آثار الإيمان باليوم الآخر

آثار الإيمان باليوم الآخر

الخطبة بعنوان آثار الإيمان باليوم الآخر، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 21 ذو القعدة 1447هـ الموافق 8 مايو 2026م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أثر الإيمان باليوم الآخر في تحفيز الأعمال الصالحة

يشرح الخطيب مكونات الإيمان باليوم الآخر موضحاً أنه ليس مجرد قول بل يثمر رقابة قلبية تدفع المسلم للطاعة، مستشهداً بآيات تصف الأبرار الذين يخافون القيامة فيعملون الصالحات. ويضرب مثال عمير بن الحمام الذي سارع للجهاد رجاء الجنة.

ثمار الإيمان باليوم الآخر: ردع المعاصي وتيسير الصبر

يستعرض المقطع ثمار الإيمان في ردع النفس عن المعاصي والخوف من عذاب الله، مستشهداً بآيات الربا والتطفيف. ويبين كيف أن تذكر الآخرة يهون مصائب الدنيا ويبعث على الصبر والاحتساب.

الدنيا دار ابتلاء وصبر المؤمنين وجزاء الآخرة

يبيّن المقطع أن الدنيا دار ابتلاء وغرور، وأن صبر المؤمن على المصائب يهون أمام نعيم الآخرة الذي يُنسى معه كل شدة، مستدلاً بأحاديث غمسة أهل الجنة وقصص صبر آل ياسر والمرأة السوداء. ويؤكد أن الإيمان باليوم الآخر يضمن رد الحقوق للمظلومين ويقيم العدل بين الناس.

دعاء شامل لطلب الخير كله والاستعاذة من الشر كله

يحتوي المقطع على دعاء جامع يسأل الله تعالى الخير كله عاجله وآجله، وما علم منه وما لم يعلم، ويستعيذ به من الشر كله كذلك. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن من أركان الإيمان ومبانيه العظام الإيمان بيوم الآخر. فلذلك فإننا في هذا المقام نركز على ذكر الآثار والثمار التي ينتفع بها المسلم إذا أيقن وإذا آمن بهذا الركن العظيم. فالإيمان باليوم الآخر معناه التصديق الجازم بوقوعه، والعمل بمقتضى ذلك وبموجب ذلك. ويدخل في الإيمان باليوم الآخر على وجه الاختصار أربعة أمور: الأمر الأول: الإيمان بعلامات الساعة. الأمر الثاني: الإيمان بالحياة البرزخية من فتنة القبر ونعيمه وعذابه. الأمر الثالث: الإيمان بمواقف القيامة مما أخبر الله في كتابه ونبيه عليه الصلاة والسلام في سنته، منذ أن نفخ في الصور وقيام العباد من القبور، وما في يوم القيامة من مواقف عصيبة وأهوال عظيمة، وتفصيل المحشر، ونشر الدواوين والصحف، ونصب الموازين، والصراط، والحوض، والشفاعة، إلى غير ذلك. الأمر الرابع: الإيمان بالجنة ونعيمها، وأن أعلاها أو أعلاه النظر إلى وجه الله، والإيمان بالنار وعذابها، وأن أشده حجبهم عن ربهم سبحانه وتعالى. فيا عباد الله، اعلموا أن الإيمان باليوم الآخر ليس مجرد خبر يصدق، ولا عقيدة تردد وتلاك على الألسن إذا لم يكن لها أثر في القلوب والسلوك والسير إلى الله علام الغيوب. فالإيمان باليوم الآخر يا عباد الله حقيقة عظيمة تنشئ في القلب رقابة مستمرة، وتغرس في النفس كذلك يقظة تامة، وتدفع المسلم إلى إصلاح نفسه وإلى تزكية قلبه، لأنه يعلم أنه في يوم من الأيام سيقف بين يدي الله عز وجل، وسيسأله عن الصغير والكبير والنقير والقطمير. فإذا إن الإيمان باليوم الآخر له ثمار كثيرة وآثار عظيمة، من أجلها الجد والاجتهاد في طاعة الله عز وجل. فإن أعظم ثمرة من ثمار الإيمان باليوم الآخر أن يدفع هذا الإيمان بالمسلم إلى الأعمال الصالحة. فإنه ما عمل العاملون، وما اجتهد المجتهدون، وما جد المجدون، وما تنافس المتنافسون إلا خوفاً من ذلك اليوم العظيم. ولذلك فقد ذكر لنا ربنا في كتابه حال أولئك الرجال الصحابة الكرام عليهم من الله الرضوان، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. هذا الذي دفعهم إلى تلك الأعمال الصالحة وإلى تلك الطاعات العظيمة. وهكذا لما ذكر الله سبحانه وتعالى صفات الأبرار، فقال عز وجل: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾. فلخوفهم من ذلك اليوم كانت هذه أعمالهم: وفاء بالنذور، وإطعام للطعام، وخوف من الله سبحانه وتعالى، وإخلاص في أعمالهم. وهكذا فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما أيقنوا بوعد الله عز وجل وبما هم قادمون عليه من نعيم مقيم، هانت عليهم هذه الحياة، وأسرعوا ونافسوا في تقديم أرواحهم وأنفسهم في سبيل الله. جاء في صحيح مسلم أن عمير بن الحمام الأنصاري رضي الله تعالى عنه في يوم بدر سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يقول: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». فقال عمير: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: «نعم». فقال عمير بن الحمام: بخ بخ. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يحملك على قول بخ بخ؟» قال: يا رسول الله، والله الذي لا إله إلا هو، إلا رجاء أن أكون من أهلها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت من أهلها». فكان معه تمرات، أخرجها من قرنه فجعل يأكلهن، ثم قال: «لئن حييت إلى أن آكل هذه التمرات، أو أن آكل تمراتي، إنها لحياة طويلة». فرمى ما معه من التمرات، ثم قاتلهم حتى قتل رضي الله تعالى عنه وأرضاه. انظروا ما الذي دفعه، ما الذي جعله يستطيل هذه الحياة مع أنها لحظات يسيرة في أكل تلك التميرات؟ إنه الإيقان بما بشره به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا دائماً وأبداً، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أراد أن يحث على عمل صالح فإنه يذكر باليوم الآخر، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت». قل خيراً أو أصمت، ولا تقل باطلاً فتندم وتخسر. وهكذا يا عباد الله، من ثمار الإيمان باليوم الآخر ردع النفس عن المعاصي والذنوب. فإن المسلم إذا علم وأيقن بعذاب القبر وظلمته، وعذاب النار وشدته، لا شك أنه ينزجر ويبتعد خوفاً من أن يناله عذاب الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن الله عز وجل في مواضيع عدة في كتابه الكريم إذا نهى عباده عن أمر أو حرمه عليهم يذكرهم بعذابه، يذكرهم بذلك اليوم العظيم. لما حذر ربنا عز وجل عباده من الربا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ثم ماذا قال؟ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يا من توقن بهذا اليوم وأنك موقوف بين يدي الله عز وجل، احذر من التعامل بالربا، فعذاب الآخرة أشد وأبقى. ولما حذر ربنا عز وجل من التطفيف في الكيل والميزان، ذكر بذلك اليوم العظيم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ألا يوقن الظن هنا بمعنى اليقين، ألا يوقن أولئك المطففون أنهم مبعوثون في هذا اليوم العظيم، وسيسألون عن فعلهم هذا وعن جرمهم هذا؟ تذكير بذلك اليوم. وهكذا يا عباد الله، فإن تذكر عذاب الله عز وجل يوجب الخوف منه. فقد قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. فاختر لنفسك يا عبد الله، واحذر من هوى النفس، واحذر من الغفلة عن ذلك اليوم العظيم. وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يذكر بهذا اليوم عند نهيه عن بعض المعاصي والذنوب، كقوله عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره»، وغيرها من الأحاديث الكثيرة. فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم الإيمان والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، ومن ثمار الإيمان باليوم الآخر أنه يهون مصائب الدنيا ويبعث على الصبر عليها. فإن الإنسان إذا أيقن أن هذه الدنيا إنما هي دار ابتلاء وامتحان، وأن الآخرة هي دار القرار وهي السالمة من المنغصات والمكدرات، فإنه بذلك تهون عليه المصائب ويحتسب الأجر من الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى جعل الفوز الكبير والفوز العظيم أن تدخل الجنة وأن تزحزح عن النار، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. لا تغتر بهذه الدنيا، ولا تتمسك بزينتها وزخرفها، واعلم أنها دار ابتلاء وامتحان. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وهو يهون علينا مصائب هذه الدنيا بتذكيره لنا بالرجوع إليه، قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. إنا لله فهو خالقنا وهو مدبر أمورنا سبحانه وتعالى، وإليه المرجع والمآل فيحاسبنا على أعمالنا. وهكذا فإنا ربنا سبحانه وتعالى بين لنا في كتابه أن هذه الدنيا هي دار الغرور وهي دار الابتلاء: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾. فمهما أصبت يا عبد الله من ضائقات، من مصائب، من محن، من شدائد، فاعلم أنها تهون على ما أنت مقبل عليه من نعيم الآخرة. وأذكرك بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة فيغمس غمسة في الجنة، ثم يقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرت بك شدة قط؟ فيقول: لا يا رب، ما رأيت بؤساً قط، وما مرت بي شدة قط». ينسى مصائب هذه الدنيا، ينسى هموم وآلام هذه الدنيا في غمسة واحدة، فكيف إذا دخل الجنة خالداً مخلداً فيها؟ وهذا يدعونا يا عباد الله إلى الصبر والاحتساب. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يذكر المصابين في هذه الدنيا بأجر الآخرة وبنعيم الآخرة. جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أن رجلاً من الأنصار قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «استعملت فلاناً ولم تستعملني، جعلته مسؤولاً أميراً وما جعلتني مثله». فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، حتى تلقوني على الحوض». إذا ظلمت في هذه الدنيا وأصبت بالأثرة من قبل الظلمة، من قبل الأمر، فحثك النبي عليه الصلاة والسلام على الصبر، وأنك ستشرب من حوضه عليه الصلاة والسلام. نعم، إذا جعت في هذه الدنيا وظلمك من ظلمك، فستشبع من نعيم الجنة بإذن الله عز وجل يوم القيامة. فهو على نفسك، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في حديث جابر بن عبد الله، وذكره ابن هشام في سيرته: كان يمر على عمار بن ياسر وأهله وهم يعذبون في مكة، فيقول لهم: «أبشروا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». وهكذا حديث المرأة السوداء، كما في حديث عطاء بن أبي رباح، قال له ابن عباس: «ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟» قال: بلى. قال: «هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، وإني أصرع وأتكشف، فادع الله لي. فقال لها: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. قالت: بل أصبر». انظر إلى يقينها، وانظر إلى تحملها وصبرها. ثم قالت: «إني أتكشف، فادع الله ألا أتكشف». فدعا لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأخيراً يا عباد الله، من ثمار الإيمان باليوم الآخر أن فيه سلوة وتسلية للمظلومين. فاعلم أيها المظلوم أن في ذلك اليوم العظيم، في ذلك اليوم العظيم، ترد الحقوق إلى أهلها، ويقتص من المظلوم أو يقتص للمظلوم من الظالم، وليس ثمة هناك دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * يَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. سبحانه وتعالى، فهذا مما يسليك يا أيها المظلوم، فأبشر بوعد الله عز وجل لك يوم القيامة. ألا واعلم يا عباد الله أن الإيمان باليوم الآخر فيه إعطاء الحقوق إلى أهلها في الدنيا، وفيه كذلك يا عباد الله حسن التعاملات بين الأفراد في المجتمع، وفيه كذلك القضاء على الفساد، لأن الناس يخافون ذلك اليوم فلا يتجرأ أحد على الظلم أو على الفساد أو على الجريمة. ولذلك المجتمعات التي يرسخ فيها هذا الركن العظيم تكون أقل فساداً وأقل جريمة وظلماً بين العباد، بخلاف المجتمعات التي يضعف فيها هذا الركن العظيم بين أفراده، فيكثر فيه الظلم والفساد والاعتداء والجريمة ونحو ذلك. لأن من وقر الإيمان في قلبه لا يحتاج إلى أن يراقب الناس، لا يخاف من أحد إلا من الله سبحانه وتعالى، فهو لا يحتاج إلى أن يخاف من القانون، أو أن يخاف من كاميرات المراقبة، أو أن يخاف من حملات التفتيش، أو أن يخاف من فلان أو علان، لأن الإيمان في قلبه يمنعه من التعدي والظلم. فينبغي علينا معاشر المسلمين أن نرسخ هذا الركن في قلوبنا، وأن نتذكر هذا الأمر عند إقدامنا على ظلم أو على معصية أو نحو ذلك، فهذا من أعظم أسباب صلاح قلوبنا، ومن أعظم أسباب كذلك حياتنا الطيبة، وكذلك سيرنا الحميد في سيرنا إلى الله سبحانه وتعالى. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.