باب الصبر من رياض الصالحين 6

باب الصبر من رياض الصالحين 6

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الصبر ضياء يهدي العبد في الشدائد

الصبر نور يثبت العبد على الحق عند الشدائد ويزيده أجراً وتطهيراً، بينما الجزع يوقعه في ظلمات الشرك والسحر. الاستعانة بالصبر والصلاة تمنح العبد هداية مستمرة في قلبه وعمله.

الصبر والطهارة والحمد: أركان الإيمان وسبيل الهداية

الصبر على الطاعة والمعصية والقدر هو خير عيش يجلب الهداية والنور، والطهور شطر الإيمان يشمل الطهارة الحسية والمعنوية من الشرك والبدع. الحمد لله يملأ الميزان بثناء على كمال الله ورضا بقضائه وشكر على نعمه الظاهرة والباطنة.

فضل كلمة الحمد لله وعظمتها في الميزان

كلمة «الحمد لله» تملأ كفة الميزان يوم القيامة لمعناها الجليل الجامع بين ثناء الله بالكمال ونفي النقص عنه. دل القرآن والسنة على ثقلها في الميزان ومحبة الله لها، فهي تجمع بين التخلية والتحلية وعظيم الأجر.

خاتمة الدرس واستئنافه في وقت لاحق

يختتم المتحدث الدرس الحالي مؤكداً أن الحديث سيكتمل في درس قادم إن شاء الله. ويختم بقوله: والله تعالى أعلم.

  • 26 جمادى الآخرة 1447هـ - 16/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في باب الصبر، الحديث الأول: قال عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وأشاهد منه قوله عليه الصلاة والسلام: «والصبر ضياء». والصبر ضياء، ومعنى الصبر ضياء: أي أن الصبر يضيء للإنسان، يضيء له عندما تشتد به ظلمات الكربات؛ فإذا صبر كان له هذا الصبر ضياء يهديه إلى الحق، يهديه إلى الحق. فمثلًا: إذا ابتلي بمرض فصبر، فبهذا الصبر يضيء الله عز وجل الطريق، فيزداد أجرًا وتطهيرًا للذنوب. أما إذا لم يصبر، فجزع وذهب يمنة أو يسرة، وتعلق بغير الله، وذهب إلى مشعوذ أو إلى كاهن أو ساحر، فإن الطريق تظلم عليه، تكون مظلمة؛ لأنه سلك طرق الشيطان. فالصبر يجعلك على نور وعلى هداية وعلى طريق مستقيم. ولهذا مر معنا قول الله عز وجل: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فبالصبر يستعين الإنسان في دربه وفي حياته، فهو ضياء الإنسان في قلبه، وضياؤه في طريقه ومنهاجه وعمله؛ لأنه كلما سار إلى الله على طريق الصبر، فإن الله عز وجل يزيده هدى وضياء في قلبه وفي بصره، ويبصره بطريق الحق. فهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث: أن الصبر ضياء يضيء للإنسان في حياته. ولذلك كان عمر يقول: "وجدنا خير عيشنا في الصبر". أفضل حياة يعيشها الإنسان عندما يصبر: يصبر على طاعة الله فيهديه الله عز وجل إلى الأعمال الصالحة، ويصبر عن معصية الله فيبعده الله عز وجل عن ظلمات المعاصي، ويصبر على أقدار الله المؤلمة فيملأ الله عز وجل قلبه هداية. وكما قال الله عز وجل: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. جاء في تفسير هذه الآية: أن معنى ذلك أن المصيبة تصيب المؤمن فيعلم أنها من الله فيصبر ويحتسب، فيزيده الله عز وجل بها نورًا وهداية، نورًا وهداية. وأما قوله في بداية الحديث: «الطهور شطر الإيمان»، أي: نصف الإيمان. والمراد بالطهور هنا: الطهارة الحسية والمعنوية. لأن الإيمان عبارة عن تخلية وتحلية: تخلية، يعني: يخلي هذه النفس ويصفيها وينقيها من أدران الشرك والبدع والمعاصي، وهذه تخلية معنوية. وهناك تخلية حسية: وهي التلطخ بالنجاسات وعدم التنزه من النجاسات ونحو ذلك. فإذا الطهور شطر الإيمان؛ لأن الإيمان تخلية وتحلية، فالتخلية هو الطهارة، والتحلية هو الإيمان والأعمال الصالحة. فإذا صار الإيمان - أو صار الطهور - شطر الإيمان، يعني: نصف الإيمان؛ لأنه يشمل على التخلية: التخلية من المعاصي والذنوب والشرك والبدع وغيرها من النجاسات الحسية، وكذلك النجاسات المعنوية. وقوله: «والحمد لله تملأ الميزان»: الحمد لله معناه الثناء على الله. لما تقول: الحمد لله، فأنت تثني على الله، تثني على الله عز وجل لكماله وعظمته وجلاله، وتثني على الله عز وجل لإنعامه ورحمته بك وإسدائه لنعمه. فلما تقول: الحمد لله، تستشعر هذين الأمرين: تثني على الله عز وجل بالجميل الاختياري والإذعان له والرضى بقضائه، وكذلك تثني عليه لما أسدى وأنعم سبحانه وتعالى عليك من نعم دينية ودنيوية، ومن نعم ظاهرة وباطنة. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. فإذن: الحمد لله هذا معناه الثناء على الله عز وجل. ولذلك أول آية في الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، تثني على الله عز وجل. وقوله: «تملأ الميزان»: أي أن فضلها عظيم، أن فضلها وثوابها عظيم، بحيث أن من ثواب هذه الكلمة أنها تملأ كفة الميزان. والمراد بالميزان هنا حقيقته: أي ما توزن به الأعمال. الميزان هو ما توزن به الأعمال، والأعمال توزن: إما أن تجسم أو توزن الصحائف، فتطيش بالسيئة وتثقل بالحسنة. أو كذلك قد يوزن العامل نفسه، قد يوزن العامل نفسه. فالميزان جاء: وزن الأعمال، ووزن الصحائف، ووزن العامل. فإذن: قوله «تملأ الميزان» أي أن ثوابها عظيم، بحيث أنها تملأ كفة الميزان مع سعتها. لماذا فضلها عظيم؟ لماذا فضلها عظيم؟ كما تقدم: لأن معناها عظيم، فهي ثناء على الله عز وجل بإثبات كماله ونفي النقص عنه سبحانه وتعالى، والاعتراف بالعجز، والتفرد كذلك بأعلى المراتب. فإذن: الحمد كلمة عظيمة. ولذلك جاء في كثير من الأحاديث أن فضلها عظيم، ومنها هذا الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الكلام إلى الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». وجاء أيضًا: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان للرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». هذا فيه أيضًا حمد لله سبحانه وتعالى. فإذا لعظيم هذه الكلمة فإنها تملأ الميزان. فلذلك ينبغي على المسلم أن يكثر من هذه الكلمة، وأن يذكر الله عز وجل بهذه الكلمة: الحمد لله. فهو دعاء عظيم، وأجره كبير وعظيم، كما سمعت في هذا الحديث. فهذه الكلمة جمعت بين التخلية والتحلية: فأنت تثبت لله عز وجل الكمال، وتنفي عنه النقص، تنفي عنه النقص. فهي كلمة عظيمة، فلذلك جاء فيها هذا الفضل العظيم. وللحديث بقية إن شاء الله، نكمله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.