المحاضرة بعنوان أحكام عرفة ومزدلفة، وكانت بعد العصر من يوم الجمعة ١٤ ذو القعدة ١٤٣٤هـ ألقاها
يستعرض المقطع خمسة أقوال في سبب تسمية يوم عرفة بهذا الاسم، ويناقش خلاف العلماء في أفضل الأيام هل هو يوم عرفة أم يوم النحر. ويذكر من فضائل يوم عرفة العظمى أنه اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتم النعمة على المؤمنين.
يعدد المقطع فضائل يوم عرفة ومنها كونه يوم عيد لأهل الموقف، ويوم أقسم الله به، ويوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بالملائكة، مع بيان أن صيامه لغير الحاج يكفر سنتين. ويوضح أن الحج عرفة أي الوقوف بها وهو ركن الحج الأكبر، مبيناً وقت الوقوف من فجر التاسع إلى فجر العاشر وسنن التوجه إليه.
يفصل المقطع أحكام يوم عرفة من الزوال إلى الغروب متضمناً التوجه إلى عرفة، خطبة الإمام، جمع الظهر والعصر قصراً، والوقوف والدعاء عند الصخرات مع الإكثار من التهليل والتكبير. ثم ينتقل لبيان أحكام المزدلفة من الدفع إليها بسكينة، جمع المغرب والعشاء، المبيت، صلاة الفجر مبكراً، الوقوف بالمشعر الحرام، والدفع إلى منى قبل طلوع الشمس لرمي جمرة العقبة.
يختتم المتحدث الدرس بالدعاء بأن يوفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، مع الإقرار بأن الصواب من الله والخطأ من النفس والشيطان، طالباً المغفرة والعفو. ويشير في الختام إلى أن الترجمة المصاحبة للدرس هي من إعداد نانسي قنقر.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذنا الله وإياكم من البدع والضلالات والنار. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۚ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾. الله سبحانه وتعالى فضل بعض الملائكة على بعض، وفضل بعض الناس على بعض، فقال الله: ﴿ يُصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾. وفضل بعض الناس في الرزق، فقال: ﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فَضَّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾. وفضل الله بعض الليالي على بعض، ففضل الليالي العشر الأخيرة من رمضان على سائر الليالي. وفضل بعض الأيام على بعض، ففضل الأيام العشر الأيام الأولى من ذي الحجة على سائر الأيام. وفضل بعض المساجد على بعض، وغير ذلك. فالتفضيل هو بيد الله عز وجل. وفي هذا المقام نقف وقفة يسيرة في أحكام وفضائل يوم عرفة. عباد الله، وقبل أن ندخل في هذا نعرف أولاً أن أيام الحج لها أسماء: فيوم الثامن يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع يسمى بيوم عرفة، واليوم العاشر يسمى بيوم النحر، واليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر هذه تسمى أيام التشريق. نحن نقف مع يوم عرفة: ما هو يوم عرفة؟ يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة. ولماذا سمي يوم عرفة بهذا الاسم؟ اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في سبب التسمية، فقيل: سمي يوم عرفة بهذا الاسم من العرف بمعنى الرائحة الزكية، لأن منى تكون متغيرة الرائحة لكثرة الدماء التي تراق فيها. وقيل: سمي يوم عرفة بهذا الاسم لأن الناس يجتمعون فيه فيتعارفون، هذا من المشرق وهذا من المغرب، هذا من الشمال وهذا من الجنوب، يجتمعون في ذاك المكان فيتعارفون فيه. وقيل: سمي يوم عرفة بهذا الاسم أن العباد يتعرفون على الله بأنواع العبادات والطاعات. وقيل: سمي يوم عرفة بهذا الاسم أن جبريل عليه السلام حج بإبراهيم فأتى به إلى عرفة فقال: «عرفت»، أي عرفت يوم عرفة، وقد أتى إبراهيم عليه السلام عرفة مرة واحدة فقال: «عرفت»، فقيل أن سمي يوم عرفة بهذا لهذا. وقال بعض أهل العلم: سمي يوم عرفة بيوم عرفة لأن آدم وحواء تعارفا بعد الهبوط إلى الأرض. فهذه خمسة أقوال فيها بيان لماذا سمي يوم عرفة بيوم عرفة، والله أعلم بالصواب. فقيل أنه من العرف وهي الرائحة الزكية، وقيل أن الناس يتعارفون فيه، وقيل لأن العباد يتقربون إلى الله بأنواع العبادات والطاعات، وقيل أن جبريل حج بإبراهيم فعرفه على عرفة، وقيل أن آدم وحواء تعارفا بعد الهبوط إلى الأرض. فهذه خمسة أقوال، والله أعلم بالصواب. ونقف وقفة أخرى عباد الله: هل يوم عرفة هو خير الأيام عند الله عز وجل؟ هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على قولين اثنين: القول الأول، وهو قول الشافعية رحمة الله عليهم: أن يوم عرفة هو أفضل الأيام، استدلالاً بفضائل يوم عرفة، أن يوم عرفة يوم مغفرة الذنوب، يوم عرفة يباهي الله بأهل الموقف، يوم عرفة فيه العتق من النيران. يوم عرفة... لما ورد فيه من الفضائل، فقالوا: يوم عرفة هو أفضل الأيام عند الله. ولكن القول الثاني، وهو قول جمهور من العلماء: على أن أفضل الأيام هو يوم النحر، لما جاء في حديث عبد الله بن قرض رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القَرّ». هكذا يقول عليه الصلاة والسلام، كما جاء عند أبي داود ويصححه العلامة الألباني والوادعي رحمة الله على الجميع. فهذا هو الظاهر أن يوم النحر هو أفضل الأيام. ونقف وقفة أخرى عباد الله مع فضائل يوم عرفة. يوم عرفة يوم فاضل. من فضل يوم عرفة أنه يوم أكمل الله فيه الدين وأتم فيه النعمة، كما قال سبحانه: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾. فعن طارق بن شهاب رضي الله عنه أن رجلاً يهودياً أتى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم لو أنزلت علينا معشر يهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: وأي آية؟ فذكر له هذه الآية. فقال عمر رضي الله عنه: إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والساعة التي أنزلت فيها، أنزلت في عشية عرفة يوم الجمعة. أخرجه البخاري ومسلم. وجاء عن ابن أبي عمار قال: قرأ ابن عباس هذه الآية: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾، وعنده رجل من اليهود فقال: لو أنزلت علينا معشر يهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال له ابن عباس: أنزلت في عيدين، أنزلت هذه الآية في عيدين: في يوم جمعة ويوم عرفة. رواه الإمام الترمذي ويصححه الشيخان الألباني والوادي رحمة الله عليهما. فهذه الأحاديث وهذه الآية تدل على أن يوم عرفة يوم أكمل الله فيه الدين وأتم فيه النعمة على أهل الإسلام. وأيضاً من فضل هذا اليوم: يوم عرفة يوم عيد لأهل الموقف من أهل الإسلام. ومما يدل عليه حديث عمر وحديث ابن عباس الذي ذكرناها الآن. وهكذا يدل عليه ويشهد عليه حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب». رواه الترمذي وأبو داود ويصححه الشيخان الألباني والوادعي رحمة الله الجميع. ومن فضل يوم عرفة أنه يوم أقسم الله به، والله سبحانه وتعالى لا يقسم إلا بعظيم. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾. قال جماعة من أهل التفسير: أن الشفع المراد به يوم عرفة. وقال سبحانه: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾. والمشهود هو يوم عرفة. فقد جاء عند الترمذي ويحسنه العلامة الألباني رحمة الله عليه من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة». وأيضاً من فضل يوم عرفة أنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها. يوم عرفة يوم العتق من النيران. يوم عرفة يوم المباهاة بأهل الموقف، يباهي الله عز وجل بأهل الموقف الملائكة. فقد جاء في حديث عائشة في مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله عبيداً من النار من يوم عرفة، إنه ليتجلى ثم يدنو فيباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟». وجاء في رواية عند رزين في جامعه ويحسنها العلامة الألباني رحمة الله عليه أن الله سبحانه وتعالى يقول: «أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم». فانظروا عباد الله لفضل هذا اليوم. هذا فضل لأهل الموقف: أنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها، وأنه يوم العتق من النيران، وأنه يوم المباهاة الملائكة بأهل الموقف من أهل الإسلام. وهكذا من فضله حتى لغير أهل الموقف: أنه يوم عرفة يستحب صومه لغير الحاج، وأن صومه يكفر به ذنوب سنتين ماضية وباقية. فقد جاء في مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن صيام يوم عرفة فقال: «أحتسب على الله أن يكفر به ذنوب سنتين: سنة ماضية وسنة باقية». أيضاً عباد الله، من أحكام يوم عرفة أن الحج عرفة. أن الحج عرفة. فقد جاء عند أهل السنن ويصححه العلامة الألباني رحمة الله عليه من حديث عبد الرحمن بن يعمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الحج عرفة». ما معنى هذا الحديث؟ قال العلماء: معناه أن الوقوف بعرفة ركن، ركن الحج الأكبر. من فاته فقد فاته الحج. وأجمع العلماء على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، ركن من أركان الحج. وما المراد بالوقوف بعرفة؟ المراد بالوقوف بعرفة أن يأتيه الوقت وقت الوقوف وهو واقف بها، ولو لحظة، ولو لحظة، سواء كان قائماً أو قاعداً أو نائماً. نعم، ولا يلزم أن يكون قائماً على قدميه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام وقف بعرفة راكباً عليه الصلاة والسلام. ومتى يبدأ الوقوف بعرفة؟ يبدأ الوقوف بعرفة من طلوع فجر اليوم التاسع، وينتهي بطلوع فجر اليوم العاشر، على الصحيح من قولي العلماء رحمة الله عليهم. وما هي السنن في الوقوف بعرفة؟ ما هو السنة وما هي الأحكام التي تتعلق بيوم عرفة؟ من السنة في يوم عرفة: بعد طلوع... بعد أن يصل الإنسان الفجر بمنى أن يتوجه إلى عرفة. ومتى يتوجه إلى عرفة؟ يتوجه إلى عرفة بعد طلوع الشمس، هذه السنة وهذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام. نعم، ويكون توجهه إلى عرفة مكبراً وملبياً. فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا غدوا من منى إلى عرفة مع النبي عليه الصلاة والسلام، كان يهل المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه. هكذا يكون حال المتجه إلى عرفة. ثم ينزل بنمرة إن تيسر له ذلك، ونمرة هي قريبة من عرفة وليست من عرفة، ويظل فيها إلى ما قبل الزوال، إلى ما قبل الزوال. فإذا زالت الشمس دخل وقت الظهر، فإنه يرتحل إلى عرفة إن تيسر له ذلك، إن تيسر له ذلك يتجه إلى عرفة. نعم، إن تيسر له ذلك، ويخطب الإمام فيها أو نائبه خطبة تناسب الحال والمقام، اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، وليقتدي به عليه الصلاة والسلام في معاني وكلمات تلك الخطبة التي وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام. ثم بعد الخطبة يصلون الظهر والعصر جمعاً وقصراً، جمعاً وقصراً بأذان وإقامتين، ولا يصلي بينهما شيئاً. ولماذا الحاج في هذا المكان يجمع بين الظهر والعصر؟ قال العلماء: ليتفرغ للدعاء، وليجتمع مع إمامهم. وبعد الخطبة والصلاة يتجهون إلى عرفة، يقفون عند الصخرات أسفل جبل الرحمة إن تيسر له ذلك، وإلا فقد قال عليه الصلاة والسلام: «وقفت هنا وعرفة كلها موقف». فالنبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى عرفة ووقف عند الصخرات أسفل جبل الرحمة إن تيسر له ذلك، وإلا لو وقف الإنسان في أي موضع من عرفة فقد وقف، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «وقفت هنا وعرفة كلها موقف». ويرفع الإنسان يديه. وهل يلزم وهل يشرع الصعود على جبل الرحمة على ما يسمى؟ لا يشرع ذلك ولا يجب. نعم. وهكذا بارك الله فينا وفيكم، الإنسان يكون حاله في هذا داعياً ومكبراً وتالياً ومبتهلاً وراجياً الله سبحانه وتعالى، فيرفع يديه ويدعو ربه عز وجل. ويسن أن يكثر الإنسان في هذا المقام في يوم عرفة من التهليل، فإنه خير ما يدع به. فقد قال عليه الصلاة والسلام: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وهو على كل شيء قدير». يكثر الإنسان من هذا الدعاء لأنه خير الدعاء. ويستمر الإنسان ولا يزال على هذا الحال داعياً ومبتهلاً ومتضرعاً إلى الله عز وجل وراجياً من الله أن يجعله من عتقائه من النار والذي يباهي به ملائكته، إلى الغروب، إلى غروب الشمس. فالإنسان يدعو ويلبي وينقر القرآن، فحسن كما قال العلماء رحمة الله عليهم. نعم، في هذا الحال ولا يزال على هذا الحال حتى الغروب، حتى غروب الشمس. ولا يجوز للإنسان أن يخرج من عرفة قبل الغروب، لأن هذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام، فقد مكث في عرفة إلى غروب الشمس، إلى غروب الشمس. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص للضعفة أن يدفعوا من عرفة قبل الغروب، لو جاز لأجاز للضعفة. نعم. فإذا غربت الشمس فإن الناس يدفعون إلى مزدلفة بسكينة ووقار، ويكثر الإنسان من التلبية، وإذا وجد متسعاً أسرع، هذا الذي ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر. فإذا وصل... ثم يكون المبيت إذا وصل الإنسان إلى مزدلفة، يكون المبيت بمزدلفة كما قال الله: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُم مِّن قَبْلِ ﴾. نعم، عند المشعر الحرام. فإذا وصل الإنسان إلى مزدلفة في وقت المغرب أو وقت العشاء، فإنه يصلي المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، جمعاً وقصراً بأذان واحد وإقامتين، ولا يصلي بينهما شيئاً، ولا يصلي بينهما شيئاً. وإذا دفع الإنسان من مزدلفة بعد الغروب وخشي أنه لا يصل إلى مزدلفة إلا بعد منتصف الليل، فإنه يصلي ولو كان في الطريق، كما ذكر ذلك أهل العلم، حتى لا يفوت وقت الصلاة. وإنما الذي يصلي في مزدلفة من ظن أنه سيدرك وقت الصلاة. فإذا وصل في وقت المغرب ووقت العشاء، فإنه يصلي صلاة المغرب والعشاء جمعاً وقصراً بأذان وإقامتين، ولا يصلي بينهما شيئاً. ثم يبيت في مزدلفة، والمبيت بمزدلفة واجب لأن النبي عليه الصلاة والسلام بات فيها. فقد جاء في حديث جابر قال: ثم اضطجع النبي عليه الصلاة والسلام حتى الفجر عليه الصلاة والسلام. ولا يشتغل الإنسان في هذه الفترة بشيء، لا بخطبة ولا بالتقاط الحصى، فكان هدي النبي عليه الصلاة والسلام هو الخلود إلى الراحة في هذا المقام. ثم بعد ذلك صلاة الفجر في مزدلفة. فإذا طلع الفجر... فإذا طلع الفجر فإن الإنسان يصلي صلاة الفجر في أول وقته بأذان وإقامة، بأذان وإقامة، كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه: صلى الفجر في أول وقته عليه الصلاة والسلام. ثم دفع إلى المشعر الحرام وهو جبل بمزدلفة، فارتقى عليه الصلاة والسلام على الجبل ودعا ربه واستقبل القبلة ودعا ربه، وكان يحمده ويكبره ويهلله عليه الصلاة والسلام حتى أسفر جداً. ثم دفع عليه الصلاة والسلام إلى منى قبل طلوع الشمس، ثم دفع إلى منى قبل طلوع الشمس عليه الصلاة والسلام، وكان مستمراً في التلبية حتى أتى الجمرة العقبة فرماها عليه الصلاة والسلام. فهذا مجمل ما يذكر في أحكام يوم عرفة ومزدلفة. فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه. وإن شاء الله تعالى نسمع الآن من أخينا الفاضل أبي سالم أحكام الرمي والطواف، لأنه بعد هذا، بعد ما يصل للإنسان ويدفع من مزدلفة متجهاً إلى منى، فإنه يأتي إلى الجمرة ويرميها. فنسمع الآن أحكام الرمي والطواف. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. وما كان فيه من صواب فمن الله، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، واستغفر الله. ترجمة نانسي قنقر