ظاهرة السهر وأضرارها وطرق علاجها

ظاهرة السهر وأضرارها وطرق علاجها

الخطبة بعنوان ظاهرة السهر وأضرارها وطرق علاجها، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 2 جمادى الأولى 1447هـ الموافق 24 أكتوبر 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ظاهرة السهر في غير نفع ومخالفة الفطرة

يتناول الخطيب انتشار عادة السهر ليلاً في أنشطة غير مثمرة كالمقاهي ووسائل التواصل، محذراً من مخالفتها لفطرة الله التي جعلت الليل سكناً ولباساً للناس والنهار للسعي، مستدلاً بالآيات القرآنية الدالة على ذلك.

أهمية نوم الليل وهدي النبي في الاعتدال

يؤكد المقطع أن نوم الليل لا يعوضه نوم النهار، مستعرضاً هدي النبي صلى الله عليه وسلم في المبادرة بالنوم بعد العشاء والاعتدال بين العبادة والراحة، كما في قصة عبدالله بن عمرو وصلاة داود عليه السلام التي هي أحب الصلاة إلى الله.

أضرار السهر على العبادات والحقوق الأسرية

يحذر الخطيب من مخاطر السهر الذي يضيع حقوق الجسد والعين والأهل، مستشهداً بهدي النبي في النوم المبكر وإنكار عمر بن الخطاب على الساهرين، مبيناً آثاره الدينية كتفويت الفجر وقيام الليل، والدنيوية كإهمال الأسرة والوظيفة.

انعكاس قلة النوم على الأداء الوظيفي والحضور

يناقش المتحدث تأثير قلة النوم على إنتاجية الموظف الذي ينام متأخراً ويباشر عمله مبكراً، مستنتجاً أن هذا الخلل ينعكس سلباً على الحضور والأداء في الوظائف والمدارس بشكل عام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، هناك عادة سيئة وظاهرة دخيلة على مجتمعنا ظهرت وفشت، وانتشر ضررها ومفاسدها، وأثرت سلبا على حياتنا، وعلى تعبدنا لربنا، وعلى أخلاقنا. هذه العادة يا عباد الله هي السهر في غير نفع ولا فائدة. ترى كثيرا من الناس يسهرون الليل كله أو جلّه، إما أمام الفضائيات، أو بالجلوس في المقاهي والطرقات، أو بالتسكع في الشوارع والأسواق وأكل القات، أو بالانشغال بشبكات التواصل والجوالات. وهذه الظاهرة لا تقتصر على فئة دون أخرى، فقد انتشرت بين أوساط الرجال والنساء، والصغار والكبار، والشباب والشابات. عباد الله، اعلموا أن الله عز وجل جعل الليل للراحة والنوم، وجعل النهار للسعي والحركة. فإن من فطرة الله عز وجل التي فطر عليها حياة الناس، ومن السنن الإلهية التي بينها لنا ربنا في كتابه الكريم، فقال عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾. فجعل الله عز وجل الليل سكنا ولباسا ليغشى العالم، فتسكن فيه الحركات، وتأوي الناس إلى بيوتها والطيور إلى أوكارها، فتستجم النفوس وتستريح من كد التعب والنصب بالنهار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الإنسان لا غنى له عن نوم الليل، فلو أن إنسانا نام من النهار ساعات تعادل ما فاته من نوم الليل لما أجزأته، ولما عوضت الخلل الذي أصاب جسده بسبب السهر. لذلك فإن الشرع الحكيم حث على المبادرة بالنوم بعد صلاة العشاء، وأن لا يفوت الإنسان على نفسه ساعات الليل فيما لا ينفع. فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء، أي قبل صلاة العشاء، ويكره الحديث بعده، أي السهر والسمر بالحديث. قال أهل العلم: وإنما الحكمة من ذلك لأن السهر مظنة غلبة النوم إلى آخر الليل، فيفوت على النائم قيام الليل، ولربما فاته صلاة الفجر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فلذلك جاء كراهة ذلك في هذا الحديث وفي غيره. فاسمعوا معي أخي المسلم، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قيام الليل على وجه الاستمرار، وفي الاستمرار. وتعلمون حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، حديث الثلاثة الذين جاءوا يسألون عن عبادة النبي عليه الصلاة والسلام، قال أحدهم: أما أنا فأقوم ولا أنام، أقوم بالصلاة ولا أنام الليل. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام منكرا على هؤلاء، وعلى هذا على وجه الخصوص لأنه موضع شاهدنا: «أما إني أقوم وأنام، أقوم وأنام»، وهو أخشاكم وأتقاكم عليه الصلاة والسلام. فإذا كان هذا النهي يا عباد الله في عبادة وفي طاعة، فكيف بمن يسهر في لهو ولعب وضياع وقت؟ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما كان يصوم النهار ولا يفطر، ويقوم الليل ولا ينام. فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال له: «يا عبد الله، ألا أخبرك؟» أو قال: «أحق ما أخبرت به أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟» قال: نعم يا رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم». وقال له أيضا: «إن أحب الصلاة إلى الله عز وجل صلاة داود عليه السلام، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه». هذا أفضل القيام في العبادة، أي يقوم ثلث الليل وينام ثلثين. ثم قال له: «إن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا». فالسهر يضيع هذه الحقوق يا عباد الله، وهو في طاعة، فكيف بمن يضيع وقت الليل في المعاصي واللهو واللعب والضياع؟ وجاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها كما عند الإمام أحمد وابن ماجه أنها قالت: «ما نام النبي صلى الله عليه وسلم قبل العشاء، وما سمر بعدها». وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجاء عن جمع من الصحابة إنكار على من يسهر الليل. فقد جاء عن عمر، وذكر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري، أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يضرب من يسهر من الليل، ويقول لهم: «أسمرتم في أول الليل ونمتم في آخره؟» على سبيل الإنكار والزجر لهم، ثم يقول لهم: «أريحوا كتابكم»، أي الملائكة الكتبة. والأحاديث في ذلك والآثار عديدة. يا عباد الله، ألا فلنحذر من هذا المسلك الخطير الذي فيه أضرار ومفاسد كثيرة، نسأل الله أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، إن للسهر أضرارا ومفاسد كثيرة: أضرارا دينية، وأضرارا اجتماعية، وأضرارا صحية، وأضرارا مالية، وغير ذلك من تلك الأضرار التي نراها ونشاهدها. فمن الأضرار الدينية يا عباد الله: تفويت العبادات والطاعات والحقوق الشرعية بسبب هذا السهر. فكثير من هؤلاء لا حظ له من صلاة الفجر، فضلا عن قيام الليل. فإن المساجد في صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء معمورة بالمصلين، وأما صلاة الفجر فإن المساجد تشكو من قلة المصلين، وما ذاك إلا بسبب السهر. وهكذا يا عباد الله، يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: «السهر بالليل سبب للكسل بالنهار مما يتوجب من الحقوق والطاعات ومصالح الدنيا». حتى مصالح الدنيا بسبب السهر يضيعها كثير من الناس، وصدق رحمه الله تعالى. كم من إنسان لا ينتبه لأسرته وعائلته لأنه لا يدخل إلى بيته إلا وقد نام أولاده وزوجته، فلا يرعاهم ولا يراقبهم ولا ينتبه لهم، ولا يجلس معهم، ولا يراجع لهم دروسهم، ولا شيء من ذلك. وهكذا لربما يضيع الواحد من هؤلاء مهنته ووظيفته فلا يؤديها كما ينبغي. أرأيتم لو أن شخصا نام قبل الفجر ثم عليه الدوام الساعة السابعة، ثم ذهب إلى عمله، أي أداء سيقوم به هذا الموظف؟ ولذلك حتى الحضور إلى الوظائف، بل إلى المدارس،