المحاضرة بعنوان صفات المرأة الصالحة، محاضرة للنساء والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة بالشحر عصر يوم الخميس 18 صفر 1446هـ الموافق 22 أغسطس 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع مفهوم المرأة الصالحة وأساس صلاحها، حيث يشير إلى أهمية صفة الصلاح ودلالاتها في القرآن والسنة، ويبين أن الصلاح يقوم على ركنين أساسيين هما القيام بحق الله والقيام بحق خلق الله.
يُشير إلى أهمية بذل الندى وكف الأذى في تحقيق حقوق العباد، ويعرّف بذل الندى بكونه بذل الخير للغير، ويبين أن هذا يشمل بذل المال والإحسان والجاه والعلم والنصح.
يجب على المرأة أن تبدأ ببذل خيرها لأقرب الناس إليها، مع الاستمرار في فعل الخير حتى وإن كان الطرف الآخر مقصرا، مستشهدا بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، أخواتي في الله، فإننا نحمد الله جل وعلا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، أن يسرى اللقاء بكم في هذا المسجد المبارك، وفي هذه الليلة نجتمع وإياكم فيما ينفعنا في ديننا ودنيانا وأخرانا. وإن مما أحب أن أذكره في هذا المقام الإشارة إلى صفة عظيمة من الصفات التي ينبغي على كل مسلمة أن تلقي لها بالا واهتماما ومعرفة، إن الله سبحانه وتعالى كثيرا ما كان يوصي النساء بأن يتصفنا بهذه الصفة، قال: وهي صفة الصلاح، فهي صفة أمر الله جل وعلا بها وندب إليها وحث عليها ورغب فيها، وخاصة معاشر النساء. وكم هي النصوص الكثيرة في القرآن والسنة التي تدل على الإشادة والإشارة في حق المرأة أن تتصف بصفة الصلاح، فمن ذلك ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾، فالصالحات أي المرأة الصالحة. وهكذا في نصوص السنة ما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة». وجاء كذلك من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه فيما رواه الإمام الحاكم في مستدركه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من سعادة المرء: المرأة الصالحة والدار والمركب». هذه الثلاثة هي من أعظم ما تجلب على الإنسان السعادة في دينه ودنياه وفي أولاه وأخرى، هي أن يظفر بامرأة صالحة. وجاء كذلك من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه الله على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي». وهذا الحديث رواه الطبراني، من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه. وجاء كذلك من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «قلب شاكر ولسان ذاكر وامرأة صالحة تعينك على نوائب الدين والدنيا خير ما اكتنزه المسلم». هذه الأمور الثلاثة: قلب شاكر ولسان ذاكر وامرأة صالحة، هو خير ما اكتنزه الإنسان، وهذا الحديث رواه الإمام البيهقي رحمه الله تعالى من حديث أبي أمامة. وهكذا إذا تأملنا في أحاديث السنة الكثيرة نجدها أنها على هذا المنوال، لا يكاد وصف الصلاح ينفك عن المرأة: المرأة الصالحة، المرأة الصالحة، دل على أهمية هذا الشرط وعلى هذا القيد. ولست في هذا المقام بصدد شرح هذه الأحاديث، وإلا حقها أن تشرح، لكن حسبي أني أشير في هذا المقام أن تتفقد المرأة المسلمة هذا الوصف، هل انطبق عليها أم لا؟ وهنا يأتي السؤال، وهي قد تقول: امرأة، كيف أكون امرأة صالحة لكي أحوز على هذه الخيرات وعلى هذه البركات الذي أثنى الله عليهم في الدنيا والآخرة؟ الجواب: ذكر العلماء أن المرأة الصالحة أو أن الصلاح بشكل عام، سواء كان في حق الرجل أو في حق المرأة، إنما يقوم على ركنين اثنين، ركنين اثنين ولا بد منهما، ما هما؟ أولا: القيام بحق الله، والثاني: القيام بحق خلق الله، هذان الركنان هما الأس والأساس في قيام الصلاح وفي وصف الصلاح، سواء كان في الرجل أو كان في المرأة، وعلى هذين الركنين تكون الجنة لأهلها. وتأمن ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام حين سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: «تقوى الله وحسن الخلق»، تقوى الله وحسن الخلق. قال العلماء في قول نبينا: «تقوى الله» فيه إشارة إلى القيام بحق الله، وفي قوله: «حسن الخلق» فيه القيام بحق خلق الله، فتقوى الله وحسن الخلق هو في الحقيقة القيام بحق الله والقيام بحق خلق الله. فمن ظفر بهما فقد أتى بالصلاح، ومن أتى بهما كان من أهل الجنة، ولهذا فمن أراد أن يظفر بالصلاح فلابد أن ينظر في نفسه في كيفية قيامه بحق ربه وبحق خلق الله. وإن الإخلال أخواتي في الله، الإخلال بأحد هذين الركنين مؤدى أن المرأة والإنسان بشكل عام، رجلا كان أو امرأة، سيخرج عن نطاق الصلاح، وحينها لا يستحق أن يكون من أهل الجنة، بل هو متوعد بالنار والعياذ بالله، الإخلال بهذا أو بذلك. فعلى سبيل المثال، ما لو أن إنسانا كان مؤديا لحقوق خلق الله، مؤديا لحقوق خلق الله، لكنه في المقابل مقصر في حق ربه، هذا لا ينفعه، ولهذا جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان، فقالت: يا رسول الله، إنه كان في الجاهلية يقر الضيف ويحسن الجوار ويفك العاني وأثنت عليه خيرا، فقالت: هل ينفعه ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لا، إنه لم يقل يوما من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»، لم يقل يوما ما، لأنه مات على الجاهلية، لكنه مؤدي لحق خلق الله، مقر للضيف، محسن للجوار، باذل للخير، لكنه لما أخل بالقيام بحق الله، لم ينتفع بهذا. وهكذا العكس، ما لو أن إنسانا كان مؤديا لحق الله، لكنه مفرطا في حق خلق الله، هذا ما ينفعه، وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت له، وعنده امرأة يذكر من صلاتها وصيامها، أي من كثرة ووفرة، إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال عليه الصلاة والسلام: «قالت هي في النار»، هذه المرأة قد أدت حق الله، تكثر من الصلاة، تكثر من الصيام، لكن بالمقابل قصرت في حق خلق الله، فكانت مؤذية للجيران، فماذا استحقت؟ أنها لم تنتفع بالأول لانخرام الأمر الثاني، قال: «هي في النار». فالشاهد أخواتي في الله، علينا أن نعلم أن مقام الصلاح، وأن المرأة إذا أرادت أن تكون امرأة صالحة، عليها أن تحقق الأمرين اثنين، أن تكون مؤدية لحق الله، وأن تكون مؤدية لحق خلق الله. وهنا أحب أن أتكلم عن أحد هذين الركنين، ألا وهو الأداء لحق خلق الله، ولعل المقام الأول وهو أداء حق الله، لعل يرجى الحديث عنها في مقام آخر. ذكرنا أن من صفة أهل الصلاح أنهم يكونوا على قدم وساق في تأديتهم لحقوق خلق الله، ولا شك ولا ريب أن تأدية الحقوق كثيرة وكثيرة جدا، والصفات والضوابط والقيود التي ذكرها العلماء في هذا الباب، لا يسع هذا المقام ولا غيرها من المقامات. لكن أحب أن أشير إلى قاعدة سطرها العلماء، فيها الجمع في حق الإنسان، كيف يعرف أنه قد أدى حق خلق الله؟ وهذه القاعدة هي مفادها أن الإنسان يكون باذلا للندى، كافا عن الأذى، بذل الندى وكف الأذى، هذا هو القاعدة التي بها تجتمع صفات وحقوق خلق الله. قال الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى: إن الله عز وجل وصف أهل الجنة ببذل الندى وكف الأذى. وقال الإمام السعدي رحمه الله تعالى: وأما الإحسان إلى المخلوق، فإنه يكون بإيصال كل خير ديني ودنيوي إليهم، ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم. فقول رحمه الله تعالى: «بإيصال الخير الديني والدنيوي» هذا نعبر عنه ببذل الندى، وفي قوله: «ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم» هذا يعبر عنه بكف الأذى. إذن إذا أرادت المرأة أن تحقق مقام أداء حقوق العباد، فعليها أن تتصف بهذه الصفة، ببذل الندى وكف الأذى. ولما كانت هذه القاعدة من القواعد العظيمة الطويلة، فحسبي أخواتي في الله أني أكتفي في هذا المقام بالشطر الأول من القاعدة، وهو بذل الندى، وما يتعلق بمسائله وصوره وفروعه. وأما ما يتعلق بكف الأذى، لعل لنا الكلام عن هذه القاعدة في مقام آخر. صلاح العبد وصلاح المرأة عند الله عز وجل يكون في أداء حقوق العباد، ومن ضوابط أداء حقوق العباد ما يكون ببذل الندى. نأتي الآن إلى المسائل التي أود أن أطرقها في هذا المقام، بذل الندى، ما هو؟ ما معنى بذل الندى؟ قال العلماء كما ذكر ذلك صاحب المعجم: معجم المقاييس، قال: الندى بمعنى الجود والخير والسخاء، فبذل الندى أي بذل الجود، بذل الخير، بذل السخاء، بمعنى أعم هو بذل الخير للغير، هذا هو بذل الندى. إذن هذا المقام وهو من أعظم مقامات الصلاح، على أن الإنسان في هذه الدنيا لا يكتفي أن يعتني بصلاح نفسه، بل ينبغي كذلك أن يعتني بصلاحه مع غيره، وهذا هو بذل الندى. ومن هنا كان هذا المقام من المقامات العظيمة التي عني بها الإسلام وحث عليها الشرع الحكيم، بل رغب نبينا صلى الله عليه وسلم في حق كل واحد منا أن يوصل خيره إلى غيره. ثبت في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل»، أي يحاول كل منا أنه بقدر استطاعته وقوته أنه يبذل خيره إلى غيره. وهذا الخلق كان نبينا صلى الله عليه وسلم قد اتصف به، والعجيب أن هذا الوصف اتصف به نبينا قبل البعثة، قبل أن ينزل عليه الوحي، وربنا سبحانه وتعالى قد وطن نبينا على هذه الصفة وعلى هذا الخلق. فها هي خديجة رضي الله تعالى عنها تقول: نبينا عليه الصلاة والسلام: «كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتقر الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق»، فذكرت من أفعاله ومن أحواله أنه كان عليه الصلاة والسلام باذلا خيره لغيره. بل إن هذا المقام مقام بذل الندى، وأن الإنسان يسعى لأن يوصل خيره إلى غيره، هي من أحب الأعمال إلى الله، وفي ذلك إشارة إلى أن العبادات المتعدية التي يصل نفعها إلى الغير، أفضل بكثير من العبادات القاصرة. روى الإمام الحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا»، الحديث. فنحن أخواتي في الله أمام هذا الوصف، وهو بذل الندى، من الصفات العظيمة التي حث شرعنا عليها، أيما حث ورغب فيها أيما ترغيب. هنا تأتي مسألة ثانية متعلقة ببذل الندى، ألا وهي: كيف تكون صورة بذل الندى؟ الكثير من الناس إذا سمع وقرأ ما يتعلق بمعنى بذل الندى، أي ببذل الخير، سرعان ما تذهب الأذهان إلى بذل المال، وهذا ليس بصحيح، صحيح أن بذل المال من بذل الندى، لكن ليس وحده، لأن بذل الخير عام، يكون بذل الندى ببذل المال، ببذل الإحسان، ببذل الجاه، ببذل العلم والتعليم، ببذل النصح والإرشاد والتوجيه، بذل كل شيء، كل هذا يدخل في بذل الندى. مثاله: بذل الدعوة، الدعوة إلى الله جل وعلا يعتبر من باب بذل الندى، أن المرأة المسلمة تحرص على أن تكون داعية، داعية ليس من شرط دعوتها أن تكون في المساجد، تكون داعية في بيتها، داعية في المكان الذي تعيش فيه. إن كانت طالبة في محيط رفيقاتها، إن كانت مدرسة ففي محيط إدارتها، إن كانت في أسرة ففي محيط أبنائها وأولادها وزوجها، وهكذا، كل ما سنحت لها فرصة دعت، هذا من بذل الخير للغير. الإرشاد والدعوة إلى فعل المعروف، وانظروا أخواتي في الله إلى أم سليم رضي الله تعالى عنها عندما جاءها أبو طلحة تقدم إلى زواجها، وكان كافرا مشركا، فانظروا لهذه المرأة اللبيبة كيف استغلت هذا المقام، مقام الزواج، أن يكون ميدانا من ميادين الدعوة. فقالت: يا أبا طلحة، إن مثلك لا يرد، وإن امرأة مسلمة وأنت مشرك، فإن تسلم يكون هذا مهري منك، سبحان الله، فما كان من أبي طلحة إلا أن أسلم وحسن إسلامه، وكان من خيار الصحابة، بفضل من بعد فضل الله، بفضل هذه المرأة الداعية التي جعلت من باب الزواج وهو مسألة اجتماعية بحتة، لكنها جعلتها مضمار الدعوة. ولهذا المرأة حتى في بيتها تدعو، تدعو أفراد أسرتها إلى الخير، قال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإذا لم يقم نضحت على وجهه الماء»، سبحان الله، تخيل لهذه المرأة الصالحة صلت، فكان صلاحها في نفسها، هل اكتفت؟ لا، وإنما دعت غيرها، ذهبت إلى زوجها توقظه لأن يصلي، فإذا ما قام، ماذا؟ بلت وجهه بالماء حتى يقوم. قال عنها نبينا: «رحم الله امرأة» لهذا لعظيم صلاحها. وهكذا المرأة لا ينبغي أن تبقى في بيتها عبارة عن عاملة، تقول: أمانة، علاقة في البيت، إلا أني أطبخ وأكنس، لا، ادعي، إذا رأيت من أولادك العزوف عن الصلاة أو الزوج التكاسل عن أداء شرع الله، علمي وجهي وادعي، وفهمي، لعل الله عز وجل ينفع الله بك. ولئن من دعا إلى خير فله أجره وأجر من عمل به، هذا مضمون مضامين الدعوة. كذلك في باب العلم، العلم يعتبر مقام الخير، ولهذا ينبغي للمرأة أن تسعى إلى بذل العلم، بذل العلم، تعلم الناس، تعلم الميدان الذي تستطيع أن تعلم فيه، تعلم الصغار، تعلم الكبار، ولو أن تعلم آية آية من كتاب الله جل وعلا. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وملائكته وحتى الحيتان في الماء وحتى النمل في جحرها ليصلون على معلم الناس الخير»، كل العوالم العلوية والسفلية يصلون على معلم الناس الخير. ولو آية من كتاب الله، قال عليه الصلاة والسلام: «من علم آية من كتاب الله فله أجرها ما تليت»، تخيل يا أمة الله، وأنت تحفظين القرآن للصغار فيتعلم، أو تتعلم هذه الطفلة منك الفاتحة، فلا زالت تتلوها حتى كبرت، فكلما قرأت الفتاة الفاتحة في صلاتها وفي أذكارها وأورادها وفي قراءتها، فلك يا أيتها المعلمة الأجر. وهنا وقفة، قد تقول بعض النسوة: أنا لست بعالمة ولست بمتعلمة، فأن لي حظ من هذا المقام؟ نقول: يا أمة الله، لك حظ، وخاصة إذا كنت من حباك الله عز وجل بأحد أفراد أسرتك من أهل العلم من طلبة العلم، قد يكون زوجك من الدعاة من طلاب العلم، أو أحد أولادك، فحينها عوض العلم فيه، وذلك مثلاً بأن تعينيه على استمراره في علمه وفي بثه، تهيئي له المناخ، هيئي له الجو، لا تعكر عليه. للأسف أن نجد أن من بعض الدعاة لربما من أكثر العقبات التي تحين بينه وبين علمه وبين استمراره في العلم وبين الدعوة، ما يكون من أهله، فتجد أن الزوجة هي جاهلة، وهكذا تدعو زوجها إلى الجهل. لا، يا أمة الله، إذا كان الله عز وجل ما أعطاك شيء في مضمار العلم، فلا تكوني حجر عثرة، بل هيئي لزوجك المضمار، ادعميه وادعي له بظهر الغيب، بأن الله يعينه، بأن الله يسدده، بأن تترك له فراغا بأن يكتب ويؤلف ويراجع. راجعي معه المعلومات، إذا رأيت الأولاد يشغبون عليك، أخرجي الأولاد من الغرفة، قومي يا أولاد، خلوا أباكم يراجع، يحفظ، يقرأ. فالمرأة كلما كانت عونا لزوجها في هذا المضمار، فالله يجعل لها حظا من العلم. فالشاهد أن من باب بذل الندى ما يكون من بذل العلم. كذلك من باب بذل الندى ما يكون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال ربنا عز وجل: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾. فشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست خاصة بالرجال، بنفس القرآن: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾. فالمرأة تسعى إلى الأمر بالمعروف وتسعى إلى تغيير المنكر، وذلك متى ما وجد، وكم هي المنكرات التي نجده في عالم النساء؟ لربما منكرات في الجنائز، منكرات في الأفراح، منكرات في المناسبات، منكرات عظيمة، والمرأة عندها المعرفة بأن هذا لا يجوز، ينبغي أمة الله عليك الإنكار، فإن هذا من باب بذل الخير. وهكذا في باب الإصلاح بين الناس من باب بذل الندى، صلة الرحم من باب بذل الندى، كذلكم التحلي بالأخلاق الحميدة من باب بذل الندى. والمقام يطول، لكن حسب الإشارة إلى هذا، ننتقل إلى محور آخر يتعلق ببذل الندى، ألا وهو: لمن يكون هذا البذل؟ بذل الندى يكون في حق من؟ بذل الندى يكون في حق أقرب الناس إليك، لا شك أن بذل الندى، بذل الخير للغير، يكون لكل عامة المسلمين، لكن من كان من أشد الناس إليك قربا، لا بد أن يكون له الحظ الأكبر والأوفر من خيرك. فعلى سبيل المثال، من أقرب الناس إليك الوالدين، الأب والأم، فلينبغي أن يحظوا الحظ الأكبر من خيرك، من إحسانك إليهم، وخاصة الأم، لأن الشرع قدم الأم على الأب. كما قال عليه الصلاة والسلام: «أحق الناس» لما سأله الرجل، قال: «يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك». وجاء في حديث خارج الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم إن الله يوصيكم بآبائكم». فالمرأة عليها أن تغتنم فرصة الوالدين بأن تبذل خيرها إليهم، وخاصة بتقديم الأم على الأب، الأمة محتاجة إلى إعانتك يا أمة الله ومساعدتك. كذلك من أقرب الناس إليك الإخوة والأخوات، فإن هؤلاء من أقرب الناس إليك، من غيرهم، لربما بعض النساء لربما إذا أرادت أن تفعل معروفا نظرت إلى الأبعد وتعدت الأقرب، لا، الأقرب أولى بالمعروف. قال عليه الصلاة والسلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك»، فالإنسان يراعي الترتيب. كذلك من أقرب الناس إليك يا أمة الله، إن كنت متزوجة، فاعلمي أن الزوج له الحظ الأكبر، بل أن حق الزوج كما قال العلماء هو مقدم على حق الوالدين، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». قال: «لو كنت آمرا»، تخيلي يا أمة الله، لو ترك المجال للسجود لغير الله، لكان أول من تنحني له المرأة أن تنحني لزوجها، لماذا؟ لعظيم شأنه وعلو مرتبته. ولهذا ينبغي أن يجد الزوج من زوجته مزيد عناية، لا إهمال، لا إهمال، المرأة لربما تعتني مع الضيوف، تعتني مع الأخوات والصاحبات والزميلات، ما لا تعتني مع زوجها، هذا إهمال، وهذا مما لا يرضي الله عز وجل. فالمرأة الصالحة إذا أرادت أن تعطي خيرها، فأولى من تعطيه من خيرها زوجها الذي بين يديها. وهكذا في باب الجيران، وفي باب الجوار، فإن أقرب الناس إليك يا أمة الله، وأسعد الناس بخيرك الجيران، كثر الجيران، كثر، لكن ابدئي بالأقرب فالأقرب. وهكذا عائشة عندما سألت نبينا صلى الله عليه وسلم، فقالت: «يا رسول الله، لمن أهدي من جيراني؟ لمن أهدي؟ أي أجعل هدي لمن؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «إلى أقربهم إليك بابا»، أقربهم إليك بابا، أول باب تجاورينه، أقرب إلى بابك، هذا هو أولى بإحسانك. إن كان معك هدية، إن كان معك طعام، إن كان معك كسوة، إن كان معك شيء من هدايا الأطفال، أو جاء زوجك من عمرة أو أتى بهدية، أو زاد فائض عندكم، فائض من زاد، فأسعد الناس بك وبإحسانك وخيرك يا أمة الله، ما يكون من أقرب الناس إليك بابا. وبهذا قاعدة نفهم جميعا، على أنك يا أمة الله إذا أردت أن تطرقي باب بذل الندى، فعليك أن تطرقي هذا الباب مع أقرب الناس إليك، مع الوالدين، مع الإخوة والأخوات، مع الزوج، وهكذا مع الجيران، وقس على ذلكم ما يطول ذكره. نصل إلى محور آخر من مسائل بذل الندى، وهذا المحور معناه ومفاده على أنك يا أمة الله عليك بالاستمرار بهذا الباب، بذل الندى، ولو كان الطرف الثاني لا يستحقه أو كان مقصرا معك. فالإنسان الصالح، وبهذا ارتفعت درجته عن غيره، أن يده ممدودة دائما وأبدا، سواء أحسن الناس إليه أو لم يحسنوا، ليس من شرط بذل الندى أنك تبذلين والطرف الثاني يبذل، لا، أحيانا قد تبذلين من خيرك ومن علمك ومن دعوتك ومن أخلاقك، والطرف الثاني يبخل، يبخل عليك، ومع ذلك استمري على هذا الباب. وهنا يعلو شأن الخلق والأنام، وتأمن في هذه الأمثلة، مثال الأول مع الوالدين، ما لو أن امرأة حباها الله بوالدين، لكن هما في بعد عن طاعة الله، عندهم من المخالفات ما الله به عليم، بل لربما رجع إليها بالتضييق والتعيير، لربما أنبوها في حياتها التي تعيشها في طلب العلم والاستقامة والهداية. فلا زال لربما يؤنبانها، هنا المرأة هل تقف عن بذل الندى؟ تقول: لا، أنا أعطي الوالدين أعطيهم الإحسان لسنوات، وما أجد منهم إلا التعب والعنت، هل تقفين؟ الجواب: لا، دليله قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾. هذا في بيان من ابتلاه الله بأبوين كافرين مشركين، بلغ من الأذية أنهما يجاهدان المسلم على الكفر والشرك والردة، أمر ربنا عز وجل بعدم الانصياع لهما وعدم الالتفات لكلامهما، لكن هل معنى ذلك أن نرفع يد الإحسان؟ قال ربنا: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾، الإحسان يستمر معهما، ولو كانا كافرين، فكيف بك يا أمة الله وقد حباك الله بأبوين مسلمين موحدين؟ فما ينبغي أن نتوانى في خدمتهما ما دام على قيد الحياة. المثال الثاني في استمرار بذل الندى، ما لو كان مع ذوي الرحم، مع ذوي القربى، لربما الواحد منا يكون محسنا مع أرحامه، يزورهم، يعطيهم، يحسن إليهم، لكنهم بالمقابل لا يعاملوه بالمثل. لربما يتقاعسون عن زيارته، لربما يتركونه فترة من الزمن، ردحا من الزمان، لا يسألون عنه، هل معنى هذا أننا نترك بذل الندى معهم؟ نترك التعامل بالخير معهم؟ الجواب: لا، دليله ما جاء في الصحيح في قصة ذاك الرجل الذي شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجده من قرابته. قال: «يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني وأحسن إليهم ويجهلون علي ويعطيهم ويمنعونني»، تأمل في هذا الرجل الذي ضرب كل أنواع الندى، كل أنواع الجود والسخاء، وصلهم وأعطاهم وأحسن إليهم، لكن بالمقابل ما الذي وجده من الطرف الثاني؟ لا شيء، بل وجد الضد، وجد القطيعة، وجد الهجران. فسأل نبينا عن كيفية التعامل، هل يقطعهم؟ أمره نبينا صلى الله عليه وسلم بالعكس، قال: «صلهم، صلهم»، فلا يزال معك من الله ظهير. فأمره نبينا أن يصابر وأن يكابد هذا الخلق، وهذا مصداق في قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾. وهكذا مثال ثالث في حق الحياة الزوجية، لربما تبتل المرأة الصالحة تبتل بزوج، هي لربما تحسن إليه وتعطف عليه ولا تقصر معه، لكنهم بالمقابل رجل شحيح، رجل ما يبالي، رجل لربما ما يرفع للمرأة حقوقا فيهضمها. من الذي ينبغي عليها؟ هل هنا تقطع باب الخير وتفعل كما نسمعه الآن الذي يظهر في عالم النساء من التمرد على الأزواج وتهجر عشة زوجية وتذهب هنا وهنا إلى بيت أهلها وعند أخواته، وإذا سئلت: لما قد فعلت هذا؟ ما يعطيني حقي؟ هل هذا مبرر على أن المرأة تقطع المعروف؟ لا، سئل نبينا عليه الصلاة والسلام، قالوا: «يا رسول الله، ما نساؤنا من أهل الجنة؟» وتأمل يا أمة الله لمن أن تكون من أهل الجنة؟ ما النساؤنا من أهل الجنة؟ قال عليه الصلاة والسلام: «كل ولود ودود عؤود»، ولود عؤود، التي إن غضبت أو غضب عليها زوجها أو أساء إليها، قالت: «هذه يدي في يدك، لا أذوق غمضا حتى ترضى»، سبحان الله، تأمل إلى هذا الصنف العظيم العجيب النادر. امرأة لربما ليست هي السبب، وإنما المتسبب في المشاكل هو الزوج، يغضب عليها، يسيء إليها، يسيء إليها، ما الذي أمرها نبينا؟ هل أمرها أنها ترد الصاع صاعين، أنه كما أساء تسيء، وكما تمرد تتنمر؟ لا. قال في واصفا صفة نساء الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: «التي إن غضب أو أسيء إليها قالت: هذه يدي في يدك، لا أذوق غمضا حتى ترضى»، ما أنا ما أنا يا زوجي حتى ترضى عني، معنو الغلطان، لكنها المرأة العاقلة الصالحة تدفع بالإحن، تمنع الفتن، تلغي باب الشر أن يدخل إلى بيتها. ولو أن الناس كانوا على هذا الباب لعم الخير في الأفراد والمجتمعات. أشهد أخواتي في الله بهذا، نعلم على أن هذا الباب باب بذل الندى، على أنه ينبغي أن يكون من الصفات المستمرة فينا، سواء مع من عاملنا بمثلها أو لم يعاملنا بمثلها. أخيرا أخواتي في الله، وأختم هذا المقام بفائدة، وهي: ما هي فائدة بذل الندى؟ على ما ذكرنا في معنى بذل الندى، على ما ذكرنا من أهمية بذل الندى، على ما ذكرنا من صور بذل الندى، على ما ذكرنا على لمن يكون معه بذل الندى، على ما ذكرنا في استمرارية هذا الباب، ما الجزاء؟ ما الأجر الذي يناله الواحد منا متى ما كان صابرا محتسبا على هذا الخلق؟ الجواب: طبعا هذا يحتاج إلى محاضرة لكثرة الأجور، لكن حسبي أن أختم هذا المقام أن الله يا أمة الله يعاملك بالمثل، يعاملك بالمثل، فكما تكون مع الناس في باب الخير والعطاء، فالله جل وعلا يكون معك. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن الثواب والعقاب إنما يكونان من جنس العمل، فإن هذا من العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، الثواب والعقاب يكونان من جنس العمل. فعلى حسب تعاملك مع خلق الله، فالله يعاملك، ولهذا جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن نفس عن غيره نفس الله عنه، ومن ستر مسلما ستره الله، ومن يسر على معسر يسر الله عليه»، هذه القاعدة ينبغي أن تكون نصب أعيننا. فالله يعاملنا على ما يكون من تعاملنا مع غيرنا، ولهذا يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: فالله يكون مع عبده على حسب هذه الصفات، وجودا وعدما. فمن عفى عنهم عفى عنه، ومن غفر غفر الله له، ومن أحسن إليهم أحسن الله إليه، ومن رفق بعباده رفق الله به، ومن رحم خلقه رحمه الله، ومن جاد عليهم جاد الله عليه، ومن سترهم ستره، ومن صفح صفح عنه. إلى أن قال: ومن عامل خلق الله بصفة عامله الله من جنس هذه الصفة في الدنيا والآخرة، ثم قال: فالله يكون لعبده على حسب ما يكون العبد مع خلقه. احفظوا هذه القاعدة يا إماء الله، قال ابن القيم: فالله يكون لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه. فإذا أردت يا أمت الله أن يعاملك الله بصفة من الصفات، انظري إلى نفسك كيف أنت مع خلق الله، كيف أنت مع الوالدين، كيف أنت مع الأولاد، كيف أنت مع الأزواج والجيران، كيف أنت مع عامة الناس. وبهذا أخواتي في الله سنعلم جميعا عظيم هذا الوصف العظيم الذي أمر الله جل وعلا أن نتصف به. فالشاهد أخواتي في الله، فنعيد من حيث ما بدأنا على أن المرأة الصالحة أنها تفتش عن هذه الصفة، صفة الصلاح، دائما وأبدا، لأن فلاحها في الدنيا والآخرة إنما يكمن على حسب صلاحها عند ربها جل وعلا. وعلمنا أن مقام الصلاح لا يقوم إلا على ركنين اثنين، على القيام بحق الله والقيام بحق خلق الله، وأشرنا إلى أن القيام بحق خلق