الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع تعريف الصبر لغةً وشرعاً كحبس النفس على طاعة الله، وعن محارمه، وعلى أقداره المؤلمة. ويوضح أن الصبر على الطاعة يتطلب مجاهدة النفس لتأدية العبادات كالصلاة في وقتها، مستشهداً بصلاة الفجر في الشتاء كمثال عملي.
يبين المقطع أن العبادات المالية ك الزكاة والحج تحتاج إلى صبر لمواجهة البخل وإيثار الراحة، كما أن ترك المحارم يتطلب صبراً لكبح النفس الأمارة بالسوء. ويشير إلى أن الصبر على أقدار الله المؤلمة واجب بينما تستوجب الأقدار الملائمة الشكر.
يشرح المقطع أن المصائب أنواع، وأن الناس إزاءها أربع حالات: التسخط، الصبر، الرضا، الشكر. ويوضح أن التسخط محرم ويكون بالقلب واللسان والجوارح، مستعرضاً صوره كاعتراض القلب، والنياحة، ولطم الخد، وشق الثوب، ورمي الأشياء.
يوضح المقطع أن التسخط الذي يظهر عبر الجوارح محظور شرعاً، ويشير إلى أن مواضيع الصبر والرضا والشكر ستؤجل للدرس القادم نظراً لانتهاء الوقت.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: الباب الثالث، باب الصبر. قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ﴾ [آل عمران: 200]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 155]، وذكر عدة آيات. الصبر في اللغة هو الحبس، وفي الشرع: حبس النفس عن ثلاثة أمور: حبس النفس على طاعة الله، وحبس النفس عن محارم الله، وحبس النفس على أقدار الله المؤلمة. فالصبر على طاعة الله: أن يصبر الإنسان على العبادة والطاعة، لأن الطاعة ثقيلة على النفس، والنفس بطبيعتها تحب الراحة والدعة، فإن لم تحملها على الطاعة والعبادة تثاقلت وتقاعست، فيصعب عليها العبادات والطاعة. فلذلك فكثير من الطاعة تحتاج منك إلى صبر. الصلاة تحتاج إلى صبر، فقد تدعوك نفسك إلى النوم والدفء في وقت صلاة الفجر خصوصاً، وفي وقت الشتاء، فالصبر على هذه الطاعة أن تترك هذا النوم وهذا الدفء، تستيقظ، تتوضأ، تذهب إلى المسجد، كل ذلك يحتاج منك إلى صبر. وما الفرق بين من يحافظ على الصلاة ويؤديها في وقتها، وبين من يتخلف عن الصلاة ويؤخرها عن وقتها؟ الفرق هو الصبر: ذاك المحافظ على الصلاة صبر على هذه الصلاة، وقام من نومه وراحته إلى تلك الصلاة، وذاك آثر النوم والدعة والراحة على فراشه على هذه الصلاة، هذا هو الفرق. كذلك من العبادات ما هي مالية، والنفس تحب المال، فإخراجك للمال في الصدقات الواجبة وفي الصدقات المستحبة تحتاج منك إلى صبر، ك الزكاة، في بعض الناس ربما يتلاعب بأمر الزكاة بخلا وشحا، فلا يؤدي الزكاة كما ينبغي وكما أمره الله، إما أن ينقص منها، وإما أن يؤديها في غير محلها لأغراض وأمور خاصة ونحو ذلك. كذلك عبادة الحج تحتاج منك إلى عدة أمور مالية وجسدية وبدنية، فإن لم تتحلى بالصبر ربما يفرط في أداء هذه الفريضة. كم من أناس ربما عنده القدرة المالية والبدنية على الحج ولكنه يتخلف بخلا وإيثاراً للراحة والدعة على أداء هذه الفريضة. إذن العبادة تحتاج منك إلى صبر. وأيضاً الصبر عن محارم الله، أي عن معاصي الله عز وجل، فإن النفس أمارة بالسوء، فإذا أطلقت لها العنان اقتحمت المحارم، فتدعوك إلى السوء، يحتاج منك إلى صبر، تصبر نفسك عن الربا، عن الرشوة، عن النظر إلى ما حرم الله، عن السماع إلى ما حرم الله، كل ذلك يحتاج منك إلى صبر ومصابرة، فيحبس الإنسان نفسه عن هذه المعاصي حتى لا يفعلها. والأمر الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة، وقيده العلماء بالمؤلمة لأن أقدار الله منها ما هو ملائم، ومعنى ملائم يعني محبوبة يحبها الإنسان، كل ذلك من قدر الله: تحصلت على وظيفة، هذا قدر محمود، قدر ملائم، وجدت مالاً، رزقك مولوداً، كل هذه أقدار ملائمة، فهذا تحتاج منك إلى شكر، تحتاج منك إلى شكر كما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]، أي من النعم، فالنعم أقدار ملائمة يحبها الإنسان. وهناك أقدار مؤلمة، أي لا تتلاءم مع الإنسان، فيبتلى مثل الإنسان في بدنه بمرض، أو في ماله بفقد، أو في أهله كذلك بفقد، أو نحو ذلك من المصائب، أجارنا الله عز وجل وإياكم منها. فإذن يصبر الإنسان نفسه أمام هذه المصائب. والصبر على المصائب يكون بالقلب واللسان والجوارح، بالقلب واللسان والجوارح، لأن الإنسان أمام المصائب له أربع حالات لا غير، إذا نزلت مصيبة الناس ينقسمون، أو الناس تجاه هذه المصائب لهم أربع حالات، هذه الحالات هي: التسخط، والصبر، والرضا، والشكر. التسخط: وهذا محرم عند المصيبة، وقلنا قد يكون التسخط بالقلب، والتسخط بالقلب بمعنى أنه يتسخط على ربه سبحانه ويعترض بقلبه على قدر الله سبحانه وتعالى، ويشعر كأن الله قد ظلمه بهذه المصيبة والعياذ بالله، فهذا هو التسخط بالقلب. وقد يكون التسخط باللسان، بأن يدعو بالويل والثبور، أو بالبكاء والنياحة، هذا مما نهى عنه الشرع، وجاء الوعيد الشديد في النائحة التي ترفع صوتها عند المصيبة، وأشد من ذلك أن تدعو بالثبور أي الهلاك، أو بالويل أي العذاب، تقول: يا ويلاه، يا ثبوراه، أو نحو ذلك، أو تسب الدهر بلسانها، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، يقلب الليل والنهار». فإذا هذا من التسخط باللسان. وقد يكون التسخط بالجوارح، بأن يلطم خده عند المصيبة، هذا بالجوارح، أو يصفع رأسه، أو ينتف شعره النتف، أو يشق ثوبه سواء كان ثوب الكم أو الرقبة أو غير ذلك، أو يرمي بالجوال، بعضهم إذا اتصل عليه وقيل له مصيبة رمى بالجوال، أو يضرب برأسه في الجدار، هذا كله من التسخط، أو يدخل إلى المطبخ ويرمي بالصحون، والتسخط عند المصيبة هذا كله بمعنى التسخط بالجوارح، ولذلك جاء النهي عنه. فهذا هو التسخط، ثم يأتي بعد ذلك الصبر والرضا والشكر، لعلنا نؤجل ذلك لانتهاء الوقت في درس قادم، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله أعلم نكتفي بهذا.