باب الصبر من رياض الصالحين 4

باب الصبر من رياض الصالحين 4

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أجر الصابرين بغير حساب وعزم الصبر والمغفرة

توضح الآية أن أجر الصابرين يُعطى بغير حساب لا يعلمه إلا الله، مما يجعله مفتوحاً وعظيماً. وتؤكد آية أخرى أن الصبر على الأذى مع المغفرة يعد من عزم الأمور وأشدها.

فضل الصبر على الأذى في سبيل الدعوة

يبيّن المقطع أن الداعي إلى الله يلاقي الأذى حتماً، وأمر لقمان ابنه بالصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويشير إلى أن الصبر في الدعوة يثمر أجراً عظيماً من جهتي ثواب الصبر وثبات الطاعة.

مشروطية العفو بالإصلاح في طريق الدعوة

يوضح ابن عثيمين أن العفو عن المسيء محمود فقط إذا أدى إلى إصلاح حاله وكف أذاه، وإلا فالتسامح المطلق قد يزيد الظلم. لذا يجب على الداعية الصبر مع اشتراط الإصلاح عند العفو.

متى يكون العفو مذموماً

إذا أدى العفو إلى زيادة الظلم والشر والعدوان والتطاول، فإنه يصبح مذموماً وليس محموداً. في هذه الحالة يجب التوقف عن العفو لحفظ الحقوق وردع المعتدي.

  • 21 جمادى الآخرة 1447هـ - 11/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن الآيات التي ذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتاب الصبر قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. معنى "يوفى الصابرون" أي: يعطى الصابرون أجرهم، أي ثوابهم، بغير حساب، يعني: حساب كبير كثير لا يعلمه إلا الله. لأن الأعمال الأخرى، الأعمال الصالحة، مضاعفة: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. أما الصبر، فإن مضاعفته تأتي بغير حساب من عند الله عز وجل. فلك أن تتصور ماذا سيعطيك الرب الرحيم الكريم سبحانه وتعالى. لا شك أن أجره عظيم، وأن الإنسان لا يمكن أن يتصور هذا الأجر. وفي هذه الآية من الترغيب على الصبر ما هو ظاهر، فالصبر أجره مفتوح، أجره مفتوح، لا يعلم عدده ولا يعلم مقداره إلا الله سبحانه وتعالى. وكذلك من الآيات التي ذكرها الإمام النووي في باب الصبر قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. أي: الذي يصبر على أذى الناس ويحتملهم ويغفر لهم سيئاتهم التي يسيئون بها إليه، فإن ذلك من عزم الأمور. ومعنى "من عزم الأمور": أي من معزوماتها وشدائدها التي تحتاج إلى مقابلة ومصابرة. فالصابر هذا دليل على شدته، وعلى تجلده، وعلى تحمله، وعلى كذلك شدة بأسه. فلذلك لا يصبر على الشدائد إلا الصابرون، إلا الصابرون. ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. لا سيما إذا كان الأذى الذي ينال الإنسان بسبب الحق الذي هو عليه، بسبب جهاده في سبيل الله عز وجل، بسبب دعوة الناس إلى الخير، بسبب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. فإن الإنسان إذا جعل نفسه في هذا المقام، مقام الدعوة، ومقام الإرشاد والنصح والتذكير، لا شك أنه سيقابل من الأذى من أهل الشهوات، من أهل الفساد، من أهل الشرور، ما يؤذونه به. ولذلك نبي الله لقمان، ولذلك لقمان عليه السلام، ذلك العبد الصالح، لما أوصى ابنه قال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾. قال أهل العلم: ذكر الصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يلاقي في سبيل دعوته الأذى. فلذلك جاء الأمر بالصبر حتى يتحلى به، وحتى يوطن نفسه عليه، وحتى يوطن نفسه عليه. فإن الإنسان إذا صبر من أجل الله عز وجل، من أجل دعوة الله، يثاب على ذلك من وجهين: الوجه الأول: من الأذية التي تحصل له، إذا صبر عليها، فهذا لا شك أنه ينال من الأجر العظيم. والوجه الثاني: صبره على هذه الطاعة. فلذلك الصادق في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لا يترك الدعوة لأذى تعرض له خلال دعوته، بل ما يزيده هذا الأذى إلا ثباتاً، وإلا استمرارا في دعوته وفي أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ذهبت به خديجة رضي الله تعالى عنها إلى ورقة بن نوفل، ماذا قال؟ قال: «إنه لم يأتِ أحد بمثل ما جئت به إلا عودي». فلا تظن أن طريق الدعوة إلى الله مفروش بالورود أو مكلل بالزهور، وإنما هو طريق الأنبياء والمرسلين والعلماء والصالحين، فلا بد أن تنال في خلال دعوتك شيئاً من الأذى، فعليك أن تصبر. وذكر الشيخ ابن عثيمين هنا لطيفة وفائدة عند شرحه لهذه الآية وتفسيره لها، قال: وفي هذه الآية حث على صبر الإنسان على أذى الناس، مغفرة لهم ما أساء لهم فيه. ولكن ينبغي أن يعلم أن المغفرة لمن أساء إليك ليست محمودة على الإطلاق، يعني: ليس كونك تسامح أو تعفو عمن أساء إليك مطلقاً، وإنما مقيد ذلك بماذا؟ قال: فإن الله قيد هذا بأن يكون العفو مقروناً بالإصلاح. يعني: إذا عفوت عن هذا المسيء، وعفوك هذا فيه إصلاح، بمعنى أنك إذا عفوت عنه يكف عن الأذى وعن الشر، وكذلك يتحسن حاله، وكذلك يقل شره، فهنا حينئذ يكون الصفح محموداً، يكون الصفح والعفو محموداً. أما إذا كان العفو والصفح يزيده شراً ويزيده ظلماً وعتواً وتطاولاً، فهذا لا يعفى عنه، لأن الله عز وجل قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. فهذا ينبغي أن يكون على الحسبان، يعني: ليس كل عفو محموداً، بل العفو المحمود هو المقرون بالإصلاح، بمعنى التحسن ووجود المصلحة. أما إذا كان في العفو زيادة في الظلم والشر والعدوان والتطاول، فهنا يكون العفو مذموماً وليس محموداً. نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا، والله تعالى شكراً.