الدرس في شرح كتاب التوحيد 20، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشارح في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ويبين معنى هذا التكريم من الله لهذه الأمة. يُذكر آراء العلماء في حسابهم في القبر وتوضيح دلالات الحديث.
يشرح المقطع صفات السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهي عدم الاسترقاء وعدم الكي وعدم التشاؤم والتوكل على الله. يُفصّل أيضًا الفرق بين الجزم في الأمور العلمية بدون دليل والتحدث باحتمالات.
يُبين المقطع دلالات الحديث النبوي مثل جواز ترك الأمور الجائزة لتحقيق التوحيد، وجواز طلب الدعاء من الصالحين، وعلم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، وأخلاق النبي في التعامل مع أصحابه.
يختتم المقطع بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر الختام أهمية الصلاة على النبي في الإسلام وعلم الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذا الباب، والذي بوّب له المؤلف رحمه الله تعالى، وهو الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، بقوله: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب. وأشرنا إلى ما في هذا التضييق من مسائل وأحكام وفوائد. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى بآيتين قرآنيتين قد مر ذكرهما وشرحهما، ألا وهما قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، والآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. وذكرنا ما في هاتين الآيتين من بيان تحقيق التوحيد الذي تحقق في هؤلاء الذين ذكرهم الله في الموضعين. ثم أورد لنا المؤلف رحمه الله تعالى الحديث الطويل في هذا الباب، والذي لازلنا فيه، وقد مضى معنا في أوله، عن حسين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت. قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعْهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعْهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعْهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ». ذكرنا ما يتعلق بهذا الحديث من مسائل، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من تكرمة الله لهذه الأمة المحمدية أنه خص منهم من العباد من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب. حتى قال العلماء: إن هؤلاء ليست لهم صحف تنشر، وليست لهم موازين تنصب؛ لأن الأصحف والدواوين والموازين إنما يؤتى بها للحساب، وهؤلاء لا حساب عليهم، إذن هؤلاء مباشرة يدخلون الجنة تكرمًا من الله سبحانه وتعالى. واختلف العلماء: هل عليهم حساب في القبر؟ نعم، هذا محل خلاف. ومنهم من قال: كذلك في القبر لا حساب عليهم، لا في القبر ولا في البرزخ، لعموم النص «يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». جاء في لفظ الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام -وجاء من حديث أبي هريرة- في وصفهم: «بأن وجوههم نور يضيء إضاءة القمر ليلة البدر»، زيادة على هذه التكرمة لهم الأنوار التي يتميزون بها، يتميزون بها دون الخلائق. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم منهم. قال الراوي: ثم نهض أي نبينا صلى الله عليه وسلم لما ذكر هذا المقطع من الحديث وهذه البشارة، وقف وما تكلم حول صفات هؤلاء، دخل إلى بيته. قال الراوي: ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك. لما تلا نبينا هذا المقطع من الحديث ثم غادر ودخل إلى بيته، من كان في المجلس خاضوا: وماذا كان خوضهم؟ خوضهم: من هؤلاء؟ من هؤلاء؟ فيه عمق الصحابة لمسألة مهمة، ألا وهي أنهم علموا أن هؤلاء ما مجزوا إلا بعمل، إلا بعمل. وهذه عقيدة مقررة، ليس الأمر أمنيات ولا أماني، وإنما الأمر برهان وعمل. فلما علموا أن هؤلاء ميزهم الله بهذا المقام السامي، خاضوا في غياب رسول الله من هؤلاء؟ وهذا يدلك على أن أحدًا لن يصل إلى هذه الدرجات إلا بجد واجتهاد. قال: فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله، هنا فائدة في هذه الفترة التي غاب فيها نبينا ثم عاد، الصحابة اشتغلوا بالتباحث، وهذا فيه فائدة البحث العلمي، البحث العلمي كل يدلي بدلوه. قد يقول قائل: أليس في هذا المقام تقول على الله بغير علم؟ هذا يتكلم وذاك يتكلم، وما عندهم نص، ما عندهم دليل، أليس هذا الذي فعلوه من التقول على الله بغير علم؟ الجواب: لا، هذا ليس من التقول على الله بغير علم. فرق يا عبد الله، وانتبه لهذا الكلام، فرق بين أن تدخل في مسألة ما عندك فيها علم، وأنت تضع احتمالية، هذا ما فيه شيء. وفرق أنك تدخل إلى مسألة ما عندك فيها علم وتجزم عليها، في الجزم تؤثم، يقع منك الإثم. وأما في موضع الاحتمالية ما فيه شيء. ولهذا ماذا قال الصحابة؟ قالوا: فلعلهم... توقعات، فلعلهم... ما فيه شيء. أنا أحيانًا قد يأتي مدرس أو يأتي رجل في مجلس يقول لي: أخوان آية من كتاب الله، وهي قوله تعالى: كذا كذا، ماذا تقولون فيها؟ أتمنى عندكم عن... هل لك أن تدخل، أدخل لكن لا تجزم. يقول: الله هذه الآية لعلها تتحدث عن كذا، وأقول: لا والله، أظن هذه الآية تتحدث عن كذا، هل في هذا شيء؟ هذا ليس فيه شيء؛ لأنك لم تجزم. النهي والتحريم إذا كان هناك جزم، تقول: لا الآية تعني كذا وكذا، دليلك هذا ليس في رأسي، لا أمر كما قال اجتهاد أو محض رأي. ولهذا الذي فعله الصحابة يحمدون عليه؛ إذ تباحثوا في مسألة علمية ولم يجزموا فيها، وإنما قالوا: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام، لعلهم الذين صحبوا رسول الله. قال: فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم في بيان صفات هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. قال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». فذكر أربع صفات. الصفات الأربع ذكرها نبينا عليه الصلاة والسلام في حق الذين يدخلون الجنة بغير حساب وبغير عذاب: أنهم لا يسترقون، لا يطلبون الرقية من غيرهم. ثانيًا: لا يكتوون. ثالثًا: لا يتشاءمون. رابعًا: من صدق اعتمادهم على الله أنهم على الله يتوكلون. وهل هذا معناه أن الإنسان ما يأخذ بالأسباب؟ لا، ليس هذا المقصود، الأسباب مباشرة الأسباب أمر شرعي، بل ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه تداوى وأنه أمر بالتداوي، ثبت هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وإنما هذا الحديث يتعلق بهذه الأمور لما فيها من عظيم التعلق بها، هذه الأمور: التشاؤم، والاسترقاء، والاكتواء، إنما جاء التخصيص بذكرها لما فيها من عظيم تعلق القلوب وتعلق أصحابها بها، من هنا نهي عنها. ولم ينه عنها طبعًا، الاسترقاء جائز، الكي جائز، لكن هذه الأشياء تقدح في كمال التوحيد. ولهذا أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في هذا الباب: باب من حقق التوحيد. فهؤلاء من شدة تحققهم للتوحيد أنهم تركوا هذه الأمور وهي جائزة؛ له أن يكتوي، ترك الكي، يستطيع أن يطلب الرقية من غيره، ترك الاسترقاء، كل ذلك للصدق اعتمادًا على الله. فهذه الأمور هي جائزة، لكن من أراد المنزلة العالية فعليه ماذا؟ بصدق الاعتماد على ربه فيتركها. ثم قال: فقام عكاشة بن محصن -وعكاشة بالتخفيف، وعكاشة بالتشديد- وهو صحابي من أصحاب رسول الله، وكان حاضرًا لهذا المجلس، فقام فقال: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم. أدع الله أن يجعلني منهم. فيه بيان لهمة الصحابة في طلب الآخرة أن الله يجعله من هؤلاء. وفيه كذلك بيان على أن النبي لا يملك لا لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا. ولهذا قال الصحابي: يا رسول الله، أدع الله. أدع الله؛ لعلمه أن هذا لا يملك، نبينا وأن الله بيده الأمر كله في الدنيا والآخرة. وفيه كذلك جواز طلب الدعاء من أهل الصلاح، لا بأس بذلك، أن تأتي إلى رجل صالح وتقول: أدع الله لي، الله يحفظك، متى وجدت فرصة في صلاتك أدع الله لي، ولا تنسني من دعائك، فلا شيء في ذلك استئناسًا بهذا الحديث. قال: فقال عليه الصلاة والسلام: «أنت منهم». أنت منهم. وفيه علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام؛ إذ أن الله أوحى إليه. وفيه كذلك منقبة لهذا الصحابي الجليل أن الله لم يجعله فقط من أهل الجنة، بل جعله من السبعين ألفًا الذين يدخلونها بغير حساب ولا عذاب. ثم قام رجل آخر -أي بعدما سمع هذه البشارة بعكاشة- قام آخر، فقال: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم. أراد أن يفوز بهذه البشارة. فقال عليه الصلاة والسلام: «سبقك بها عكاشة». سبقك بها عكاشة. أي سبق. قال علماء: وإنما نبينا صلى الله عليه وسلم لم يفتح المجال للثاني؛ لإحتمال أن الثاني ما عنده من الصفات كالتي عند عكاشة، ما عنده من الصفات ما عند عكاشة. فكان الرد وأغلق الباب، قال: «سبقك بها عكاشة». وفيه كذلك بيان لحسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، ما زجره، وما قال: أنت لست منهم فيأسه. قال: لا، «سبقك بها عكاشة». وفيه ماذا؟ أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه بيان كذلك على أن أهل هذه الطبقة قليل، أهل هذه الطبقة قليل. هذا الثاني رجل من أصحاب رسول الله، من أصحاب رسول الله، ومع ذلك ما استطاع أن يدخل من هؤلاء في هذا المقام. فقال: «سبقك بها عكاشة». فمن يدخل في هذه الزمرة قليل. نعم، جاءت رواية عند الإمام أحمد، قال عليه الصلاة والسلام: «ومع كل ألف سبعون ألفًا». مع كل ألف هم سبعون ألفًا يدخلون الجنة. فقط محصورة بهذا العدد. هناك رواية خارج الصحيح عند أحمد، قال رسول الله: «ومع كل ألف سبعون ألفًا». كم يكونوا؟ حسبوا بما يقارب أربعة مليون وتسعمائة وخمسة مليون. أي على هذه الزيادة يحسنها جماعة من العلماء: مع كل ألف سبعون ألفًا، اضربها المجموع ما يقارب خمسة مليون. لكن هذا من أين؟ هذا من مجموع الأمة المحمدية منذ بعثته عليه الصلاة والسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فلا يزال العدد قليل، لكن من أراد... فضل الله واسع، فضل الله واسع. من أراد أن يحوز هذه المنقبة فعليه ماذا؟ أن يتحلى بهذه الصفات. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.