الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع معنى آية الابتلاء بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، مبيناً أن الله يختبر العباد ليميز الصادق من الكاذب، وأن الخوف مقدم على الجوع لشدة أثره في شل حركة الحياة والكسب، مستشهداً بواقع أهل غزة وربط الخوف بذنوب المعاصي عبر آية القرية الآمنة.
يوضح المقطع معاني الجوع متضمناً وباء الجوع الذي يمنع الشبع رغم الأكل، والجدب وقلة الأرزاق وغلاء الأسعار، كما يتناول نقص الأموال بتراجع الاقتصاد وتراكم الديون، ونقص الأنفس بالأوبئة والحروب مستشهداً بوقائع تاريخية من نجد نقلها الشيخ ابن عثيمين.
يشرح المقطع كيفية الصبر على ابتلاءات الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات بالرضا بقضاء الله وتجنب المكاسب المحرمة، مبيناً أن الصابرين الذين يسترجعون عند المصيبة ينالون صلوات الله ورحمته وهدايته.
تؤكد الآية على الحث على الصبر وتبشر الصابرين بأجر عظيم، داعية المؤمن إلى تحقيق معاني الصبر العملية لنيل هذا الأجر الجزيل والثواب الكبير.
محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن الآيات التي ذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى في باب الصبر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. هذه الآية معناها أن الله عز وجل يختبر عباده بالشدائد كي يتميز الصادق من الكاذب، والبر من الفاجر، والمؤمن من المنافق. ففي هذه الآية يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي لنختبرنكم بشيء من الخوف، أي لا بالخوف كل بل بشيء منه، لأنه سبحانه وتعالى لو ابتلى بكل الخوف لكان هذا الخوف مهلكاً ومدمراً لا يتحمله العباد، ولكن من رحمة الله عز وجل بعباده أن ابتلاهم بشيء من هذا الخوف والجوع والنقص في الأموال والأنفس والثمرات. وقولوا هنا: الخوف هو فقد الأمن، وهو أعظم من الجوع. لماذا أعظم من الجوع؟ أعظم من الجوع لأن الإنسان إذا جاع يمكن أن يذهب ويطلب، فيأكل من ورق الشجر يمصه أو حب التمر يأكلها ويذهب ما به من الجوع، أو شيء من هذا الجوع. لكن الخائف، والعياذ بالله، لا يقر له قرار ولا يستقر له بال، لا في بيته ولا في سوقه، بل لربما ذهاب الأمن سبب للجوع، فلا يستطيع الإنسان أن يعمل ويبيع ويشتري ويكتسب بسبب الخوف، فلربما لزم بيته. ولنا فيما حصل لأهل غزة عبرة وعظة: كيف لما ذهب الأمن وكثر الخوف جاء الجوع والشدة في المعايش والمآكل والمشارب. ولذلك في هذه الآية قدم الله عز وجل الخوف على الجوع، فقال: ﴿مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾، من الخوف والجوع، فلا شك أن الخوف أعظم من الجوع. نعم، ويدخل في الخوف ما نخاف منه من ذنوبنا، لأن الذنوب سبب لكل الويلات وسبب المخاطر والمخاوف والعقوبات الدينية والدنيوية. فمما ينبغي أن يتخوف منه المسلم الذنوب والمعاصي، فرب ذنب حرمك أمناً وأماناً، وصدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، أي بسبب ذنوبهم أبدل الله عز وجل الأمن خوفاً، أو أبدلهم الله عز وجل بالأمن خوفاً وبالرغد في العيش جوعاً بسبب إعراضهم. فهذا يدخل في معنى الخوف. وأما الجوع فيحمل على معنيين: المعنى الأول أن يحدث الله سبحانه وتعالى في العباد وباء وهو ما يسمى بوباء الجوع، بحيث يأكل الإنسان ولا يشبع. وهذا قد يبتل الله عز وجل به بعض عباده، وقد ذكر الشيخ العثيمين في هذا الشرح رياض الصالحين أن بلاد نجد في سنة من السنين جاءها هذا الوباء حتى سمى الناس هذه السنة سنة الجوع، أي يأكل الإنسان الشيء الكثير ولكنه لا يشبع، والعياذ بالله. قال: ربما يأكل الإنسان من التمر محفراً، تعرفون المحفر وعاء لا بأس به يوضع فيه التمر، فيأكل محفراً كاملاً في وقت واحد ولا يشبع، والعياذ بالله، ويأكل الخبز الكثير ولا يشبع. فهذا يدخل في معنى الجوع عندهم طعام، لكن هذا الطعام يصرفونه كثيراً لعدم شبعهم، فهذا يدخل في معنى الجوع. المعنى الثاني: الجدب والسنين التي لا يدر فيها ضرع ولا ينمو فيها زرع، هذا أيضاً من الجوع. ومن الجوع في أيامنا هذا قلة الأرزاق وضيق المعيشة وغلاء الأسعار، هذا يدخل في معنى الجوع. فلربما الإنسان ما يستطيع أن يشتري حاجاته الضرورية، ولربما إذا تغذى لا يجد ما يتعشى به، هذا يدخل في معنى الجوع. نسأل الله السلامة والعافية. وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ﴾، يعني نقص الاقتصاد بحيث تصاب الأمة بقلة المادة والفقر، ويتأخر اقتصادها، وترهق حكومتها بالديون التي تأتي نتيجة لأسباب يقدرها الله عز وجل. وهذا حاصل سواء كان على مستوى الشعوب والحكومات أو كان على مستوى الأفراد، فتجد نقصاً في الأموال وتراكم الديون على كثير من الناس، فهذا أيضاً من الابتلاء والاختبار الذي يبتلي الله عز وجل به عباده. وهكذا الأنفس، ويكون ذلك بالموت، إما أن يحل في الناس وباء يهلكهم ويقضي عليهم كالطاعون وغيرها من الأمراض، وإما بكثرة الحروب والقتال، سواء كان فيما بينهم أو فيما بينهم وبين عدوهم، فهذا أيضاً من الابتلاء. وقد ذكر أيضاً الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى أن في البلاد النجدية حدث فيها وباء عظيم وسموها تفاؤلاً سنة الرحمة، هذا من باب التفاؤل. فقال: هذا الوباء ما من بيت إلا ودخله، فمات ناس كثر، حتى قال يحدثه بعض الناس أن في الجامع الكبير بعنيزة في اليوم الواحد يصلون على سبع إلى ثمان جنائز في اليوم الواحد، وهي قرية صغيرة ليست مدينة كبيرة، بسبب هذا الوباء. هذا من هذا الباب: نقص الأنفس، ابتلاء من الله عز وجل. وهكذا الثمرات، يعني ما يكون هناك جوع ولكن تنقص الثمرات، إما أن تنزع بركتها فلا تثمر، أو تثمر وتصيبها جائحة، أو تثمر ولكن يكون طلعها صغيراً كما هو الحال في زماننا هذا، ونحو ذلك من النقص في الثمرات. فينبغي للإنسان أن يقابل هذه الابتلاءات بالصبر، ولذلك قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. بشر، بشارة من الله عز وجل للصابر. طيب، كيف الإنسان يصبر على ابتلاء الخوف؟ يصبر على ابتلاء الخوف أن يرضى وأن يرجع إلى الله وأن لا يعترض على قضاء الله، كما مر معنا، كما مر معنا. وهكذا الجوع: يصبر، يصبر فهو ابتلاء، فلا يذهب إلى الحرام. الإنسان إذا ابتلي بالجوع ثم شرق وغرب، أي كسب المال من الحرام، من الربا أو من الرشوة أو السرقة أو بيع ما حرم الله، أو كذلك الكسب في أمور محرمة أو نحو ذلك، فهذا دليل على عدم صبره، لأن تأكل التراب خير لك من أن تكسب درهماً من حرام. فواجب عليك أن تصبر، لا تذهب إلى سحرة، ولا إلى كذلك مكاسب محرمة، ولا إلى فرق ضالة من أجل أن يعطوك المال، لا تثبت على دينك، فهذا من الفتن والابتلاء. وهكذا كيف تصبر على نقص الأموال؟ بالصبر والتحمل وعدم التقهقر والسعي في نيل المال الحرام. وهكذا في الأنفس بالاسترجاع والصبر على قضاء الله. وهكذا الثمرات ونحو ذلك. فهذه الآية فيها بشارة عظيمة لمن صبر على مثل هذه الابتلاءات، على مثل هذه الابتلاءات. قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. من هم هؤلاء؟ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. رضوا بما قضى الله، وعلموا أن الله عز وجل هو المعطي سبحانه وتعالى، وهو كذلك القابض سبحانه وتعالى، فهو الباسط القابض سبحانه وتعالى، فيقابلون ذلك بالاحتساب والصبر. ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، يثني الله عز وجل عليهم في الملأ الأعلى، وهذه صلاة الله على عبده يذكره في الملأ الأعلى ويثني عليه في الملأ الأعلى ويرحمه. ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، يهديهم الله عز وجل ويشرح صدورهم بالإيمان والهداية. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. فسر هذا بأن المؤمن تصيبه المصيبة فيعلم أنها من الله فيصبر ويحتسب، فيهدي الله عز وجل قلبه. فهذه الآية فيها الحث على الصبر والبشارة العظيمة للصابرين، فينبغي للمؤمن أن يحقق هذه المعاني حتى ينال هذه الأجور العظيمة. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر