المسائل الخمس لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب

المسائل الخمس لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب

المحاضرة بعنوان المسائل الخمس لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، مجلس علمي والذي كان بمسجد ابن عباس بمنطقة زغفة بالشحر يوم الخميس 3 ربيع الآخر 1447هـ الموافق 25 سبتمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أول ما أمر به النبي من الإنذار عن الشرك وتكبير الله بالتوحيد

يبيّن هذا المحور أن أول واجب كلف به النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة هو الإنذار عن الشرك بقوله ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ وتكبير الله بالتوحيد بقوله ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. كما يوضح الفرق بين نبوة ﴿اقْرَأْ﴾ ورسالة ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، مبيناً أن شرك قريش كان بتعظيم الأصنام كوسائط وشفعاء، فكان الإنذار به أولوية قصوى لكونه أصل الضلال.

مقارنة شرك المشركين قديماً وحديثاً وحقيقة البراءة من الشرك

يقارن المحور بين شرك الأوائل الذين كانوا يخلصون الدعاء لله عند الشدة، وشرك المتأخرين الذين يدعون الأولياء حتى في حالات الخوف، مبيناً أن شرك المتأخرين أشد وأنكى. ويؤكد أن الأمر بتكبير الرب يقتضي إخلاص الدين لله والبراءة من الشرك وأهله، محذراً من قلب المفاهيم عند من يعدون الدعوة للتوحيد تنقصاً للصالحين.

اتهام دعاة التوحيد بالتنقص وانقلاب الموازين عند أهل الشرك

يسلط الضوء على شبهة المشركين واتهامهم دعاة التوحيد بسب الصالحين، مقارنين ذلك بقول النصارى إن النبي ﷺ سب عيسى بوصفه عبداً ورسولاً. ويبين كيف انقلبت الموازين فصار دعاة التوحيد أعداء الإسلام في نظر علماء السوء، بينما اعتبر المشركون موحدين، مؤكداً أن "لا إله إلا الله" تقتضي العمل بإفراد الله لا مجرد النطق.

معرفة الله لا تنفع دون تحقيق التوحيد والعمل بمقتضاه

يقرر المحور أن مجرد معرفة الله -كما عرفه إبليس وفرعون وأهل الكتاب- لا تنفع صاحبها ما لم تقترن بتحقيق التوحيد الخالص والانقياد لمقتضيات الشهادتين. فالعبرة بالعلم المثمر للعمل والولاء لأهل التوحيد والبراءة من أهل الشرك، وهو دين الإسلام الحق الذي لا يقبل الله سواه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله تبارك وتعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، الذي يسر لنا هذا اللقاء وهذا المجلس في هذا الجامع المبارك، جامع ابن عباس لمنطقة زغفة من مديرية الشحر محافظة حضرموت، القائم عليه الشيخ الفاضل أبو خليل مصطفى باتقيني حفظه الله. وهذا مجلس من مجالس العلم، نسأل الله عز وجل أن يبارك فيه، ونشكر لشيخنا الفاضل أبي خليل مصطفى حرصه وجهوده التي يقوم بها، ومن ذلك هذا الجهد المشكور إن شاء الله، وهو الحرص على إقامة مثل هذه المجالس العلمية التي يحصل بها النفع لقراءة رسائل لأئمة ونخبة من علماء الإسلام، يحصل بها النفع، وهي مسائل متنوعة أو مجالس متنوعة في العقيدة والفقه والسيرة والآداب والأخلاق وغيرها، فجزاه الله خير الجزاء، وجزاه الله خيراً على حسن ظنه، وإلا فنحن والله أقل بكثير مما ذكر، حفظه الله. نسأل الله أن يجعلنا عند حسن ظن إخواننا بنا، وأن يعيننا على إفادتهم بما يثلج صدورهم ويحصل الخير بإذن الله جل وعلا. ونبدأ إن شاء الله تعالى بقراءة هذه الرسالة: "المسائل الخمس في العقيدة" لشيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب بن نجدي رحمه الله تعالى، من "الدرر السنية"، كما سمعتم في كلمة الشيخ مصطفى في مقدمته حفظه الله تبارك وتعالى. فنبدأ اختصاراً للوقت حتى يسعفنا الوقت لإكمال هذه الرسالة إن شاء الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي رحمه الله تعالى وغفر الله له: قال في هذه الرسالة الموسومة بالمسائل الخمس: قال غفر الله له: "الواجب عليك أن تعرف خمس مسائل: الأولى: أن الله لما أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، أن أول كلمة أرسله الله بها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. ومعنى قوله: ﴿فَأَنذِرْ﴾: الإنذار عن الشرك بالله، وكانوا يجعلونه ديناً يتقربون به إلى الله تعالى، مع أنهم يفعلون من الظلم والفواحش ما لا يحصى، ويعلمون أنه معصية. فمن فهم فهماً جيداً أن الله أمره بالإنذار عن دينهم الذي يتقربون به إلى الله قبل الإنذار عن الزنا أو نكاح الأمهات والأخوات، وعرف الشرك الذي يفعلونه، رأى العجب العجاب، خصوصاً إن عرف أن شركهم دون شرك كثير من الناس اليوم، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾". حسب ذكر رحمه الله تعالى هنا ما يجب على المسلم أن يعرفه من الواجبات المتحتمات المعرفة، لأن أعظم ما يجب على المسلم أن يتعلمه وأن يعرفه ما يتعلق بعقيدته التي بها صلاح العبادات وصلاح أمر دينه، فلا صلاح للمسلم إلا بصلاح عقيدته، ولا صلاح لعبادته وعباداته إلا بصلاح عقيدته. فإن ما يجب من تعلم العقيدة هو من أول الواجبات ومن أهم الواجبات التي ينبغي أن يعلمها المسلم. وذكر من هذه الواجبات هذه المسائل الخمس التي يجب أن يعلمها المسلم وأن يعرفها المسلم، وهي مسائل تتعلق بأن يفهمها وأن يتعلمها وأن يعتقدها، وذلك لأن من الناس من جهل أموراً كثيرة من أمور العقيدة، كان سبب الجهل بها وقوعه في الشرك بالله جل وعلا. فما وقع من وقع في الشرك بالله جل وعلا من دعاء الأموات والاستغاثة بهم، واعتقاد النفع والضر فيهم وغير ذلك، إلا بسبب الجهل بمثل هذه الأصول العظيمة، وهذه المسائل التي ينبغي أن يتعلمها لينجو من الوقوع في حبائل الشرك، وأن يعبد الله جل وعلا على بصيرة، فيعلم ما ينبغي عليه مما يتعلمه أولاً، ويهتم به اهتماماً عظيماً مما يتعلق بأمر عقيدته. فذكر رحمه الله تعالى المسألة الأولى من هذه المسائل التي أراد أن يحرص المسلم على تعلمها: أن الله لما أرسل محمداً عليه الصلاة والسلام بالهدى ودين الحق، والهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. قال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. الله جل وعلا أرسل نبينا عليه الصلاة والسلام بالهدى، وهو هذا العلم النافع من كتاب الله عز وجل ومما أوحى الله جل وعلا إليه، وأعظم هذا العلم العلم بالعقيدة، العلم بحق الله جل وعلا الذي هو أعظم الحقوق، والتي لا تنفع الأعمال صاحبها إذا أتى بها إلا بعد أن يؤدي هذا الحق العظيم لله جل وعلا. ثم ذكر رحمه الله تعالى أن أول كلمة أرسله الله بها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. هذا أول أمر من الله جل وعلا للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن صار رسولاً. بعد أن صار رسولاً، أول ما نزل قوله جل وعلا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فكان بذلك عليه الصلاة والسلام نبياً. ثم بعد ذلك أول ما نزل عليه قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. فجاء في صحيح مسلم: أول ما نزل "اقرأ"، وجاء في مسلم عن جابر: أول ما نزل "يا أيها المدثر". فما الجمع بين هذين الحديثين؟ الجمع بأن أول ما نزل على الإطلاق "اقرأ"، وبه صار عليه الصلاة والسلام نبياً، كما قال محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "نبئ بـ (اقرأ)"، أي صار نبياً لما نزل عليه قوله جل وعلا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، صار نبياً، أي غير مأمور بتبليغ هذا الذي نزل إليه إبلاغاً جازماً، ولذلك إنما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام بذلك زوجه خديجة وبعض أقاربه. لكن نزل عليه قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾، فصار بذلك رسولاً. فقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "أرسل بالمدثر"، أي أمره الله جل وعلا بعد ذلك أن يبلغ بلاغاً جازماً، وأن يدعو إلى توحيد الله جل وعلا. ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾: أي عن الشرك. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾: أي كبره بالتوحيد، كبره أي عظمه تبارك وتعالى. فكان المشركون يجعلون الإشراك بالله جل وعلا هو الدين، كان الدين عند كفار قريش: جعل اللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى وهبل شفعاء لهم عند الله جل وعلا، وتقربهم إلى الله تبارك وتعالى زلفى. هذا الدين الذي كان عند كفار قريش: ما هو الدين؟ أن يأتوا إلى هذه الآلهة وإلى هؤلاء الآلهة يعظمونها من دون الله جل وعلا، ينذرون لها، يذبحون لها تقرباً وتعظيماً، ويجعلونها وسائط شفعاء لهم عند الله تبارك وتعالى، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم على لسانهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقال جل وعلا عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾. هذا الدين الذي كان عليه كفار المشركين، فأرسل الله جل وعلا نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام ينذرهم عن هذا الشرك، ينهاهم عن جعل اللات والعزة وهبل ومناة الثالثة الأخرى شفعاء لهم عند الله، ووسائط تقربهم إلى الله تبارك وتعالى، وبين أن هذا كفر وشرك بالله جل وعلا، وكذبهم في ذلك، كما قال جل وعلا في هاتين الآيتين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، وقال جل وعلا: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فسمى فعلهم هذا شركاً، وهو الدين الذي كانوا يعتقدونه ديناً ويتقربون به إلى الله جل وعلا. ومتى يتقربون إلى اللات والعزة ومناة وهبل؟ إنما يعتقدون أنهم يتقربون إلى الله جل وعلا بعبادة هؤلاء، بدعاء هؤلاء، بجعلهم وسائط، بجعلهم شفعاء لهم، يعتقدون أن هذه قربة إلى الله تبارك وتعالى، وأنهم بذلك يعبدون الله جل وعلا، فصاروا يعبدون الله بالشرك به، فصار توحيدهم شركاً بالله جل وعلا، صاروا يتقربون إلى الله جل وعلا بالشرك به وبالكفر به تبارك وتعالى. هذا الدين الذي يعلمونه وعلموه ويعتقدونه، مع أنهم كانوا يفعلون من الظلم: كانوا يئدون البنات، وكان القوي منهم يأكل الضعيف، وكانوا يسيئون الجوار. خلاصة ما كانوا عليه قد حكاه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما سأله أصحمة النجاشي حين هاجر إلى الحبشة، سألهم عن الدين الذي أرسل به النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبر جعفر النجاشي أصحمة بأنهم كانوا يسيئون الجوار، ويعبدون الأوثان، ويفعلون ويفعلون ويفعلون من المعاصي وهذه الذنوب. لكن الله عز وجل إنما أرسل نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام إلى أن ينهاهم عن الشرك قبل أن ينهاهم عن هذه المظالم، أن ينهاهم عن الزنا الذي كانوا يفعلون، كانت عندهم البغايا اللواتي يرفعن الأعلام على بيوتهن يدعون الناس إلى فعل الزنا، فكان هناك بغايا يجعلن على بيوتهن رايات، وهي رايات دعوة إلى الزنا، كانوا يجاهرون بذلك. كان عندهم من الظلم، وكان عندهم كذلك من سفك الدماء إلى آخر ذلك، لكن مع هذا لم يرسل نبينا صلى الله عليه وسلم أولاً بنهيهم عن هذا، لأن نهيهم عن هذا لا ينفع قبل نهيهم عن الشرك. فلذلك كان أولاً الأمر الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام بإنذارهم عن الشرك: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، أي من الرجز، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، والرجز: فاهجر، أي عبادة الأصنام. فمن فهم فهماً جيداً أن الله أمره بالإنذار عن دينهم الذي يتقربون به إلى الله عز وجل، وهو الإنذار عن الشرك قبل الإنذار عن الزنا أو نكاح الأمهات، كذلك كان عندهم ذلك، نكاح الأخوات. وعرف الشرك الذي يفعلونه، وهو إنما جعلوا هذه الآلهة التي يعبدونها كاللات والعزة ومناة وهبل وسائط بينهم وبين الله جل وعلا، وشفعاء لهم عند الله تبارك وتعالى، رأى العجب العجاب، أي في ذلك، خصوصاً إن عرف أن شركهم دون شرك كثير من الناس اليوم، أي بأنهم ليسوا يعتقدون في اللات والعزة ومناة وهبل أنهم يخلقون مع الله جل وعلا، أو أن لهم كذا، أو من علم الغيب وغير ذلك، وإنما هم مجرد شفعاء ووسائط لهم عند الله تبارك وتعالى، يعتقدون فيهم الصلاح، وأنهم لصلاحهم يقربونهم إلى الله جل وعلا زلفى، وكما فعل قوم نوح مع صالحيهم: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر. جاء الصالحون في قوم نوح، حكوا على قبورهم، جعلوهم وسائط شفعاء لهم عند الله تبارك وتعالى. أرسل الله جل وعلا نوحاً عليه الصلاة والسلام، أول رسول أرسله إلى الأرض، ينهاهم عن ذلك الشرك الذي كانوا يفعلونه. فما هو شرك قوم نوح؟ الشرك الذي كان عند قوم نوح أنهم جعلوا وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً وسائط لهم عند الله جل وعلا، وشفعاء. عهد أن الشيطان أوحى إليهم بأن أباءهم هؤلاء إنما نصبوا هذه الأنصاب على أولياء الصالحين على قبورهم، أنهم كان إذا قحطوا أو جدبوا أو أصابهم شيء من المصائب، جاءوا إليهم واستشفعوا بهم عند الله جل وعلا، فيمطرون وترفع عنهم مصائبهم، وما يحصل لهم من الكروب وغير ذلك. ولذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ذكر عنه أنه مرة قال لقومه، وقال لطلابه ممن يعلمهم التوحيد، قال لهم: "إن رجلاً ذبح ديكاً وجعله للجن، وجعله للجن، جعل هذا الذبح للجن، فلم يحركوا ساكناً ولم يهتموا بهذا الأمر العظيم". لما قالوا: "قد فهمنا التوحيد، قد فهمنا التوحيد"، قال: "قد فهمتم التوحيد؟" فذكر لهم هذا، فلم يتغير منهم شيء ولم يتأثروا. جاءهم في اليوم الثاني، قال لهم: "إن رجلاً قد زنى بأمه، إن رجلاً قد زنى بأمه"، فاستعظموا ذلك، قالوا: "كيف؟" قال: "ما علمتم التوحيد، ما علمتم التوحيد". قلت لكم بالأمس: "إن رجلاً ذبح ديكاً لغير الله"، فما تأثرتم كما تأثرتم الآن بسماعكم أن رجلاً زنى بأمه. يريد أن يبين لهم أنهم ما علموا التوحيد حقه. وهذا واقع الآن: لو تقول لبعض الناس: "وفلان زنى بأمه"، لا قامت الدنيا، ويعني: "كيف وكيف وكيف"، لكن لو قلت لهم: "إن فلاناً استغاث بولي من الأولياء، أو بصالح من الصالحين، أو غير ذلك"، فإنه لا يكون عنده ذلك التأثر. وهذا من الجهل بالتوحيد. وكأن الإمام هنا يشير إلى هذا، يشير إلى هذا. فقال رحمه الله تعالى: "فرأى العجب العجاب، خصوصاً إن عرف أن شركهم دون شرك كثير من الناس اليوم"، بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. أراد أن يبين رحمه الله تعالى أن المشركين، مع ما كانوا عليه من الشرك، لكن إذا أصابهم الضر وصاروا في شدة، إنما يرجعون إلى الله جل وعلا، لا يرجعون إلى اللات ولا إلى العزة ولا إلى هبل ولا إلى مناة، وإنما يرجعون إلى الله جل وعلا وينيبون إليه تبارك وتعالى. لكن بعد ذلك إذا خولهم جل وعلا النعمة، نسوا ذلك، وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. فإن المشركين كانوا إذا كانوا في البحر وهاجت الأمواج واضطربت غير ذلك، وخافوا الهلك، يخلصون لله جل وعلا، يدعون الله تبارك وتعالى وحده لا شريك له، أبو جهل يقول: "يا الله"، وهكذا المغيرة، والوليد بن المغيرة يقول: "يا الله"، وهكذا غيرهم من المشركين إذا كانوا في البحر، كما قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، أي أخلصوا لله جل وعلا الدين في الدعاء، فلا يدعون آلهتهم. وإنما إذا نزلوا بعد ذلك إلى البر، ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾، هذه الآلهة. أما اليوم، فتجد من الناس من يشرك بالله جل وعلا في البر والبحر، وفي السراء والضراء، وفي الرخاء والشدة. فإذا كانوا في بحر مثلاً، فخافوا على أنفسهم الهلكة، فهذا يقول: "يا بدوي"، وآخر يقول: "يا ابن علوان"، وآخر يقول: "يا فلان ويا فلان"، يدعون غير الله جل وعلا، لا يخلصون الدين لله جل وعلا كما كان المشركون يخلصون الدين لله جل وعلا في هذا الحال. ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، أما اليوم فإذا ركبوا في الفلك لم يخلصوا لله جل وعلا الدين في دعائهم، بل يهتفون بهؤلاء الأولياء وبهؤلاء الصالحين، فهذا يقول: "مدد مدد يا حسين"، وآخر يقول: "مدد مدد يا ابن علوان"، وآخر: "مدد يا حسين، يا بدوي، يا فلان، يا فلان". هذا يدلنا على أن شرك المشركين الذي كانوا عليه أخف من شرك كثير ممن يقع في الشرك بالله جل وعلا في هذا اليوم، بدليل أن شرك المشركين كان في الرخاء، وكان في السراء، وأما في الضراء وعند الشدة فكانوا يخلصون، واليوم الشرك في الرخاء وفي السراء وفي الشدة كذلك، وعند اليسر، والله المستعان. نعم، قال رحمه الله: "الثانية: أنه لما أنذرهم عن الشرك، أمرهم بالتوحيد الذي هو إخلاص الدين لله، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، يعني عظمه بالإخلاص، وليس المراد تكبير الأذان وغيره، فإنه لم يشرع إلا في المدينة. فإذا عرف الإنسان أن ترك الشرك لا ينفع إلا إذا لبس ثوب الإخلاص، وفهم الإخلاص فهماً جيداً، وعرف ما عليه كثير من الناس من ظنهم أن الإخلاص وترك دعوة الصالحين نقص لهم، كما قال النصارى: إن محمداً يشتم عيسى، لما ذكر أنه عبد الله ورسوله، ليس يعبد مع الله تعالى. فمن فهم هذا، عرف غربة الإسلام، خصوصاً إن أحضر بقلبه ما فعل الذين يدعون أنهم من العلماء من معادة أهل هذه المسألة وتكفيرهم من دان بها، وجهدهم مع عباد قبة أبي طالب وأمثالها، وقبة الكواز وأمثالها، وفتواهم لهم بحل دمائنا وأموالنا لتركنا ما هم عليه، ويقولون: إنهم ينكرون دينكم. فلا تعرف هذه والتي قبلها إلا بإحضارك في ذهنك ما علمت أنهم فعلوا مع أهل هذه المسألة، وما فعلوا مع المشركين، فحينئذ تعرف أن دين الإسلام ليس بمجرد المعرفة، فإن إبليس وفرعون يعرفونه، وكذلك اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإنما الإسلام هو العمل بذلك، والحب والبغض، والولاء والمعاداة، وتركب وعلاة الآباء والأبناء في هذا". نعم، ذكر هنا المسألة الثانية رحمه الله تعالى عليه: أن الله جل وعلا لما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بإنذار كفار قريش المشركين عن الشرك، أمرهم بالتوحيد، أمرهم بالتوحيد كما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾، أي عن الشرك، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، هذا الأمر بالتوحيد. فالتوحيد لا يتحقق إلا بالبراءة أولاً من الشرك، البراءة أولاً من الشرك. قال جل وعلا على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنِّي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. وهذا معنى كلمة "لا إله إلا الله": "لا إله"، هذا نفي ألوهية عن كل أحد إلا الله، إثباته لله جل وعلا وحده لا شريك له. فلذلك لا يتحقق التوحيد إلا بالبراءة أولاً من الشرك وأهله. فهذا ركن في التوحيد: البراءة من الشرك والمشركين، وإثبات الألوهية لله جل وحده لا شريك له، والإخلاص له بالعبادة تبارك وتعالى. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، يعني عظمه بالإخلاص. وهذا هو التوحيد، ليس المراد التكبير تكبير الأذان، فإن التكبير إنما شرع الأذان في المدينة. أراد الله تعالى أن يرد: ربما البعض يقول: "لا، المراد هنا أمر الله عز وجل نبيه: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، يعني كبر الأذان". لا، وإنما عظم ربك جل وعلا، أي المراد التوحيد، لأن تعظيم الله جل وعلا لا يكون إلا بإفراده تبارك وتعالى. فمن وحد الله جل وعلا فقد عظمه، ومن أشرك بالله سبحانه وتعالى، فإن أعظم من أساء... أعظم من أساء إلى الله جل وعلا، أعظم المسيئين مع الله جل وعلا هم المشركون، هم الذين عبدوا مع الله جل وعلا غيره. وأعظم المحسنين مع الله جل وعلا هم أهل التوحيد، وبقدر توحيدهم وبقدر قوة توحيدهم وكماله يتفاوتون في إحسانهم في هذه العبادة العظيمة. فأراد رحمه الله تعالى أن يبين أن التوحيد لا يتحقق إلا بترك الشرك، فمن لم يترك الشرك لم يوحد الله جل وعلا، ومن لم يخلص في عباداته لله جل وعلا، ولبس ثوب الإخلاص، فإنه لا يمكن أن يحقق التوحيد حتى يخلص جميع عباداته لله جل وعلا، يجعل صلاته، ويجعل نسكه، ويجعل محياه، ويجعل مماته لله تبارك وتعالى وحده لا شريك له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. فهذا هو التوحيد: خلوص العبادة لله جل وعلا، بأن تصرف جميع العبادات لله تبارك وتعالى، وعدم إشراك أحد مع الله جل وعلا في شيء من العبادة، لا إشراك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا رجل صالح. فمن أشرك مع الله جل وعلا غيره، صرف له عبادة مع الله جل وعلا، فإنه بهذا لا يكون مخلصاً لله جل وعلا، إذن ليس من أهل التوحيد. وذكر هنا رحمه الله تعالى الميزان المعكوس الذي صار عند طوائف من الناس، ربما يدعون أنهم من العلماء، حيث أنهم يظنون أن من يدعو إلى توحيد الله جل وعلا، وينهى عن شرك بالله جل وعلا، ينهى عن عبادة الأنبياء، ينهى عن عبادة الصالحين، ينهى أن يعتقد في الأنبياء أنهم يملكون لأحد نفعاً أو يدفعون عنه ضراً، ينهى الناس عن عبادة غير الله جل وعلا، جعلوا هذا هو الشرك، وجعلوا هذا هو الكفر. فجعلوا الشرك توحيداً، وجعلوا التوحيد شركاً. صار عندهم: الموحد الذي يدعو إلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة، إلى إفراده جل وعلا بالدعاء، للاستغاثة، بالنذر، للذبح، وسائر العبادات، قالوا: "هذا يتنقص الصالحين، هذا مشرك، هذا كافر". ما شركه؟ ما كفره؟ "يتنقص الصالحين". كيف يتنقصهم؟ ينهى الناس عن دعائهم، ينهى الناس عن الاستغاثة بهم، ينهى الناس عن النذر لهم، ينهى الناس عن أن يعتقد فيهم أنهم ينفعون أو يضرون. صار من يدعو إلى التوحيد هو الذي يدعو إلى الشرك في ميزان هؤلاء. فجعلوا التحذير من الشرك تنقصاً في الصالحين، وما شبه هذا القول، كما قال رحمه الله تعالى، بقول النصارى: لما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن عيسى عبد الله ورسوله، لما سألوه: "ماذا يقول عن عيسى؟ ماذا يعتقد في عيسى؟" فقال: "هو عبد الله ورسوله"، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم لعيسى: أنه عبد الله ورسوله، كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. وهذا من جملة ما سأل النجاشي أصحمة جعفر وأصحابه، جعفر بن أبي طالب وأصحابه، عن ما يقولون في عيسى، قال جعفر: "هذا الذي نقول فيه، كما قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم". فعلم النجاشي أن هذا هو الحق، وإن نخر من بطارقته. لكن نصارى ماذا قالوا؟ لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى: "عبد الله ورسوله"، قالوا: "يسب عيسى ويشتم عيسى". أين السب؟ أين الشتم؟ السب والشتم في قوله عليه الصلاة والسلام في عيسى: "عبد الله". هم لا يريدون منه أن يقول: "عبد الله". ماذا يريدون أن يقول؟ يريدون أن يقول: "هو ابن الله"، "هو ثالث ثلاثة". وآخذ اليوم هؤلاء الذين يدعون إلى الشرك بالله جل وعلا، تعظيم الصالحين والأولياء، إذا نهيت الناس عن دعاء هؤلاء والاستغاثة بهم، وصرف شيء من العبادات لهم، قاموا عليك، واتهموك بأنك تنقص الصالحين. ماذا يريدون منك أن تقول في هؤلاء الصالحين؟ أن تقول كما قال... كما أراد النصارى من النبي عليه الصلاة والسلام أن تقول: "ماذا فيهم؟" أن هؤلاء أولياء، ولهم منازل، لا طريق لكم إلى الجنة إلا عن طريقهم، لا مغفرة لذنوبكم إلا عن طريقهم، هؤلاء لهم المنزلة، لا بد أن تعكفوا عند قبورهم، لا بد أن تدعوهم من دون الله عز وجل، تطلبوا المدد، تقولون: "مدد مدد يا فلان، ومدد مدد يا فلان". هذا الذي يريدونه من من يدعو إلى التوحيد. فإذا قالوا لهم ذلك، قالوا: "أنتم موحدون". لكن لا شك أن دعاة التوحيد إنما يدعون إلى ما دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فهم يعلمون الأنبياء منازلهم، ويعلمون للملائكة منازلهم، ويعلمون للصالحين منازلهم، لكن ليس معنى ذلك أنهم يدعونهم من دون الله جل وعلا، أو يعتقدون أنهم شفعاؤهم عند الله عز وجل، فضلاً أن يصرفوا لهم شيئاً من العبادات. لكن الأمر من انعكاس الموازين، فصار الدعاة إلى التوحيد هم الدعاة إلى الشرك، وصار الدعاة إلى الشرك هم الدعاة إلى التوحيد، كما ذكر هنا رحمه الله تعالى. بل من هؤلاء العلماء يدعون أنهم علماء، لكنهم علماء شرك، علماء دعوة إلى الشرك بالله جل وعلا، فإنهم يكفرون الدعاة إلى التوحيد، كفروا الدعاة إلى التوحيد، بل يفتون بحل دمائهم، ويطالبون بسفك دمائهم وقتلهم وغير ذلك، ويعتبرونهم أشد عداوة للإسلام من اليهود والنصارى، كما يصرح بعض من أمثال هؤلاء العلماء في بلاد الأزهر، يقول: "هؤلاء السلفيون هم أشد عداوة للإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى". لماذا؟ ماذا عند دعاة السلفية؟ يدعون إلى ماذا؟ إلى ماذا يدعو الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وأئمة الدعوة النجدية؟ أليس يدعون الناس إلى التعلق بالله جل وعلا، إلى صرف العبادة لله جل وعلا، إلى دعاء الله وحده والاستغاثة به وحده، والذبح له تقرباً وتعظيماً وحده، والنذر له وحده؟ هذه دعوة السلفيين، أتباع السلف الصالح. لكن صار هؤلاء... صارت دعاة إلى التوحيد، بنظر هؤلاء، هم أشد الناس... أشد الناس عداوة لدين الإسلام. فربما يفتون بحل دمائهم وحل أموالهم، لأنهم دعوا إلى التوحيد ونهوا عن الشرك بالله جل وعلا. والإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى كأنه يحكي حال من كان في ذلك الزمان، من من آذاه وحكم عليه، ومن كان على هذه العقيدة الصحيحة، بمثل هذه الفتاوى: حل الدماء والأموال، وذلك لتركهم ما عليه هؤلاء الذين هم يدعون إلى الشرك بالله جل وعلا، وعبادة الأموات، ورفع القباب والأضرحة والمشاهد، التي نهى النبي عليه الصلاة والسلام وأمر بتسويتها، كما في مسلم عن علي، وعنه قال لي أبي الهياج الأسدي: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته". صار هؤلاء يبنون القباب، ويبنون المشاهد والأضرحة، ويدعون الناس إلى تعظيم أصحاب هذه القباب، وهذه المشاهد، وهذه الأضرحة، كما ذكر بعض القباب التي كانت في زمنه رحمه الله تعالى: كقبة أبي طالب، وهكذا قبة الكواز، وغير ذلك من القباب والمشاهد التي كانت في ذلك الزمان. واليوم كذلك المشاهد والقباب والأضرحة كثيرة، لكثرها الله. فكم من المشاهد، كم الأضرحة في بلاد المسلمين؟ فذلك ضريح البدوي في طنطا في مصر، وأيضاً ضريح الحسين رضي الله تعالى عنه في كربلاء، وقبر النبي هود عليه السلام المزعوم، ليس في هذا المكان، فجعلوه كذلك مشهداً ضريحاً يعكفون عنده. وكان أيضاً في البلاد الأخرى من مثل هذه القباب، ومن مثل هذه المشاهد، ومن مثل هذه الأضرحة، التي قام هؤلاء ودعوا الناس إلى العكوف عندها، والتوسل بهؤلاء الصالحين، والاستشفاع بهم، وهو نظير ما كان فعله السابقون في قوم نوح، وهكذا في كفار قريش، وهكذا اليوم. فما أشبه الليلة بالبارحة. قال رحمه الله تعالى: "فإذا علمت ذلك، واستحضرت في ذهنك هذا، وما علمت أنهم فعلوا مع أهل هذه المسألة، يعني أهل التوحيد، من حل دمائهم وحل أموالهم وغير ذلك، والحكم عليهم بالشرك، وما فعلوا مع المشركين، أي أنهم جعلوهم موحدين، فجعلوا الذين أشركوا بالله جل وعلا هم أهل التوحيد، وهم الذين يعظمون". قال: "بحينئذ تعرف أن دين الإسلام ليس بمجرد المعرفة". فليس مجرد الإسلام بمجرد المعرفة، وإنما دين الإسلام لا بد فيه من العمل والاعتقاد. لذلك إذا علمت "لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله"، فلا يكفي أنك أن تعرف أن الله جل وعلا هو الله والرب بمجرد كلام، لكن لا بد أن تحقق ذلك: "لا إله إلا الله"، أي لا معبود بحق إلا الله، إذن لا تصرف عبادة إلا لله تبارك وتعالى. هذا هو التوحيد، هذا معنى "لا إله إلا الله": "لا إله"، لا نافية للجنس، و"إله" اسمها، و"إله" في لغة العرب بمعنى "معبود"، في لغة العرب على وزن "فعال"، و"فعال" تأتي في لغة العرب بمعنى "مفعول". إذن "لا إله": أي لا معبود، إلا الله، والخبر محذوف، أي "حق" أو "بحق"، إلا الله، إلا الله، لأنه في لغة العرب سائغ أن يحذف الخبر إذا علم، كما قال ابن مالك في الألفية رحمه الله تعالى: "وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر إذا المراد مع ضغوطه ظهر". فالمشركون يعلمون ما معنى "لا إله إلا الله"، قالوا: "لا إله إلا الله"، هم يفهمون من هذا الكلام أي: يقولون "لا إله إلا الله"، أي لا معبود بحق إلا الله، فعبادة اللات باطلة، عبادة العزة باطلة، عبادة مناة باطلة. فلذلك أبوا ذلك، فقالوا: كما قال جل وعلا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. فإبليس عرف ربه: ﴿رَبِّ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، وهكذا فرعون قد عرف ربه، لكن جحد واستكبر: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. وكما قال جل على لسان موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾. فلم يقل فرعون: "لم أعلم"، إقرار منه لما قاله موسى عليه السلام: ﴿قَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾، أي معانداً، وإلا أنت قد علمت هذا. ففرعون لم يقل ولم يرد، فهذا إقرار منه. فإذا إبليس عرف ربه، وفرعون عرف ربه، لكن هذه المعرفة لا تنفع إلا بالتوحيد. إذا عرفت أن الله هو الله، إذا وحدته تبارك وتعالى، إذا علمت أن المعبود بحق هو الله تبارك وتعالى، ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، في الآية الأخرى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾، إذن لا تصرف عبادة لغير الله جل وعلا، بل عليك أن توحد الله، وتصرف جميع العبادات لله تبارك وتعالى. اليهود يعرفون الله عز وجل كما يعرفون أبناءهم، هل نفعتهم هذه المعرفة؟ أبداً، لماذا؟ لأنهم لم يحققوا التوحيد. اليهود قالوا: "عزير ابن الله"، والنصارى كذلك قالوا: "المسيح ابن الله"، فلم تنفعهم المعرفة لأنهم لم يحققوا الله جل وعلا. فمعرفة من غير توحيد لا تنفع، وإنما الذي ينفع هو المعرفة التي دليلها العمل، ودليلها الانقياد لتوحيد الله جل وعلا، ومقتضياتها، لمقتضى ما دلت عليه "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، وهو هذا الدين، دين الإسلام، والعمل بذلك، وينبغي الحب والبغض، والولاء والمعاداة على ذلك: المحبة لأهل التوحيد، والبغض لأهل الشرك، وهكذا الولاء لأهل التوحيد، والبراء من أهل الشرك، ولو كان هذا قريباً قريباً: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا