شرح كتاب التوحيد 18

شرح كتاب التوحيد 18

الدرس في شرح كتاب التوحيد 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

استدلال المؤلف بآية "والذين هم بربهم لا يشركون"

المؤلف يستدل بآية "والذين هم بربهم لا يشركون" على تحقيق التوحيد ودخول الجنة، ويشرح معنى الشرك لغة واصطلاحًا. يُبين أن الآية تدل على عدم إشراك المؤمنين بالله في أقوالهم وأفعالهم.

معنى الإخلاص وعدم الشرك في العبادة

الإخلاص في العبادة يعني عدم الشرك بالله، ويتضمن توحيد الربوبية والألوهية. يُوضح الفرق بين الخوف والخشية، حيث أن الخشية هي خوف مقرون بالعلم.

صفات أهل الإيمان والتقوى وتحقيق التوحيد

أهل الإيمان والتقوى يتأملون في آيات الله ويجمعون بين حسن العمل والخوف من الله. تحقيق التوحيد يؤدي إلى دخول الجنة بغير حساب، ويتضمن الدعاء بأن ينفع الله المستمعين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذا الباب، والذي عنون له المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب». ومر معنا في درس أمس ما يتعلق باستدلال المؤلف رحمه الله تعالى بقوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يكن من المشركين شاكراً لأنعمه﴾، وذكرنا ما يتعلق بهذه الآية وربطها بهذا الباب. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وقوله: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾ مما استدل به المؤلف رحمه الله تعالى على أن من حقق التوحيد دخل الجنة». ما كان من استدلاله بهذه الآية، وهذه الآية ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾ هي جاءت في سياق ثناء الرب سبحانه وتعالى على أهل الإيمان ممن اتصفوا بكامل الصفات، فكان من صفاتهم ما جاء في سياق هذه الآيات. قال ربنا عز وجل: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾، فالشاهد أن هذه الآيات ساقها ربنا عز وجل مدحًا وثناءً لطائفة من أهل الإيمان، بشرهم ربنا جل وعلا بقوله: ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾. وموطن الشاهد من هذه الآيات ما جاء في وصفهم أن الله قال عنهم: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾، فهؤلاء قد حققوا التوحيد، ومن تحقيقهم للتوحيد أنهم ما أشركوا بالله جل وعلا أبدًا، ما كان هناك شرك لا في أقوالهم ولا في أفعالهم، ما أشركوا في الله في زمن دون زمن أو في مكان دون مكان. قد يقول قائل: ومن أين جئت بالعموم؟ ومن أين استفدت هذا العموم الكلي بأنهم ما صدر منهم شرك وما وقع منهم شرك؟ قال العلماء: هذه الآية تدل على العموم، وذلك أن هنا «لا» النافية، و«لا» النافية إذا تصلطت على الفعل المضارع فإنه يفيد العموم، وهذا من أقسام البلاغ في القرآن. ومن ألفاظ وصيغ العموم أن النفي إذا تصلط على الفعل المضارع فإنه يفيد العموم، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾ أي ما صدر منهم شرك، ما صدر منهم شرك لا في زمان دون زمان ولا في مكان دون مكان، لا هم في أقوالهم ولا في أفعالهم ما كان هذا قد حصل منهم. فقول سبحانه وتعالى: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾ فيه أن القوم قد حققوا التوحيد، وهذا هو المراد، فالمؤلف رحمه الله تعالى أورد هذه الآية في هذا المكان لبيان هذه المنزلة العظيمة التي نالها هؤلاء، فاستحقوا بذلك أن مدحهم الله جل وعلا. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿لا يشركون﴾ أي ما وقع منهم شرك، والشرك هو اتخاذ الشريك مع الله، هذا في اللغة، الشرك واتخاذ الشريك بمعنى عام، كل من اتخذ شريكًا يقال: فلان أشرك فلانًا في تجارته، وأشرك في عمله أقوامًا، فالشراكة هنا بمعنى اتخاذ شريك. وأما اصطلاحًا كما قال العلماء: الشرك هو اتخاذ أو جعل شريك مع الله فيما يستحقه ويختص به، هذا هو الشرك، جعل شريك مع الله فيما يختص به ويستحقه جل في علاه، فمن جعل معبودًا شريكًا مع الله في ألوهيته، أو جعل شريكًا مع الله في ربوبيته، أو جعل شريكًا مع الله في أسمائه وصفاته، هذا قد وقع منه شرك. وهؤلاء الذين ماذا خسروا الدنيا والآخرة، فشاهد أن هذه الآية ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾ فيها أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن هؤلاء قد حققوا التوحيد بحيث أنهم ما وقع منهم شرك، وفيه كذلك فائدة من هذه الآية على أن هؤلاء إذا ما صدر منهم شرك، إذا ما الذي وقع منهم، وقع منهم الضد وهو الإخلاص، وهو الإخلاص، فهم مخلصون دائمًا وأبدًا في أعمالهم وأقوالهم، بل وفي تدينهم لربهم لله. وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، فهؤلاء دينهم كله قائم على الإخلاص، فصلواتهم وتعبدهم وما كان من تنفلهم من حجهم ومن ذبحهم ومن خوفهم كل ذلك لله، ما صرفوا شيئًا منه لغير الله جل وعلا. وهذا الذي يفهم من قوله: ﴿لا يشركون﴾ أي أنهم قد أخلصوا العبادات لله، قل: «إن صلاتي ونسكي ومحياي وما ماتي لله»، ما هناك شريك مع الله، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. كذلك في هذه الآية فيه فائدة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الاهتمام، وهذا واضح في سياق الآية، الآية فيها: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾، والأصل في الآية: «والذين لا يشركون بربهم»، لكن جاءت سياق الآية على هذا المنوال الذي جاء في القرآن. قيل أن هذا لأجل رؤوس الآية أن تنتهي الآية بهذا النسق: ﴿يؤمنون لا يشركون يسارعون﴾، لكن قال العلماء: وكذلك تحمل على أن التقديم هنا من أجل الاهتمام، من أجل الاهتمام. وكذلك في هذه الآية إخواني في الله أن الله عز وجل ذكر أن هؤلاء لا يشركون في ربوبية الله، تأمل لهذه الآية: ﴿والذين هم بربهم﴾ ذكر الربوبية لا يشركون، لم يذكر الألوهية، لماذا؟ قال العلماء: لأن الربوبية تستلزم الألوهية، وهذا قد مضى معنا في أوائل مباحث التلازم بين أقسام التوحيد. فإن الذي يأتي بتوحيد الربوبية فهذا يلزمه أن يأتي بتوحيد الألوهية، فمن ظن ومن اعتقد أن له ربًا ربًا خلق الكائنات وخلق الموجودات، فإن هذا الرب من لوازمك يا عبد الله أنك تعتقد أنه يستحق العبادة أن يعبد. يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم، لما كان من صفة الرب جل وعلا الخلق والإيجاد والرزق، إذن هذا يستحق أن يعبد، فالربوبية تستلزم الألوهية ولابد، فهنا في قوله تعالى: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾ فكما أنك يا عبد الله لا تشرك مع الله في ربوبيته شيئًا، يستلزم منك أيضًا أنك لا تجعل في عبادة الله شريكًا. وبهذه الآية جمعت بين النوعين من أنواع التوحيد، وهو عدم الشرك في الربوبية، ويتضمن كذلك عدم الشرك في الألوهية، فهذه الآية كما قلنا إخوانا في الله من الآيات العظيمة والتي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى على أن من صفات عباد الله أنهم يحققون التوحيد. وقد علمنا أن تحقق التوحيد في هذه الآية جاء من صيغة العموم، والنظر كذلك من باب الفائدة إذا نظرنا إلى سياق هذه الآيات التي وصف فيها ربنا جل وعلا عباده الصالحين أنهم: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون﴾، هذه الصفة الأولى أنهم أهل خشية يخشون ربهم عز وجل. والخشية هو الخوف، لكن هل هناك فرق؟ نعم، فرق، هناك فرق بين الخوف وبين الخشية، والفرق أن الخشية عبارة عن خوف لكن مع علم، فالذي يخشى الله عز وجل هو الذي يخاف من الله مع علمه بمقام ربه، مع معرفته بآلاء الله جل وعلا. فلتمام معرفته لله جاءت منه الخشية، ولهذا ما تصدر الخشية إلا من أهل العلم، كما قال ربنا: «إنما يخشى الله من عباده العلماء»، فالعالم لعظيم علمه تكون منه الخشية، فكلما ارتقى الرجل في مقامات العلم ظهرت منه الخشية على مقدار علمه. ولهذا نقول: الخشية عبارة عن خوف لكن مقرون بعلم، ولهذا قال نبينا عن نفسه: «أما إني أعلمكم بالله وأخشاكم له»، الخشية مع العلم، الخشية مع العلم. فهؤلاء الذين مدحهم الله جل وعلا في هذه الآية أنهم: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون﴾، فهم عندهم خوف، وذلك لما كان في اعتقادهم من معرفتهم بعظمة الرب سبحانه وتعالى. قال: ﴿والذين هم بآيات ربهم يؤمنون﴾، الصفة الثانية على أن أهل الإيمان هو الذي يتعظ ويتفكر بآيات الله الكونية والشرعية، فتزيد في إيمانه، تزيد في إيمانه إذا نظر إلى آيات الله الشرعية كالقرآن، كلما قرأ قرآن تدبر القرآن نظر فيه، فإن إيمانه يزداد. وكذلك إذا نظر في الآيات الكونية ما خلق الله من السماء والأرض، من ملكوت السماوات، من النجوم السيارة، ومن المجرات، ومما كان من خلق الله في الفلك الأعلى من النجوم، ومن الشهب، ومن السحب، وكذلك ما كان من تأملك يا عبد الله في ملكوت الأرض، بما أوجد الله جل وعلا الأرض وما عليها من جبال وبحار ورمال، ومن إنس ومن جان وكائنات ومخلوقات، وأشجار ونباتات، هذه تزيد في إيمانك. هذا من صفة أهل العرفان أن هذه الآيات ما تمر عليه مرور الكرام، تأتيك الأمطار تجعلك تأمل في عظيم خلق الله جل وعلا، كيف أتى بهذه الأمطار، وصلتها على هذه البلاد، دون تلك البلاد، وكيف أن إنزال هذه الأقطار من قطرة الأمطار إنما كان بقدر، إنما كان بحساب. فتعمل فكرك يا عبد الله في كل آية من الآيات التي أوجدها الله في السماوات والأرض، فإن ذلك من صفات أهل الإيمان عظيم التفكر، ولهذا قال ربنا جل وعلا في صفاتهم: ﴿والذين هم بآيات ربهم يؤمنون﴾، سواء كانت الآيات الكونية أو الآيات الشرعية. ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾، ذكرنا ما فيها من مسائل، ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾، كذلك من صفات هؤلاء ممن وصفهم الله جل وعلا بالسابقين أنهم مهما فعلوا من طاعة، يؤتون ما آتوا من صدقة، من نفقة، من زكاة، من صلاة، من أعمال البر والتقوى، من صلة الأرحام، من طاعة للوالد، مهما فعل ومهما أدى من الطاعة، يفعل ذلك ومع ذلك عنده خوف، خوف من الله، من ماذا؟ من أن الله ما يتقبل منه هذه الأعمال. فهو لا يزال يخاف نفسه، ولا يمنيها، وإنما يفعل الصالحات مع خوف، مع رهبة أنه يبعث عند ربه فلا يجد هذه الأعمال ماثرة بين يديه، وقد ثبت عند الترمذي وفي مستدرك الحاكم أن عائشة رضي الله تعالى عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: ﴿الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾، أهم الذين يشربون الخمر؟ أهم الذين يزنون ويسرقون؟ هؤلاء هم مضنة الخوف، يفعل الأعمال الصالحة لكن لفجوره ومجونه وبعده، لربما يأتي بالصالحات وهو خائف من ربه. فقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا، يا بنت الصديق، بل هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون أن لا يتقبل ذلك منهم»، أولئك يسارعون في الخيرات، هذا من فعل أهل الصلاح، لا يغتر على ربه، لا يغتر على ربه إن صلى وإن صام وإن فعل شيئًا من الطاعات. وكذلك لا يتألى على خلق الله، إن رأى من نفسه صلاحًا، مثلا نظر إلى غيره باحتقار، هؤلاء صعاليك، هؤلاء حطب النار، هؤلاء كذا، حتى يصل ببعض الناس أن يقول: إن الله لا يغفر لفلان، لما وجد من نفسه من الصلاح والاقتراب، أن ظن أن الله سيهلك غيره، لا يعبد الله، لا تغتر على ربه، يمنون عليك أن أسلموا، قل: «لا تمنوا علي إسلامكم»، لا أحد يمن على ربه. فأنت تعبد الله كن كما أمر ربك جل وعلا، تأمل تعمل الصالحة، تصلي، تصوم، تتصدق، ومع ذلك يبقى عندك خوف، خوف، ولهذا من صفات أهل الصلاح أن يجمع بين حسن العمل مع الخوف والوجل، تعمل وتخاف، تعمل وتخاف، هكذا يكون يا عبد الله دافعًا لك في الاستمرار. لكن لا يصل بك الخوف يا عبد الله إلى درجة القنوط أن تقنط من رحمة الله، لا، هذا مسلك منحرف، وإنما المعيار الصحيح في الذي عليه أهل الطاعة أنك تعمل، ولا بد من العمل، بل وتحسن العمل، ومع ذلك لا تغتر على ربك، بل يبقى عندك من الخوف ومن سوء الظن في النفس، وأن الله جل وعلا قد لا يتقبل ذلك منك، حتى يكون ذلك دافعًا لك في أن تستمر في طاعاتك وفي عباداتك. الشاهد إخواني في الله، موطن الشاهد من هذه الآية ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هاهنا بقوله سبحانه: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾، أي أن هؤلاء حققوا التوحيد حق المقام، فكان من أمرهم أن الله جل وعلا جعلهم من أهل الجنان، وهذا يوافق ما بوّب عليه المؤلف هذا الباب بقوله: «باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب». أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.