الخطبة بعنوان تحريم أذية المسلمين، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 22 شوال 1447هـ الموافق 10 أبريل 2026م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المحور آيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين تحريم إيذاء المسلمين بغير حق، وتؤكد أن من يؤذي مؤمناً يرتكب إثماً مبيناً ويستوجب غضب الله، مبيناً أن الأذى يبطل ثواب الأعمال الصالحة كإبطال أجر الصدقة.
يركز المحور على أحاديث نبوية تحذر من أذى المؤمن عموماً والجار خصوصاً، مبيناً أن الأذى باللسان أو الفعل يوجب اللعنة ويسقط أجر العبادات، مستشهداً بحديث المرأة التي تصوم وتقوم وتؤذي جيرانها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا خير فيها، هي في النار".
يحذر الخطيب من العادات السيئة في الأفراح كالحفلات الغنائية والموسيقى الصاخبة والمفرقعات وإطلاق الرصاص والزفات المتأخرة، مبيناً أنها أذى عظيم للمصلين والمرضى والكبار والأطفال، ومخالفة للشرع الذي حرم اللهو والمعازف، داعياً إلى جعل الأفراح طاعةً لله وشكراً لنعمه.
يختتم الدرس بدعاء نبوي يرجو فيه العبد من الله الهداية والتقوى والعفاف والغنى، ويسأله أن يصلح نفسه ويصلح به، وأن يؤتي نفوسهم تقواها ويزكيها، مؤكداً أن الله خير من زكاها ووليها.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن دين الإسلام دين عقيدة وعبادات وأخلاق ومعاملات وآداب وسلوكيات، فينبغي للمسلم أن يأخذ بهذا الدين من جميع جوانبه. فقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾. وقال سبحانه وتعالى مبينا لنا كمال هذا الدين: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾. ألا أعلموا يا عباد الله أن من مساوئ الأخلاق التي نهى عنها الشرع وحرمها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، ورتب عليها الإثم العظيم، أذية المسلمين. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾. إذا آذيت أخاك المسلم بغير حق، بغير جرم يستحق به هذا الأذى، فقد ارتكبت يا عبد الله إثما مبينا واضحا بينا. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى يسخط هذا الفعل ويغضب على صاحبه. قال قتادة رحمه الله تعالى: «إياك وأذى المؤمن، فإن الله يحوطه ويغضب له». وقد جاء عند الترمذي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صعد على المنبر فقال بصوت رفيع: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتتبعوا عوراتهم، فمن تتبع عورة أخيه المسلم فضحه الله، ومن يفضحه الله عز وجل يفضحه في جوف رحله». انظروا يا عباد الله إلى خطورة هذا الخلق الذميم. أيها المسلمون، لقد نهى الشرع عن أذية المؤمن ولو كان محتاجا لنا، ولو كنا نتصدق عليه ونعطيه. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾. ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿ وَالْأَذَى ﴾: أي لا يعملون مع من يحسنون إليه مكروها يحبطون به ما سلف من الإحسان. وقال رحمه الله تعالى في تفسيره: «فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى». فمن عقوبة الأذى أن يحبط العمل الذي اقترن به الأذى. وهكذا يا عباد الله، فإن هذه الشريعة من شدة تحذيرها من هذا الخلق العظيم، فقد نهت عن الأذى ولو كان القصد حسنا، ولو كان الهدف نبيلا. فقد جاء عند الترمذي وأبي داود، ويصححه العلامة الألباني، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى رجلا يتخطى الرقاب، فقال: «اجلس، فقد آذيت؛ اجلس، فقد آذيت». فانظروا يا عباد الله إلى خطورة أذى المؤمن، ولو كان القصد حسنا والهدف نبيلا. وهكذا يا عباد الله، فإن الله سبحانه وتعالى يكره أذى المؤمن، كما جاء عند الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يتناج اثنان دون الثالث، فإن ذلك يؤذي المؤمن، وإن الله يكره أذى المؤمن». فانظروا يا عباد الله إلى خطورة هذا الخلق الذميم. وهكذا يا عباد الله، فإن أذى المؤمنين سبب لإيصال اللعنة إلى صاحبها، إلى صاحب الأذى. ولذلك جاء في حديث حذيفة بن أسيد عند الطبراني، ويحسنه الألباني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من آذى المؤمنين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم، وجبت عليه لعنتهم». وقد قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا اللاعنين: الذي يتغوط في طريق الناس أو في ظلهم». لأن في ذلك أذى، فمن أراد أن يجلس فرأى هذا الأذى لربما لعن من فعل ذلك، فأعرض هذا المؤذي نفسه للعنة الناس له، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. يقول الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: «لا يحل لك أن تؤذي كلبا أو خنزيرا، فكيف بمن هو أكرم الخلق، ألا وهو الإنسان المؤمن؟ فهو كريم على الله عز وجل، فكيف تؤذيه؟ ولا يحل لك يا عبد الله أن تؤذي تلك الحيوانات وأن تتعرض لها بغير حق، فكيف بأخيك المسلم؟» أخي المسلم، فاحذر يا عبد الله من هذا الخلق الذميم. وهكذا يا عباد الله، إذا نهت الشريعة عن أذية أي مسلم، فإن الجرم يعظم إذا كان الأذى لجار أو لرحم أو لرجل صالح. ولذلك فقد جاءت الأحاديث الكثيرة في تعظيم حق الجار وأنه لا يجوز أذيته بأي وجه من الوجوه. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، فلا يؤذي جاره». وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه»، أي شروره وغوائله. وهكذا جاء عند البخاري في رواية أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يدخل الجنة، لا يدخل الجنة، من لا يأمن جاره بوائقه». فاسأل نفسك يا عبد الله: كيف أنت مع جارك؟ هل تؤذيه في أهله، أو في ولده، أو في ماله، أو في عوراته، أو في حق من حقوقه؟ فالأمر عظيم يا عباد الله. ولذلك جاء عند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة، ويحسنه العلامة الألباني، أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم - قد ذكر له امرأة - فقالوا: إنها تصوم النهار وتقوم الليل، أو أنها تكثر من الصلاة ومن الصيام، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها. الأذى يا عباد الله لا يكون بالفعل فحسب، من ضرب، أو في المال فحسب، من أخذ، وإنما قد يكون باللسان، وذلك بالسب، أو الشتم، أو البهتان، أو الكذب، أو الغيبة، أو النميمة، أو إلى غير ذلك. فهذه المرأة يا عباد الله عندها من الأعمال الصالحة، بل من الإكثار من الأعمال الصالحة، ومع هذا، بسبب أنها تؤذي جيرانها، ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «لا خير فيها، هي في النار، لا خير فيها، هي في النار». لتعلم يا عبد الله أن هذه الشريعة ليست صلاة وصياما وزكاة فحسب، فنعم هذه أركان من أركان هذا الدين، ولكن الإسلام كذلك خلق، ولكن الإسلام كذلك أدب، ولكن الإسلام كذلك تعامل. فكيف تعاملك مع الناس؟ اسأل نفسك يا عبد الله، وصحح من مسارك. فأذية المسلمين كما سمعت يا عبد الله أمرها خطير وإثمها عظيم. نسأل الله أن يحسن أخلاقنا وأن يؤدبنا بآداب الإسلام، إنه ولي ذلك والقادر عليه. يقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، إن هناك صورا وأشكالا من الأذى يتساهل فيها كثير من الناس، ويجعلون هذا الأذى من الفرح، أو من العادات التي اعتادها الناس في أفراحهم، وهذا أمر عظيم، فإن صاحبه لا يستشعر أنه قد آذى إخوانه المسلمين. ومن ذلك يا عباد الله ما يفعله بعض المسلمين اليوم في أفراحهم من تلك الحفلات الغنائية، ومن تلك المجالس الموسيقية، مع ارتفاع أصوات السماعات التي تصل إلى مسافات بعيدة، وكذلك إلى وقت متأخر من الليل. فهذه والله صورة عظيمة من صور الأذى. فهذه السهرات وهذه الحفلات، كم تأذى بسببها كبير سن أراد أن ينام في بيته، فإذا بهذه الأصوات تتبعه وبشدة إلى غرفته فيحرم النوم، فلربما دعا على صاحب هذا العرس. وهكذا كم من مريض يجد راحته عند سكون الليل، فتأتيه هذه الأصوات المزعجة وهذه الأغاني المزعجة فتحرمه من راحته ونومه، ولربما كانت السبب في زيادة مرضه. وكم من امرأة أرادت أن تنوم ولدها الصغير، فيقوم ويصيح طيلة الليل بسبب تلك الأصوات المزعجة. ألا فلنتق الله يا عباد الله، ولنعلم أن هذا من الأذى الذي يتأذى به كثير من الناس، لا سيما أهل الخير والصلاح، لأن هذه الألحان الموسيقية وهذا الطرب والغناء مما يقس القلوب، ومما جاء تحريمه صريحا في كتاب الله وفي سنة نبيه عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. وقد جاء في تفسير لهو الحديث عن جماعة من السلف أنه الغناء. وقال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف». فاقتران المعازف مع الزنا (الحر)، والحرير المحرم على رجال هذه الأمة، والخمر المعلوم تحريمها، دليل على تحريمها، والأدلة في ذلك كثيرة لا يتسع هذا المقام لعرضها. ثم كم من رجل يريد أن يصلي من الليل، فتنبعث هذه الأصوات فتشوش عليه صلاته وقراءته وذكره ودعاءه لله سبحانه وتعالى. فكم هي من مفاسد عظيمة في مثل تلك الحفلات، وفي مثل تلك العادات السيئة. ومن ذلك كذلك ما يكون من المفرقعات التي تصدر أصواتا مزعجة، وأعظم من ذلك الضرب بالسلاح بالرصاص ونحو ذلك، فهذا لا شك أنه مما يزعج الناس ويقلق السكينة العامة، فهو يا عباد الله من الأذى، ومن العادات السيئة التي ينبغي على المسلم أن يتركها، وأن يقابل نعمة الزواج بشكرها، فحق النعم أن تشكر، لا أن تكفر، لا أن تكفر. وهكذا يا عباد الله، من تلك العادات السيئة ما فيها من أذى المسلمين ما يسمى بالزفة التي هي زفاف الزوجة إلى زوجها في ساعات متأخرة من الليل، وما يصحب ذلك من أصوات السيارات، ومن كذلك الدراجات، وإقلاق الناس وإزعاجهم إلى وقت متأخر من الليل. فكل ذلك يا عباد الله من الأذى الذي ينبغي للمسلمين أن يتقوا الله عز وجل وأن يتركوه، وأن يجعلوا أفراحهم على وفق شريعة الله، وأن يجعلوا عرسهم عرسا مباركا. ولا يكون ذلك يا عباد الله إلا بطاعة الله سبحانه وتعالى. نسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم أصلحنا وأصلح بنا. اللهم أصلحنا وأصلح بنا. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها وم