في حديث أم سلمة، كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». إنه دعاء عظيم، إنه دعاء عظيم، أن تسأل الله عز وجل الثبات، أن تسأل الله عز وجل أن يثبتك حتى الممات. كم من إنسان كان على خير، كان على طاعة، كان على استقامة، ثم انقلب على عقبيه، وصار بعيدًا عن ربه سبحانه وتعالى. فاسأل ربك الثبات، وأكثر من هذا الدعاء. وهكذا من الأدعية الجامعة قوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر». وهكذا من أدعيته الجامعة عليه الصلاة والسلام، الذي كان يكثر منها: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». فحسنة الدنيا هي كل خير، وحسنة الآخرة هي الجنة، التي حولها ندند. أيها المسلمون، عباد الله، اجتهدوا بالدعاء في هذا الشهر المبارك، فرب دعوة تدعو بها يستجاب لك فيها، تكون سببًا لسعادتك في الدنيا والآخرة، والدنيا والآخرة. وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، احرصوا على الأعمال الصالحة في هذا الشهر المبارك، فإنك، أخي الصائم، إذا جمعت مع صومك بعض الأعمال الصالحة الأخرى، فبمجموع هذه الأعمال تنال أعلى الدرجات، وتحظى بعظيم المنازل والعطيات. جاء عند الترمذي من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن في الجنة لغرفًا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها». فقام أعرابي وقال: «يا رسول الله، لمن هي؟ لمن هذه الغرف التي هذا وصفها، والتي هي في الجنة؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «هي لمن طاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وقام بالليل والناس نيام». قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: «وهذه الأعمال يستطيع الصائم أن يجمعها في رمضان». فأنت الآن صائم، فاحذر من سيء الأخلاق والألفاظ، احذر من أن تكون ألفاظك بذيئة سيئة، فانتقِ من الكلام أطيبه، كما تنتقي أطائب الثمر والفواكه. «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام». فهذا الشهر، عباد الله، شهر البر والإحسان، شهر إطعام الطعام. ولذلك جاء الأجر العظيم فيمن فطر الصائمين. ففي حديث زيد بن خالد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قال عليه الصلاة والسلام: ومن فطر صائمًا كان له مثل أجره، لا ينقص من أجر الصائم شيء». وكان نبي عليه الصلاة والسلام يزداد جوده، ويزداد كرمه في هذا الشهر المبارك، كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة»، الريح التي تبلغ سرعتها مبلغًا عظيمًا. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من الجود والكرم والإطعام في هذا الشهر المبارك. وهكذا: أدام الصيام، وذلك بصيام هذا الشهر بأكمله. وهكذا: قام بالليل والناس نيام، قام يصلي لله عز وجل. فهذا الشهر كذلك شهر القيام. فاجتمعت هذه الأعمال في هذا الشهر المبارك. وهكذا تستطيع، أخي الصائم، أن تجمع في هذا الشهر أعمالًا عظيمة، تكون سببًا في دخولك من أبواب الجنة الثمانية، كما جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» فقال أبو بكر: «أنا». قال: «من عاد منكم اليوم مريضًا؟» قال أبو بكر: «أنا». قال: «من تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: «أنا». قال: «من أطعم منكم اليوم مسكينًا؟» قال أبو بكر: «أنا». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمعت هذه الخلال الأربع في امرئ إلا دخل الجنة من أي أبوابها شاء، من أي أبوابها شاء». فقال: «ما من امرئ... فامرئ لفظ نكرة يعم كل من عمل بهذه الأعمال». فاحرص، يا عبد الله، مع صيامك، أن تعود مريضًا، وأن تشيع جنازة. وكل هذه الأعمال موجودة بين أيدينا. كم من إخوان لنا أقعدهم المرض في بيوتهم، بحاجة إلى من يواسيهم، إلى من يعودهم، إلى من يتفقدهم. وهكذا كم نشيع من جنائز في هذه الأيام. وهكذا أخرج قليلًا من مالك تطعم به مسكينًا أو فقيرًا. فهذا الشهر، عباد الله، شهر الاستثمار، شهر التنافس في الأعمال الصالحة. فالمحروم من دخل عليه هذا الشهر ثم خرج وهو لا يزال في لهوه، وهو لا يزال في لعبه، وهو لا يزال في... وهو لا يزال في معصيته. فلنتب إلى الله، عباد الله، ولنقبل على الله، ولنكثر من الأعمال الصالحة في هذا الشهر المبارك. أسأل الله بمنه وكرمه أن يبلغنا تمام هذا الشهر، وأن يجعلنا من صوامه وقوامه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.