الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 101، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع أن الانهماك في الدنيا والإصرار على المعاصي من أعظم أسباب سوء الخاتمة، حيث تسيطر على القلب وتطفيء نور الإيمان فتمنع التوبة عند الموت. وينقل ابن القيم عن الحافظ عبد الحق الإشبيلي أن المعاصي تميت القلب وتحيل دون حسن الخاتمة، مستشهداً بقصة من رجال الخليفة العباسي الناصر.
يسرد المقطع قصصاً لمن احتضروا فكان آخر كلامهم دالاً على شغل قلوبهم بالدنيا كالموالاة للظالم والوصية بالعقارات وحسابات الربا والعشق المحرم. ويختم المحاضر مستعيذاً بالله من سوء الخاتمة مبيناً أن سببها تعلق القلب بغير الله طيلة الحياة.
يروي المقطع قصة الشاعر أحمد بن كليب الذي هلك عشقاً بالغلام أسلم، وامتنع أسلم عن زيارته اتقاءً للفتنة فمات أحمد على خاتمة سوء نطقت بالشرك. ويستخلص الدرس تحذيراً من فتنة المردان والنساء ووجوب غض البصر والحذر من الخلوة والاختلاط لعواقبها الوخيمة.
يختتم المؤلف الفصل بالدعاء لله أن يتم النعمة ويحفظ الدين ويتوفى المسلم على الإسلام ويجنبه الفتن ظواهرها وبواطنها. ويصلي على النبي محمد وآله خاتمةً للكتاب.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا وحبيبنا وشفيعنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلةً أيها الأحبة في الله مع هذه المجالس العلمية التي نتذاكر فيها هذا الكتاب القيم، وهذا السفر المبارك، ألا وهو «الداء والدواء»، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وكان آخر ما مر معنا ما يتعلق بفاحشة الزنا، وهكذا غيرها من الفواحش كاللواط، وبين رحمه الله تعالى عظم هذه الفواحش، وأنه يجب على المسلم أن يجتنبها وأن يبتعد عنها وعن أسبابها. وذكر رحمه الله تعالى في تتمة هذا الفصل كلاماً نفيساً يتعلق بخطورة هذه الفواحش، وأن من أخطارها وأضرارها أنها قد تكون سبباً للحيلولة بين الشخص وبين حسن الخاتمة، فمن عقوبات هذه المعاصي أن الشخص قد لا يوفق إلى الخاتمة الحسنة، بل يبتلى بخاتمة سيئة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وإذا نظرت إلى حال كثير من المحتضرين، أي ممن تحضرهم الوفاة، من أهل المعاصي، وجدتهم يُحال بينهم وبين حسن الخاتمة، عقوبةً لهم لما ران على قلوبهم الآثام والأجرام، ولأجل أعمالهم السيئة، فبسبب ما في القلوب من الران الذي سببه الحرام والفتن والذنوب، وهكذا ما يقع من الجرائم، وهكذا غيرها من الأعمال السيئة». قال رحمه الله تعالى: «قال الحافظ أبو محمد عبد الحق ابن عبد الرحمن الإشبيلي رحمه الله». والإشبيلي: نسبة إلى ماذا؟ الإشبيلي... الإشبيلي يا أبا طاهر: نسبة إلى ماذا؟ نعم، بلد في الأندلس يسمى إشبيليا. بلاد الأندلس يا إخوان كانت حاضرة من حواضر المسلمين على مدى قرون من الزمان، بينما أوروبا تعيش في ظلام دامس وجهل كبير، كان المسلمون هم العلماء وهم أهل الحضارة، كان أبناء أوروبا يأتون إلى الأندلس لكي يدرسوا في جامعاتها وعند علمائها. وبعد سقوط الأندلس وسيطرة الصليبيين على الأندلس، أصبحت من أشد البلدان حرباً على الإسلام، حرباً على الإسلام إلى يومنا هذا. بلاد إسبانيا والبرتغال هذه من أشد البلاد الصليبية حرباً على الإسلام وأهله، ولا تزال آثار للمسلمين هنالك، لا تزال مساجد ولا تزال حصون وقلاع وغيرها مما يدل على الماضي العظيم الذي كان لأهل الإسلام في تلك البلاد. وتخرج منها أئمة كعبد الحق الإشبيلي، وهكذا ابن عبد البر، وهكذا ابن حزم، وهكذا غيرهم كثير من علماء المغرب. وأبو محمد عبد الحق ابن عبد الرحمن الإشبيلي هذا فقيه أندلسي، فقيه أندلسي. ولما ترجم له الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه «سير أعلام النبلاء»، قال عنه: «الإمام الحافظ البارع المجود العلامة أبو محمد عبد الحق، له تصانيف طيبة وكتب قيمة، منها «الجمع بين الصحيحين»، هذا جمعه بلا إسناد على ترتيب مسلم». قال الذهبي: «وأتقنه وأجوده، له كتب كثيرة نافعة، له كتب كثيرة نافعة». والإمام عبد الحق الإشبيلي رحمه الله تعالى كان يزاحم فحول الشعراء، كان شاعراً مجيداً، وكان يزاحم فحول الشعراء، وكان له شعر مليء بالوعظ، وهكذا بيئة الزهد. ومما نقله العلماء من أشعار عبد الحق الإشبيلي رحمه الله تعالى كان يقول: «إن في الموت والمعادي لشغلا والدكارا لذنها وبلاغا فاغتنم خطتين قبل المنايا صحة الجسم يا أخي والفراغ». فكان من علماء الإسلام المشهورين. وهنا ابن القيم رحمه الله تعالى ينقل من كتابه النافع الموسوم بـ «العاقبة في ذكر الموت»، «العاقبة في ذكر الموت». قال رحمه الله تعالى: «قال الحافظ أبو محمد عبد الحق ابن عبد الرحمن الإشبيلي رحمه الله: واعلم أن لسوء الخاتمة - أعاذنا الله منها - أسباباً، ولها طرق وأبواب، أعظمها الإكباب على الدنيا وطلبها والحرص عليها». هذا من أعظم أسباب سوء الخاتمة، أن ينهمك العبد مع هذه الدنيا وينسى الاستعداد والعمل للآخرة. «قال: والحرص عليها، والإعراض عن الآخرة، والإقدام والجرأة على معاصي الله عز وجل. قال: وربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة، ونوع من المعصية، وجانب من الإعراض، ونصيب من الجرأة والإقدام، فملك قلبه، وسب عقله، وأطفأ نوره، وأرسل عليه محنة، فلم تنتفع أو فلم تنفع فيه تذكرة، ولا نجعت فيه موعظة، فربما جاءه الموت على ذلك، فسمع النداء من مكان بعيد، فلم يتبين المراد، ولا علم ما أراد، وإن كرر عليه الداعي وأعاد». فمعنى ذلك أنه لا ينتفع، لماذا؟ فالمعاصي قد سيطرت على عقله وقلبه وأطفأت نوره، نسأل الله عز وجل العافية والسلامة. قال رحمه الله تعالى: «قال... قال، أي عبد الحق الإشبيلي: ويروى أن بعض رجال الناصر نزل به الموت». والناصر هذا يدعى بالناصر لدين الله، وهو خليفة عباسي، هو أبو العباس أحمد ابن الحسن الهاشمي العباسي البغدادي، وكان من خلفاء بني العباس، وذكروا عنه أنه كان من أطول خلفاء بني العباس خلافةً، واتسعت رقعة ملكه، ذكروا أنه خطب له في الأندلس، وهكذا بالصين، وهكذا في الصين. وكان سيئاً، فقد ذكروا عنه تشيئاً، وهكذا مذهباً عقدياً فاسداً، وذكروا عنه أنه كان مخدوماً من الجن، الجن كانوا يخدمونه، فكان يعلم ما في بطن الحامل، وهكذا يخبر عما خلف الجدران، ما وراء الجدران، وكان شيعياً كما سبق، يميل إلى مذهب الإمامية، بخلاف آبائه، وكان رديء السيرة في الرعية، مائلاً إلى الظلم، وهكذا أيضاً العسفي. فهذا بعض رجال هذا الخليفة الظالم، كان من عماله وشرطه. «قال: ويروى أن بعض رجال الناصر نزل به الموت، وعند الموت يا إخوان كل إناء بما فيه ينضح، كل إناء بما فيه ينضح. قال: فجعل ابنه يقول له: قل لا إله إلا الله. فقال أي ذلك من رجل الناصر: مولاي. فأعاد عليه القول، فأعاد مثل ذلك، أي أعاد الأب يقول: الناصر مولاي. قال: ثم أصابته غشية، فلما أفاق قال: الناصر مولاي. وكان هذا دأبه، كل ما قيل له: قل لا إله إلا الله، قال: الناصر مولاي. ثم قال لابنه: يا فلان، الناصر إنما يعرفك بسيفك، والقتل القتل. ثم مات على ذلك، ثم مات على ذلك». قال عبد الحق: «وقيل لآخر ممن أعرفه: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا، والبستان الفلاني افعلوا فيه كذا». وسبب هذا يا إخوان أنه عاش لذلك، وكان قلبه متعلقاً بذلك. «وقال: وفيما أذن لي أبو طاهر السلفي أن أحدث به عنه». وأبو طاهر السلفي أحد أعلام السنة وكبار المحدثين. «قال: أن أحدث به عنه، أن رجلاً نزل به الموت، فقيل له: قل لا إله إلا الله، قل لا إله إلا الله، فجعل يقول بالفارسية: ده يازده، ويرددها يا إخوان، ده يازده». قال: «تفسيره: عشرة بأحد عشر». كان مرابياً يعمل بالربا، وهمه المال والدنيا، كان يقول: ده يازده، وتفسيره: عشرة بإحدى عشرة. «وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: أين الطريق إلى حمامي من جاب». هذه قصة المدعو أحمد ابن كليب الشاعر، سبق معنا في كلام ابن القيم الإشارة إليها، وهنا سيذكرها مع شيء من التوضيح والتفصيل. وحمام من جاب: المقصود به حمام بخاري، حمام البخار، وهذه الحمامات تكثر في البلاد الباردة، في البلاد الباردة. والحمام... الحمام هذا منسوب إلى من جاب، إلى من جاب. من جاب هذا قيل أنه رجل يدعى من جاب ابن راشد الضبي، من جاب ابن راشد الضبي، وقيل أنه أصبح على من يعرف وليس له صاحب، وليس له صاحب. «قال: وهذا الكلام له قصة، وذكر ذلك أن رجلاً كان واقفاً بإزار داره، بإزاء داره، وكان بابها يشبه باب هذا الحمام، أي أن باب داره كان ملفتاً جميلاً. قال: فمرت به جارية لها منظر وحسن وجمال، فقالت له: أين الطريق يا أبي. فقال أي ذلك الرجل: هذا حمام، حمام من جاب، يعني داره، يعني داره. قال: فدخلت الدار تظنه صادقاً، وإنما خدعها، ودخل وراءها. فلما رأت نفسها في داره علمت أنه قد خدعها، أظهرت له البشر والفرح باجتماعها معه خداعاً منها له وتخيلاً لتتخلص مما أوقعها فيه، وخوفاً من فعل الفاحشة. فقالت له: لا تعجل، لا تعجل، أنا قد صرت عندك وفي قبضتك، ولكن يصلح أن يكون معنا هاهنا ما يطيب به عيشنا وتقر به عيوننا. فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين». لاحظ خدعة هذه المرأة، تقول: هذا الجو يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى طعام لذيذ، إلى فاكهة، إلى عصير، شيء يطيب به المجلس. فالرجل انخدع وذهب مسرعاً لكي يأتي بما طلب منه، وذكرته المرأة. «قال: وخرج من الدار في طلب ما ذكرت، وتركها في الدار، وترك الأبواب مفتحة، لم يغلقها، فخرجت من الدار مسرعة، فذهبت، فأخذ ما يصلح، ورجع إلى داره، فوجد الجارية قد ذهبت، ولم تخنه في شيء، ورأى الدار قفراً والمزار بعيداً، فهام الرجل وأكثر الذكر لها، وجعل يمشي في الطرق والأزقة، يعني والشوارع، ويقول: يا رب قائلة يوماً وقد تعبت، كيف الطريق إلى حمام من جاب. قال: وكان يمشي يمشي في الشوارع مثل المجنون، ويردد هذا البيت: يا رب قائلة يوماً وقد تعبت، كيف الطريق إلى حمام من جاب. قال: فبينا هو يوماً يقول ذلك ويكثر منه، إذ مر في بعض الأزقة فأجابته جارية من طاق». والطاق كما ذكر أهل اللغة: هو ما عطف من الأبنية، بناء على هيئة القوس من القناطر، وهكذا أيضاً النوافذ، مثل ما نقول نحن اليوم: شرفة، بلكونة، ونحو ذلك، ونحو ذلك. والقناطر: جمع قنطرة، وذكروا أنه عبارة عن بناء مقوس يكون فوق الماء كجسر لكي يعبر عليه، وقيل: آه، ماذا القنطرة؟ مرتفع من البنيان، مرتفع من البنيان. «قال: فأجابته جارية من طاق: قرنان هل لا جعلت إذ ظفرت بها حرزاً على الدار أو قفلاً على الباب». تجاوبه هذه الجارية، الجارية فعلم أنها هي التي يبحث عنها، وزاد ذكره لها. «قال: فازداد هياماً، واشتد هيجانه، ولم يزل على ذلك حتى كان هذا آخر كلامه من الدنيا، آخر كلامه من الدنيا، نعوذ بالله يا إخوان من سوء الخاتمة». «وقال، أي عبد الحق: ويروى أن رجلاً علق... أن رجلاً علق شخصاً، فاشتد كلفه به، وتمكن حبه من قلبه حتى وقع لما به، ولزم الفراش، وتمنع ذلك الشخص عليه، فاشتد نفاره عنه». فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده بأن يعوده. وهذا أيضاً سبق معنا في كلامي، أو في الكلام حول فصول ماضية فيما يتعلق بعقوبات الذنوب والمعاصي، الإشارة إلى هذه القصة. وهذه القصة ذكرها الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في كتابه «البداية والنهاية» في أحداث عام 426 من الهجرة، من الهجرة. وهذه القصة التي وقعت لأحمد ابن كليب الشاعر، وليست قصة حمام من جاب كما سبق ماذا فيما مضى، وإنما وقعت لأحمد ابن كليب. هذه القصة التي كانت له مع ذلكم الشاب الذي يدعى... الذي يدعى ماذا؟ أسلم، الذي يدعى أسلم. وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في أحداث هذه السنة، أربع مئة وست وعشرين، فقال فيها: «وممن توفي من الأعيان: أحمد ابن كليب الشاعر، أحد من هلك بالعشق». أحد من هلك بالعشق. وذكر ابن كثير رحمه الله تعالى، ذكر عن الحميدي، عن الحميدي، أنه قال: «وأنشدني أبو محمد علي ابن أحمد، قال: أنشدني محمد ابن عبد الرحمن النحوي لأحمد ابن كليب، وقد أهدى إلى أسلم كتاب الفصيح ليعلم، كتاب من كتب اللغة للعالم النحوي، يتعلم». فماذا قال أحمد ابن كليب؟ قال: «هذا كتاب الفصيح بكل لفظ مليح وهبته لك طوعاً كما وهبتك روحي». ولاحظوا يا إخوان هذه الأمور تقع أحياناً في أهل الصلاح. هذا أسلم كان طالباً للعلم، وكان من بيت عرف بالوزارة، وهكذا بالحجابة، وكان يحضر مجالس العلماء ودروس المشايخ، وكان به وسام ومنظر حسن. إذن ما معنى هذا يا إخوان؟ معنى هذا أن طالب العلم، سواء كان مدرساً أو كان طالباً، يجب أن يحذر من هذه الفتن، من هذه الفتن، ويسأل ربه عز وجل السلامة منها. قال رحمه الله تعالى: «قال: ويروى أن رجلاً علق شخصاً، أي عشقاً، وتعلق قلبه بذلك الشخص، قال: فاشتد كلفه به، وتمكن حبه من قلبه حتى وقع لمن به، أي مرض بسبب ذلك، وأصابه ألَم، قال: ولزم الفراش بسببه، وتمنع ذلك الشخص عليه، واشتد نفاره عنه». وأسلم هذا لما جعل أحمد ابن كليب يذكر فيه أشعاراً ويذكر فيه غزلا، فماذا استحى، ولزم البيت، وامتنع عن الخروج إلى الدروس وإلى المجالس العلمية. «قال: فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده بأن يعوده». الوسطاء، وهذه وساطة شر يا إخوان، توسط لأحمد ابن كليب عند أسلم أن يأتي ويزوره، يقولون: إذا زرته سيذهب ما به من مرض، سيذهب ما به من مرض. ومع الإلحاح، ماذا وافق أسلم أن يعود ذلكم العاشق؟ فأخبر ذلكم البائس، ففرح، واشتد فرحه وسروره، وانجلى غمه، وجعل ينتظره للميعاد الذي ضربه له. «قال: فبينا هو كذلك إذ جاءه الساعي بينهما، الواسطة، فقال: إنه وصل معي إلى بعض الطريق ورجع». أسلم يا إخوان، خذته العزة والرجولة، يقول: لِمَ أنا أذهب إليه وأجعل نفسي محلاً لفتنة الرجال؟ فرجع، ويقع ما يقع لذلكم العاشق. «قال: إنه وصل معي إلى بعض الطريق ورجع. فرغبت إليه وكلمته، فقال: إنه ذكرني وباح باسمي، ونوه بي، ولا أدخل مداخل السوء والتهم والريبة، لا أعرض نفسي لمواقع التهم. قال: فعاوته فأبى وانصرف». «قال: فلما سمع البائس ذلك، أسقط في يده، وعاد إلى أشد مما كان به من المرض، وبدت عليه علامات الموت، أي علامات الموت. فجعل يقول في تلك الحال أسوأ مقال، أفضى به إلى الموت على الكفر والضلال. واسمع لما قال، قال: أسلم يا راحة العليل، ويا شفاء المدن في النحيل، رضاك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليل». فلا إله إلا الله يا إخوان، انظروا إلى مصارع العشاق، وخاتمة السوء التي يبتلى أحدهم بها. «قال: فقلت له: يا فلان، اتق الله، اتق الله. قال: قد كان، والأمر كما تسمع. قال: فقمت عنه، فلما جاوزت باب داره، قال: فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت، أي أنه مات على تلك الخاتمة. قال: فعياذاً بك اللهم من سوء الخاتمة، وشؤم المنقلب، وشؤم المنقلب». هذه يا إخوان دروس عظيمة يجب علينا جميعاً أن نستفيد منها، وليحذر المسلم أن يتعلق قلبه بهذه المعاصي وهذه الفواحش، وبالمردان والنسوان، وغير ذلك، فهي تعتبر من أعظم الفتن، من أعظم الفتن. ولهذا حرم ديننا الأمور التي تقرب إليها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾. ﴿اخْتِلَاطُ﴾ الرجال بالنساء لا يجوز، وكذلك أيضاً الخلوة بالمرأة لا تجوز. ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. لماذا يا رب؟ أهذا تشدد كما لربما نسمع من البعض؟ جواب: لا، ﴿ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، أي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقلوبهن، أي أمهات المؤمنين، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾. وأن نبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم والدخول على النساء»، أي التي لسن بمحارم. قيل: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ يعني أقارب الزوج. قال: «الحمو الموت»، يعني الخطر المترتب عليهم أعظم من الخطر المترتب على غيرهم. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان»، جعل يزينها ويجملها في أعين الناظرين وعند الآخرين. كم يا إخوان يذكر الشخص من هذا، من الكتاب والسنة، ما يدل على وجوب الحذر: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. ولاحظوا يا إخوان أن الفتنة بالمردان قد تكون أعظم وأشد من الفتنة بالنسوان، بالنسوان. وكم رأينا يا إخوان وسمعنا مما تشيب منه الشعور، تشيب منه الشعور، من حوادث تقع بسبب العشق والتعلق بهذه الأمور، ونتيجتها إما زنا وإما لواط. والفصل له تتمة تتعلق ببعض ذلك، نسأل الله إتمامه وإكماله، وأسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يجنبنا المصائب والفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.