التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 169

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 169

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 169، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

باب النهي عن سب الريح في كتاب التوحيد

يشرح المحور باب النهي عن سب الريح من كتاب التوحيد مبيناً أنه سخط على قدر الله ومدخل للشرك الأكبر إذا اعتقد الفاعلية للريح بذاتها، ومحرم إذا سبها مع الإيمان بتدبير الله. ويستدل بأقوال ابن عثيمين وأحاديث نبوية تحرم اللعن والسب عموماً للمؤمن والحيوان والميت والحمى مؤكداً دخول سب الريح في النهي العام.

النهي النبوي عن سب الريح وأمر الدعاء عند هبوبها

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الريح وأمر بالاستعاذة بالله من شرها وسؤاله خيرها عند رؤية ما يكره منها. ووضح أن الرياح فيها خير عظيم كتلقيح الأشجار وإثارة السحاب ونصر المؤمنين، وفيها شر كإهلاك الأمم وإتلاف الممتلكات، وأن المؤمن يلجأ إلى الله تعالى عند الشدائد.

التسليم لقضاء الله وقدره في مسألة سب الريح

يبيّن المحور تحريم سب الريح لأنها مخلوقة مأمورة من الله، ويرشد إلى الدعاء والاستعاذة بخيرها وشرها. ويؤكد وجوب التسليم لأمر الله الكوني والشرعي وعدم الاعتراض على قضائه وقدره.

الابتلاء والنوازل داعية للتوبة والإنابة

يوضح المقطع أن المصائب والنوازل تنزل بالناس لحثهم على الرجوع إلى الله والتوبة من الذنوب والمعاصي مستشهداً بعدة آيات قرآنية تؤكد هذا المعنى. ثم يختم المحاضرة لانتهاء الوقت المحدد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب النهي عن سب الريح. وهذا الباب قريب جداً من باب سبق معنا، وهو باب: "من سب الدهر فقد آذى الله". لأن الباب المتقدم في سب الدهر عامة، وهذا الباب في سب شيء يقع في هذا الدهر خاصة، وهو الريح. ومناسبة هذا الباب للذي قبله: والباب الذي قبله في استخدام كلمة "لو" في الاعتراض على القدر أو التسخط ونحو ذلك. فالباب الذي قبله في النهي عن السخط من قضاء الله وقدره، وسب الريح نوع سخط من قدر الله، ونوع من أنواع السخط من قدر الله. فهذا الباب له تعلق ببعض الأبواب المتقدمة. وخلاصة هذا الباب: تحريم سب الريح. لا يجوز أن تسب الريح، لماذا؟ لأنه سب لمسخرها ومدبرها، وهو الله سبحانه وتعالى. فهذا مما ينهى عنه. يقول الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله: "سب الريح على التفصيل الذي تقدم في سب الدهر". فلو سألنا سؤالاً: ما حكم سب الدهر؟ فيقال: حكم سب الريح كحكم سب الدهر. فمن سب الريح، ما يكون شركاً أكبر، وذلك إذا اعتقد أنها فاعلة بذاتها، أن هذه مثلاً الريح الباردة أو هذه الريح الشديدة هي بذاتها التي تؤثر، وكذلك التي تضر أو نحو ذلك. فهذا لا شك أنه من الشرك الأكبر، مثل ما مر معنا في سب الدهر. وقد يكون سب الريح محرماً، إذا سبها مع اعتقاد أن الله هو المصرف لها، وليست هي بذاتها الفاعلة، وإنما سبها لما فيها من أذيته بسبب هذا الريح، سبها لذلك وهو يعتقد أن الله هو المصرف لها. فهذا لا يجوز ومحرم. ويقول الشيخ ابن عثيمين أيضاً: "أفرده المصنف هنا لكثرة وقوعه، وهو داخل كما تقدم في سب الدهر، فهو كذكر الخاص بعد العام". كذكر الخاص بعد العام، وذكر الخاص بعد العام يفيد الاهتمام. فذكر سب الريح بعد سب الدهر هذا لكثرة وقوع ذلك من الناس. كثير من الناس يسب الريح، يسب الريح، وسب الريح إما لشدة حرها، أو لشدة برودتها، أو لقوتها، أو نحو ذلك. فلذلك أفرده المصنف هنا لكثرة وقوعه. يقول ابن عثيمين: "وقد ورد النهي عن اللعن والسب عموماً في أشياء كثيرة: لا يجوز سب المؤمن، ولا سب حتى الحيوان، وهكذا حتى الأموات، وهكذا حتى الأمراض. ومن ضمنها نُهي عن سب الريح؛ لأن في ذلك تنقصاً لمدبر ومصرف هذه المخلوقات". وقد ورد النهي عن سب المؤمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء». هذا عام: المؤمن لا يسب، لا ريحاً، ولا حيواناً، ولا دهراً، ولا شيئاً. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة». واللعن من السب، اللعن من السب. وكذلك ورد النهي عن سب المسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». وكذلك في سب الأموات جاء النهي عن ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا». وكذلك في سب الدواب والحيوانات جاء النهي عن ذلك، فلما لعنت تلك الدابة أو الناقة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة». وكذلك جاء النهي في سب الحمى، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الحمى». وجاء كذلك النهي عن سب الريح كما في هذا الباب. فعن أبي بن كعب، قال المؤلف رحمه الله: فعن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به». صححه الترمذي، يعني أخرجه الترمذي وصححه، والحديث كذلك صحيح، يصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وجاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام: «نُصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور». وهذا فيه معنى هذا الحديث: أن في الرياح ما هو خير، وفي الرياح ما هو شر. فمن خير هذه الريح ما وقع في غزوة الخندق، غزوة الأحزاب، فأرسل الله عز وجل تلك الريح وهي الصبا، والصبا هي الريح التي تهب من مشرق الشمس، من مشرق الشمس، فنصر المسلمون بهذه الريح، فهي خير لهم. وأهلكت عاد بالدبور، فهذه كذلك خير لأهل الإيمان؛ لأن هؤلاء القوم ممن كفروا بالرسل. والدبور هي الريح التي تهب من مغرب الشمس. الشاهد من هذا: أن من الريح ما يكون فيها الخير، ومن الريح ما يكون فيها الشر. فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله من خير هذه الريح. ومن خير هذه الريح - كما ذكر بعض أهل العلم -: لولا هذه الرياح لأنتنت الأرض. تصور أن الريح غير موجودة، الأرض دائماً وهي ساكنة من غير الرياح لأنتنت الأرض. فهذا من خير الرياح. وكذلك: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. من فوائد الرياح أنها تلقح الأشجار فتثمر هذه الأشجار وتطلع فيها الثمار. هذا أيضاً من خير هذه الريح. فالرياح فيها خير كثير لمن تدبر ولمن تمعن. كذلك من فوائد الريح ومن خيرها: أن الله عز وجل يرسلها بين يدي المطر، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، يعني بين يدي هذه الأمطار التي بها حياة العباد والبلاد. كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. فالرياح فيها فوائد عظيمة، وفيها خير عظيم. وقد تكون الرياح كذلك فيها من الشر، فتأتي الرياح الباردة التي لربما يضرر منها الإنسان، أو الرياح العاتية الشديدة، فتقلع الأشجار وتهدم المساكن، وهكذا تضر بالناس. فإذا جاءت هذه الرياح الشديدة، أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ بالله من شرها، ومن شر ما أمرت به. فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون...». إذا رأيتم ريحاً شديدة في حرها، أو في بردها، أو في قوتها، أو في سرعتها، أو نحو ذلك، فقولوا: «اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح...». ألجئوا إلى الله، فهو مدبرها وهو مسخرها، فالذي أمرها قادر أن يأمرها بالذهاب والكف. فتسأل الله عز وجل من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، وتقول: «ونعوذ بك من شر هذه الريح». تستعيذ بالله وتلجأ إلى الله من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به. وهذا فيه: أن المؤمن عند الشدائد والمكرهات يلجأ إلى الله. وهذا فيه معنى من معاني التوحيد. ولذلك قال الشيخ سليمان في "تيسير العزيز الحميد" عند هذا الحديث: "فهذا ما أمر به صلى الله عليه وسلم وفعله عند الريح وغيرها من الشدائد المكرهات". قال: "فأين هذا ممن يستغيث بغير الله من الطواغيت والأموات؟ فيقولون: يا فلان! أي: من أوليائهم، وممن يدعونهم من دون الله، فيقولون: يا فلان، الزمها! أو أزلها! ومعنى الزمها: يعني اذهب بها، اذهب بها، أو نحو ذلك. قال: فالله المستعان". ينبغي للمؤمن أن يعلق قلبه بالله، وأن لا يسب هذه الريح لما يرى فيها من الضرر، بل يلجأ إلى الله، ويدعو الله عز وجل أن يعطيه من خيرها، وأن يكفه عن شرها، وأن يكفها عنه. هذا هو ما أراده المؤلف من ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد. وجاء أيضاً في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الريح من روح الله، تأتي بالرحمة وبالعذاب، تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوها، ولكن سلوا الله من خيرها، وتعوذوا بالله من شرها». هذا الحديث أيضاً بمعنى حديث أبي المتقدم، حديث أبي المتقدم. وفيه: أن الرياح تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب. فقد تكون سبباً للفيضانات، وسبباً لقلع الأشجار، ونحو ذلك مما هو معلوم، ومما هو واقع في كثير من البلاد، وفي بعض الأزمان. قال: المسائل: الأولى: النهي عن سب الريح. وقلنا: هذا النهي للتحريم؛ لأن سبها سب لمن خلقها وأرسلها، وهو الله سبحانه وتعالى. الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع. إذا رأى الإنسان ما يكره، إذا رأى الإنسان ما يكره، لا يسب، ولا يأتي بالكلام البذيء، بل يأتي بالكلام النافع. ومن الكلام النافع: الدعاء. من الكلام النافع: الدعاء والالتجاء إلى الله عز وجل. أما السب والسخرية والشتم واللعن ونحو ذلك، فهذا لا يزيد ما أتت به هذه الريح من أذى إلا شدة وقربة. الثالثة: الإرشاد لأنها مأمورة. من الذي أمرها؟ الذي أمرها هو مدبرها ومسخرها، وهو الله سبحانه وتعالى. وأُخذ ذلك من قوله في هذا الحديث: «وخير ما أُمِرَت به»، فهي مأمورة من الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يسخرها، وهو الذي يدبرها، وهو عالم بما يكون فيها. الرابعة: أنها قد تؤمر بخير، وقد تؤمر بشر. قال الشيخ العثيمين: "والحاصل: أنه يجب على الإنسان أن لا يعترض على قضاء الله وقدره، وأن لا يسب، وأن يكون مستسلماً لأمره الكوني، كما يجب أن يكون مستسلماً لأمره الشرعي. فالمؤمن يؤمن بأمر الله القدري، وهو ما يقدره عليك، وهذا من الإيمان بقضاء الله وقدره. فتستسلم لما قدر الله عز وجل في كونه من الأقدار المؤلمة. وهذا كما تقدم من الإيمان بالقضاء والقدر. كما أنك مأمور بأن تستسلم لأمره الشرعي: أمرك بالصلاة تصلي، أمرك بالصوم تصوم، أمرك بالحد عند الزنا أو عند السرقة تستسلم لحكم الله ولا تعترض، ولا كذلك تبدل شرع الله عز وجل. فكذلك في حكمه الكوني القدري يجب عليك أن تستسلم لأمر الله سبحانه وتعالى". قال: "لأن هذه المخلوقات لا تملك أن تفعل شيئاً إلا بأمر الله. لماذا تسبها؟ هل هي بذاتها التي فعلت ذلك؟ لا، وإنما أمرها الله عز وجل ودبرها الله سبحانه وتعالى. فله الحكمة البالغة، له الحكمة البالغة سبحانه وتعالى". من ذلك كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم مبيناً: أن ما ينزل بالناس إنما هو من أجل أن يرجع إليه، ومن أجل أن يتوب ويترك ما هم عليه من المخالفات، ومن الذنوب والمعاصي ونحو ذلك. وردت آيات كثيرة بهذا المعنى. طيب، نكتفي بهذا. انتهاء الوقت. وإلى هنا، والله تعالى أعلم.