الخطبة بعنوان أحكام وليمة العرس، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 2 ذو القعدة 1440هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
بيّن المقطع أن وليمة العرس سنة مؤكدة وذهب الجمهور إلى وجوبها على الزوج شكراً لله وإعلاناً للنكاح، وليست واجبة على الزوجة أو وليها. كما استعرض آدابها من جواز إقامتها باللحم أو بغيره مع أفضلية اللحم للمستطيع، مستدلاً بوليمتَي النبي صلى الله عليه وسلم على صفية وزينب رضي الله عنهما.
وضح المقطع مشروعية الوليمة قبل الدخول أو بعده والأفضل تأخيره اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأكد وجوب إجابة الدعوة إلا لعذر شرعي كمرض أو خوف أو منكر. كما فصّل حكم الصائم المدعو داعياً للتفريق بين الصوم الواجب والتطوع في جواز الفطر.
أوضح المقطع أحكام تقديم الدعوة للأقرب فالأقرب ووجوب دعوة الفقراء مع الأغنياء، مع النهي عن الإسراف والتبذير في الوليمة. كما حذر من الحضور أو الأكل أو أخذ الطعام بغير دعوة صريحة أو إذن، لكون ذلك ضرراً بصاحب الوليمة ومخالفة لآداب الإسلام.
تناول المقطع كلمة «إلا الله» كجزء من شهادة التوحيد الدالة على إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. وبيّن استخدامها في الأذان والصلاة وأهميتها العظمى في عقيدة المسلم وعباداته.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النار أما بعد أيها المسلمون عباد الله إن مما شرع في ديننا الحنيف وحث عليه الشرع ورغب وليمة العرس ولها حكم فمن هذه الحكم أن تقام شكراً لله عز وجل على نعمة النكاح وإشهارًا له وإعلانًا له وفرحًا وسرورًا به ولذلك فإن نبينا الكريم كان يحث أصحابه على هذه الوليمة أخرج البخاري ومسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وأنه قال رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على عبد الرحمن بن عوف آثار صفرة فقال ما هذا يا عبد الرحمن قال تزوجت يا رسول الله فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بارك الله لك أولم ولو بشاه وقد ذكر أهل اللغة أن الوليمة تُطلق على الوجب التي تُقدَّم في العُرس خاصة ولذلك واستدلالا بحديث أنس المُتقدِّم ذهب كثيرٌ من العُلَماء إلى وجوب الوليمة على الزوج ولفعل النبي عليه الصلاة والسلام الدائم أيها المسلمون أيها المسلمون عباد الله إن لي وليمة العُرس آدابًا وأحكامًا ينبغي للمسلم أن يتأدَّب بها وأن يتفقَّه فيها فمن هذه الأحكام ما تقدَّم من وجوب هذه الوليمة مع التنبيه على أن هذا الوجوب إنما هو على الزوج خاصة وأما الزوجة أو وليُّها فليس عليه وليمةٌ واجبة وإنما إن أراد إكرامًا أهله وأحبابه فله أن يفعل ذلك وإن لم يفعل فليس عليه حرج ومن أحكام هذه الوليمة أنها تجوز باللحم وبغيره وإن كان اللحم أفضل لمن قدر على ذلك ولا يشُق عليه وأما من يشُق عليه ذلك فيجوز أن يُولِم بغير اللحم كالدجاج والسمك ونحو ذلك فنبينا عليه الصلاة والسلام أولم باللحم وبغيره أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال أقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين خيبر ومكة ثلاث ليال يُبنى فيها على صفية رضي الله عنها قال فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتَهِ وَمَا كَانَ فِيهَا من لَحْمٍ وَلَا خُبْزٍ كان وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ أَمَرَ بِلَالًا بِالْأَنْطَاعَ وَلَا خُبْزِطَتْ فَوُضِعَ فِيهَا التَّمْرُ وَالسَّمْنُ وَالْأَقِطْ هذه كانت وليمة رسول الله عليه الصلاة والسلام حين بنا بصفية وأولم باللحم كما في بنائه على زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال أولم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين بنا على زينب بنت جحش فأشبع الناس خُبزًا ولحمًا وهكذا من أحكام هذه الوليمة أنه يجوز أن تكون قبل الدخول وبعده والأفضل أن تكون بعد الدخول على الزوجة لفعل النبي عليه الصلاة والسلام ففي الصحيحين أيضًا من حديث أنس في رواية أنه قال رضي الله تعالى عنه أصبح النبي عليه الصلاة والسلام عروسًا حين بنا بزينب فدع القوم أي دع القوم إلى الوليمة فقوله أصبح أي في الليلة التي بنا فيها على زينب رضي الله تعالى عنها فهذا هو الأفضل لفعل النبي عليه الصلاة والسلام ولكن يجوز والأمر في ذلك واسع أن تكون قبل الدخول أو أثناء العقد أو بعده فلا حرج في ذلك كما بيَّن ذلك العلماء وهكذا عباد الله من أحكام وليمة العُرس أن أخاك إذا دعاك إليها فكثيرٌ من أهل العلم على وجوب الدعوة ولا تتخلَّف عنها إلا لعُذرٍ كمرض أو خوف أو كذلك إذن من صاحب الوليمة لأن الإجابة حقٌّ له لا تسقط إلا بعفوه هكذا ذكر العلماء واستدلُّ على وجوب إجابة دعوة العُرس بما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قول النبي عليه الصلاة والسلام حق المسلم على المسلم خمس وفي روايةٍ ست وذكر منها وإذا دعاك فأجب وجاءت روايةٍ أخرى إذا دعاك أخوك فلتأتهي بل جاء ما هو أصرح من ذلك وهو أقوى ما يكون في الوجوب ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال بئس الوليمة الوليمة التي يُدعى لها الأغنياء ويُترَكُ الْفُقَرَاءَ وإذا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهَ لأن في إجابة الدعوة إدخال السرور على ذلكم المدعو ومشاركته في أفراحه ومواساته وإظهار السرور والبهجة ونحو ذلك واستثنى العلماء من عدم الوجوب مسائل كما تقدَّم منها الخوف أو المرض أو وجود منكر في هذه الوليمة كالغنى والاختلاط أو وجود الخمر ونحو ذلك واستثنوا كذلك الاستئذان إذا أذن صاحب الوليمة وأما إن كنت صائما ودعاك أخوك إلى الوليمة فهذا الصوم له أحوال فإن كان الصوم واجبا فإنك تحضر هذه الوليمة ولا تأكل وتعتذر لصاحب الوليمة أنك صائم صوم فرض كقضاء عليك من رمضان أو كفارة واجبا أو نذر أو نحو ذلك فتحضر وتدعو لأخيك بالبركة كما قال عليه الصلاة والسلام إذا دعاك أخوك المسلم وكنت صائما فأجب ولا تأكل وصل له أي ادعو له الصلاة هنا بمعنى الدعاء أما إذا كان الصوم ليس بواجب إنما هو سنة فالصائم أمير نفسه فله أن يفطر ويشارك أخاه في هذه الوليمة وله أن يستأذن فإذا أذن له دعا له ومشى وإن لم يأذن له أفطر وأكل من وليمة أخيه فهذه أحكام لربما يغفل عنها كثير مننا فوجب التذكير بها لعل الله عز وجل أن ينفعنا وإياكم وأن يفقهنا في دينه وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد أستغفر الله العظيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنَّ بسنَّته إلى يوم الدين أما بعد أيها المسلمون عباد الله ومن أحكام وليمة العرس أن الزوج يدعو إليها أهله وأرحامه وجيرانه وأصدقاءه وأحبابه ويدعو معهم أهل الخير والصلاح كي يدعو له وهكذا من أحكام هذه الوليمة أنك إذا دُعيت من أكثر من شخص لأكثر من وليمة فإن كانت هذه الدعوة في أوقات مختلفة فتجب الأول منهم وتعتذر للآخر وإن كانت في وقتٍ واحد دُعيت إلى وليمتين أو أكثر فتُقدِّم أقرَبَهم أرحامًا وإن لم يجد فأقرَبُهم جيرانًا وهكذا وإن استطعت أن تجمع في إجابة الدعوة أن تذهب إلى هذا وذاك فهذا أفضل وأكمل وهكذا عباد الله من أحكام هذه الوليمة أنه يُدعى إليها الفقير والغني لا تُخصَّص بدعوة الأغنياء دون الفقراء فقد سمعت في حديث أبي هريرة بئس الوليمة الوليمة التي يُدعى لها الأغنياء ويُترَك الفقراء وهكذا من أحكام هذه الوليمة أن لا يُسرِف العبد فيها ثم يرمي بها في الزبائل فهذا لا يجوز وإنما يُقدِّر عدد أضيافه فيعمل من الطعام ما يظنُّ أنه يكفي فقد قال الله عز وجل ولا تُسرِفُ إن الله لا يُحِبُّ المُسرِفين وهكذا عباد الله من أحكام وليمة العُرس أنه لا يجوزُّ الأكل منها إلا بدعوة أو بإذنٍ صريح أو كذلك بقرينة لأن هذا الطعام طعامُ مسلمٍ حرام المال إلا بإذنه وبطيبة نفسٍ منه فمن جاء بغير دعوة وأكل من هذا الطعام كالذي يأخُذُ من دراهمه ودنانيره وهو لم يأذن له وهذه عادةٌ سيئة توجد في مجتمعنا أن بعض الناس إذا سمعَ بوليمة عُرسٍ هرولَ إليها وإن لم يكن مدعوة فهذا من التطفُّل والتطفيل وهذا من وقوع الحرج على صاحب الوليمة فإنه قد قدَّر طعام أضيافه فيأتي هذا من هنا وهذا من هناك من غير دعوة فينقُص عليه الطعام فيقعُ في حرجٍ شديد يأتيه الأضياف ولا يجد لهم طعاما فاتقِ الله أخي المسلم وإذا أتيت بغير دعوة وأنت تعلم أن صاحب الوليمة لا يأذنُ لك ويتبرَّم من ذلك فقد أكلت طعامه بغير حقٍّ فقد أكلت طعامه بغير حقٍّ فاحذر أخي المسلم من هذه العادة السيئة ومن ذلك أيضاً التنبيه على أن صاحب الوليمة ربما يدعي صاحباً له أو قريباً له بدعوةٍ واحدة فيأتي هذا المدعو بأصحابه أو بأبنائه وصاحب الوليمة وصاحب الوليمة لا يريد إلا هذا الشخص بعينه فلقد أكل من جاءوا بك من جئت بهم من غير إذنٍ ومن غير دعوة فيدخل في هذا الباب أنهم أكلوا من غير إذنٍ ولا موافقة ولا دعوة وأعظم وأشد من ذلك أن يأتي المدعو فيأكل الطعام ثم يأخذ من طعام هذه الوليمة في كيسٍ ونحوه لأهله أو جيرانه أو أحدٍ ممن يحب من غير إذنٍ ومن غير موافقة وكل ذلك يلحق الضرر بصاحب الوليمة ولربما ينقص عليه الطعام فيقع في حرجٍ شديدٍ مع أضيافه فتأدَّب عباد الله بآداب الإسلام وكونوا أعفَّا عما لا يحلُّ لكم فهذا الدين دعانا إلى كل أدبٍ كريم ونهانا عن كل خلقٍ سيِّئٍ فنسأل الله بمنِّه وكرمه أن يُفقِّهنا في الدين وأن يُعلِّمنا التأويل ونسأله سبحانه وتعالى أن يُحسِّن أخلاقنا كما حسَّنا صورنا ونسأله سبحانه وتعالى أن يَغْفِرَ لَنَا وَأَنْ يَرْحَمَنَا وَأَنْ يَتُوبَ عَلَيْنَا إنه هو التواب الرحيم وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين الله أكبر الله أكبر أشهد وأن لا إله إلا الله