الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 167، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
أعلن المحاضر عن مجلس علمي غداً في مسجد ابن عباس لدراسة رسالة في العقيدة، ثم شرع في شرح باب «ما جاء في اللو» مبيناً استعمالات «لو» المحرمة كاعتراض على الشرع والقدر. استدل الشيخ بأقوال شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب وشرح ابن عثيمين في تفصيل هذه الأحكام.
استعرض المقطع أنواعاً محرمة لـ «لو» منها الاعتراض على القدر، والندم على الماضي، والاحتجاج بالقدر على المعاصي، والتمني للشر، مستدلاً بأقوال ابن عثيمين وابن القيم. بيّن الفرق الجوهري بين الاحتجاج بالقدر على المصائب وهو جائز، وعلى المعائب وهو محرم.
أوضح المقطع خمسة استخدامات محرمة لـ «لو» واستخدامين جائزين هما استعمالها في الخير والخبر المحض الخالي من اعتراض أو ندم. علل الشيخ عدم جزم المؤلف بالتحريم المطلق لوجود هذا التفصيل الدقيق في الاستعمال.
اختتم الشيخ الدرس الحالي مشيراً إلى أن الدرس القادم سيخصص لتطبيق الاستخدامات الخمسة المذكورة وما يتعلق بها من مسائل وفوائد. أنهى الجلسة بالاكتفاء بما تم طرحه من تفصيل لأحكام لفظة «لو».
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قبل أن نبدأ في الدرس، نحب أن نعلن عن مجلس علمي سيقام بإذن الله تعالى يوم غدٍ الخميس من بعد صلاة المغرب. وهذا المجلس سيكون في مسجد ابن عباس بزغفة، والكتاب الذي سيدرس أو سيقرأ في هذا المجلس اسمه: «قراءة وتعليق على رسالة فتية في بيان عقيدة أهل السنة» للعلامة جمال الدين محمد بن أبي الفضل التغلبي الشافعي رحمه الله. ومدرس هذا الكتاب الشيخ الفاضل أبو يوسف عبد المجيد الغيلي حفظه الله تعالى. وسيتحرك الباص إن شاء الله يوم غدٍ قبل المغرب إلى زغفة لمن أحب حضور ذلكم المجلس. وأنصح إخواني طلاب العلم باستغلال أوقاتهم، وكذلك بالاطلاع على مثل هذه الرسائل، لا سيما ودراسة مثل هذه الرسائل لا يأخذ منك جهداً كثيراً ولا وقتاً كثيراً، إنما هي مجلس واحد تأخذ فيه هذا الكتاب. نعمة عظيمة ومنة كبيرة، ما ينبغي في طالب علم عاقل لبيب أن يفرط في مثل هذه المجالس. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه «كتاب التوحيد»: «باب ما جاء في اللو». والمراد بقوله: «باب ما جاء في اللو» يعني في لفظة واستخدام لفظة «لو». فما الحكم في استخدامها؟ لأن بعض استخدامات هذه اللفظة تخالف التوحيد وتعظيم الرب سبحانه وتعالى. فلذلك استخدام هذه الكلمة في الألفاظ له عدة استعمالات: منها المحرم، ومنها الجائز. فحري بالمسلم أن يعلم المحرم منها فيجتنبه، ويعلم الجائز منها فيستخدمه. وخلاصة ما ذكر الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله في تفصيل استعمال هذه اللفظة ما يلي: أولاً: هناك استخدامات محرمة، وذكر منها خمسة. الأمر الأول: الاستخدام الأول المحرم، قال: «وقد يصل إلى الكفر أن تستعمل في الاعتراض على الشرع». في الاعتراض على الشرع: «لو ما شرع الله كذا، لو ما فرض علينا كذا، لو... لو». هذا فيه اعتراض على الشرع. ومثل له المؤلف كما سيأتي معنا من الأدلة التي أوردها في هذا الباب: قول المنافقين ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾. قال الشيخ ابن العثيمين: هذا اعترض المنافقون على تشريع الرسول، وقالوا: «لو أطاعون ورجعوا». لأن الرسول شرع ماذا؟ الخروج والجهاد. فقالوا: «لو أطاعون» يعني ما أطاعوا الرسول، وإنما أطاعون كما رجعنا ما قتلوا. فهم كأنهم يقولون: رأينا خير من شرعه، رأينا خير من شرعه. فهذه «لو» محرمة، بل قد تصل إلى الكفر إذا اعتقد هذا القائل أن شرعه أو أن قوله أفضل وخير من قول الله أو من شرع الله، ومن كذلك شرع رسوله عليه الصلاة والسلام. هذا لا يجوز. هذا الأول من استخدامات «لو» المحرمة. الاستخدام الثاني المحرم: أن تستعمل في الاعتراض على القدر. في الاعتراض على القدر. مثل له المؤلف بقول الله عز وجل: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾. أي: لو أنهم بقوا ما قتلوا. فهم يعترضون على قدر الله. كأن يقول قائل: «لو ما ذهب إلى الجبهة ما قتل». فهذا كالاعتراض على قضاء الله. «لو ما أركب السيارة لما كان من أهل الحادث ولما كان من الموت». هذا أيضاً كالاعتراض على القدر، كالاعتراض على القدر. فهذا أيضاً محرم ولا يجوز. والنوع الثالث من استخدامات «لو» والذي هو استخدام محرم: أن تستعمل للندم والتحسر. يندم المرء على فعل فعله، يقول: «لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا». كما سيذكر المؤلف في حديث أبي هريرة مثلاً: يقول: «لو أني حضرت مبكراً لما فاتني هذا المال». هذا تحسر وندم. هذا لا يجوز، هذا لا يجوز. كما جاء في الحديث: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل». فهذا استخدام للندم والتحسر. ومن الاستخدامات المحرمة لـ «لو» أيضاً: أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية. كما في قوله تعالى: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾. ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾. قال الشيخ ابن العثيمين: وهذا باطل، أن تستعمل الاحتجاج بالقدر على المعصية. يا فلان، ليش أنت تشرب الخمر؟ قال: «لو لم يقدر لي الله عز وجل شرب الخمر لما شربت». هذا أمر قدره الله. «لو ما قدر الله، لو ما شاء الله ما شربت الخمر، لو ما شاء الله ما تركت الصلاة». هذا يستخدم «لو» في الاحتجاج بالقدر على المعصية، على المعصية. قال الشيخ ابن العثيمين: لكن يصح الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب. ويعرف بأن يتوب العبد ويقلع عن المعصية. وقرر ذلك أيضاً ابن القيم، وقال: إذا تاب العبد من الذنب ثم احتج بما فعل من معصية سابقة قد تاب منها بالقدر، هذا لا بأس به. هذا لا بأس به. بأنه قد تاب وأقلع عن هذه المعصية، فهو لم يحتج بالقدر. لماذا؟ لأنه لم يتمادَ في هذه المعصية ولم يستمر فيها. فتوبته دليل على أنه لم يحتج بالقدر على هذه المعصية. لم يحتج بالقدر على هذه المعصية. قال: الرَّابِعُ - الخامس من استخدامات «لو» المحرمة: إن كان هذا الاحتجاج في شر. إذا كان هذا الاحتجاج في شر. يعني مثلاً يقول: «لو أن لي مالاً، لو أن لي مالاً سأشتري به خمراً، أو سأشتري به تلفازاً أنظر إلى المسلسلات وأنظر إلى الأغاني والنساء». فهنا «لو» استخدمها في الشر. وهذا جاء فيه الحديث المعروف: «وإنما الدنيا لأربعة: رجل آتاه الله علماً ومالاً فهو ينفق ماله في الحق ويعمل بعلمه». نحو هذا. فقال رجل: «لو أن لي مثل فلان لفعلت مثله». فهما في الأجر سواء. هذا في الخير. وفي الشر: رجل آتاه الله المال فهو ينفقه في الشر، في المعاصي. يقول: «لو أن لي مثل فلان لا فعلت فعله». فهما في الإثم أو الوزر سواء، في الوزر سواء. فلما استخدم «لو» في الشر أثم، والإثم لا شك أنه وقوع في الحرام، وقوع في الحرام. لكن لو استخدمت «لو» في الخير فهي خير، بل مستحب. إن تقول: «لو أن لي مال مثل فلان التاجر المنفق المتصدق المعطي للفقراء والمساكين ونحو ذلك لا فعلت مثله». هذا أمر مرغب فيه. «لو أن لي علم مثل فلان لعلمت الناس». «لو أني أحفظ القرآن لقمت به الليل كما فلان». هذا لا بأس به، بل هذا من استخدام «لو» الجائزة بل المستحبة. فإذا هذه خمسة استخدامات لـ «لو» لا يجوز أن تستخدم فيها: إن استعملت في الاعتراض على الشرع، هذا الأول. الثاني: الاعتراض على القدر. الثالث: أن تستعمل للندم والتحسر. الرابع: أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية. والخامس: أن تستخدم في شر. أن تستخدم في شر فهي شر، فهي شر. وهناك حالتان جائزتان في استخدام «لو»: الحالة الأولى: إذا استخدمت في الخير فهي جائزة بل مستحبة. والنوع الثاني: الاستخدام الثاني من الاستخدامات الجائزة: أن تستعمل في الخبر المحض. في الخبر المحض. مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وبعدما أنزل عليه نسك التمتع، قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة». فهنا قوله: «لو استقبلت» هذا من باب الخبر المحض، ليس من باب التحسر، ولا من باب كذلك الاعتراض والندم، لا. وإنما هذا من باب الإخبار، من باب الإخبار. فإذا كانت من باب الإخبار المحض الذي ما فيه شُوبَة اعتراض ولا ندم ولا تحسر، فهذا جائز. كما جاء في هذا الحديث. كما جاء في هذا الحديث. مثالاً تقول: «لو عمل الأستاذ الدرس أو الشيخ الدرس لحضر الناس». هذا من باب الخبر. تخبر، تخبر أن الشيخ لو كان موجوداً الناس تجمعوا وحضروا. ما فيه معنى الندم أو التحسر: لماذا لم يحضروا الشيخ؟ وإنما تريد أن تخبر أن حضور الشيخ سبب اجتماع الناس، سبب اجتماع الناس. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر: «لو أنه ما ساق الهدي ما أتى معه بهدي من المدينة لا كان متمتعاً في حجه وليس قارناً، وليس قارناً». وهكذا في الأخبار المحضة لا بأس أن تستخدم هذه اللفظة. ولذلك ما بوّب المؤلف: «باب تحريم استخدام لو». لأن من استخداماتها ما هو محرم، ومن استخداماتها ما هو جائز. فلما كان فيها هذا التفصيل لم يجزم بشيء. والأدل - والأدلة التي ذكرها تبين الاستخدام - الاستعمالات المحرمة. فقد ذكر آيتين وحديثاً. ولانتهاء الوقت في الدرس القادم إن شاء الله ننزلها على هذه الاستخدامات الخمسة وما فيها من مسائل وفوائد. فنكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.