الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يأمر الله المؤمنين بالاستعانة بالصبر والصلاة، مبيناً أن النصر يأتي مع الصبر والفرج مع الكرب. ويضرب مثالاً بالشاب الذي يصبر على العفاف فييسر الله له الزواج، مستشهداً بحديث «ثلاثة كان الله في عونهم».
تقرب الصلاة العبد من ربه وتستجيب دعوته، مما يعينه في شؤون دينه ودنياه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفزع إلى الصلاة عند الكرب، دليلاً على كونها ملجأً وعوناً للمؤمن.
تنقسم معية الله إلى عامة تشمل كل الخلق بعلمه، وخاصة للمؤمنين بالنصر والتأييد كما في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. ويؤكد أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وأن المعية الخاصة للصابرين تستلزم إعانته ونصره وحفظه.
يختتم المتحدث المجلس بتذكير الحضور بأهمية الصبر كما ورد سابقاً. ثم ينهي الدرس داعياً المشاهدين للاشتراك في القناة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فمن الآيات التي ذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى في باب الصبر قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فهذا نداء من الله عز وجل بأحب الصفات إلى المؤمن، وهي صفة الإيمان، فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا﴾. أمر سبحانه وتعالى أن نستعين على أمورنا بالصبر والصلاة. فأما الصبر: فلأن الإنسان إذا صبر وانتظر الفرج من الله سهلت عليه الأمور، ولا تتصعب ولا تتأخر. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه ابن عباس: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً». فقوله عليه الصلاة والسلام: «اعلم أن النصر مع الصبر»؛ إذا صبر المسلم نصره الله سبحانه وتعالى، لأنه بالصبر يستعين على قضاء أموره، فتسهل عليه تلك الأمور. فمثلاً على سبيل المثال: شخص محتاج إلى الزواج، فلو أنه صبر وابتعد عن الحرام من زنا أو لواط أو عادة سرية، وصبر وتحمل وسعى لإعفاف نفسه، فإن الله عز وجل يسر له هذا الزواج. لأن بعدم الصبر لربما يقع في المعصية، وإذا وقع في المعصية تعسرت أموره، لأن المعصية لها آثار سيئة، ومنها عدم التوفيق. المعاصي من أعظم ما يتضرر به الإنسان، وعدم التوفيق لا يوفق إلى ما يريد من أمور دينه أو دنياه. فإذا صبر وصابر وفقه الله. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة كان الله في عونهم»، ومنهم: «الشاب يريد العفاف»، يعني يسعى من أجل أن يعف نفسه. فيتبين بهذا معنى كون الصبر سبباً في قضاء أمور الإنسان، وقس على هذا أمثلة كثيرة. وأما الصلاة: فكونها تعين الإنسان في أمور دينه ودنياه، لأن الصلاة، أو بالصلاة، يقرب العبد من ربه، فإذا دعا الله استجاب الله له، وهذا لا شك أنه يعينه على أمور دينه ودنياه فيما يدعو به. ولذلك جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء»، فقمن أن يستجاب لكم، أي حري وخليق أن يستجاب لكم. فهذا هو السر في أن الصلاة من أعظم أسباب عون العبد على أمور دينه ودنياه. ووجه آخر أيضاً: أن المصلي وجب عليه في كل ركعة أن يقول ماذا؟ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهو يستعين بالله عز وجل، فإذا في هذه الصلاة يعينك الله لأنك طلبت العون منه سبحانه وتعالى بقولك: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. والإنسان يجد ذلك ويشعر بذلك كلما زاد صبراً وتقرباً إلى الله عز وجل في الصلاة، فرج الله عز وجل عنه وأعانه ووفقه وسدده. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. إذا حزبه أمر، يعني إذا همه أمر، يدخل في الصلاة، لأن الصلاة راحة للمؤمن يستعين بها على قضاء حوائجه بدعاء الله عز وجل والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى. ولذلك لما تنزل الآيات كالكسوف أو الخسوف، كان النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يفعل؟ يهرع إلى المسجد ليصلي صلاة الكسوف والخسوف. فهذا أيضاً فيه هذا المعنى: أن الإنسان يستعين بالصلاة على النجاة من الفتن، ومن كذلك العذاب ونحو ذلك. وهكذا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. المعية، معية الله عز وجل سبحانه وتعالى لعباده، تنقسم إلى قسمين: معية عامة، وهذه تشمل كل أحد، وهي المذكورة في قول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، أي بعلمه وإحاطته سبحانه وتعالى. وهناك معية خاصة، وهي التي تكون لخواص خلقه من المؤمنين، وذلك بالنصر والتأييد ونحو ذلك، كما في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، هذه معية خاصة، وكقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وغيرها من الآيات. وليس معنى أن الله مع عباده أنه سبحانه وتعلى في أمكنتهم وأنه مختلط بهم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. بل هو مع الناس وهو فوق سماواته على عرشه، فوق سماواته على عرشه، ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى. فمن الخطأ أن يعتقد بعض الناس أن الله موجود في كل مكان. نعم موجود بعلمه وإحاطته ومراقبته سبحانه وتعالى، وإلا فهو سبحانه وتعالى على العرش استوى، في السماء: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وغيرها من الآيات التي تدل على علو الله عز وجل. ولذلك يقول أهل السنة: أن الله عز وجل على العرش استوى، وهو بائن من خلقه سبحانه وتعالى، يعني غير مختلط بهم سبحانه وتعالى. فإذا هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وهذا هو وجه الشاهد من إيراد هذه الآية في هذا الباب. أولاً: أمر الله عز وجل بالصبر، والله عز وجل ما يأمر إلا بما هو خير لنا. ثانياً: أن المعية الخاصة تكون مع الصابرين، معية الله عز وجل بالنصر والتأييد والحفظ ونحو ذلك. فلا شك أن هذه الآية فيها فضل عظيم لمن صبر وتحلى بهذا الخلق العظيم، من إعانة الله عز وجل، ومن نصر الله عز وجل له وحفظه وتأييده. ففيه حث على هذا الصبر كما تقدم. طيب، نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا، والله تعالى. اشتركوا في القناة.