التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 171

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 171

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 171، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سوء الظن بالله في سورة الفتح وصفات المنافقين

يفسر المقطع آيات سورة الفتح المتعلقة بسوء ظن المشركين والمنافقين بهلاك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مبيناً أن هذا الظن من صفات الكفر والنفاق لا الإيمان. ويستعرض تفسير ابن القيم لسوء الظن بأنه إنكار لحكمة الله وقدره وظن بأن الدين سيضمحل ولا يتم.

حسن الظن وسوء الظن في ضوء وعد الله وحكمته

يوضح المقطع أن ظن غلبة الباطل على الحق يعد سوء ظن يناقض وعد الله بنصر المؤمنين وحكمته في قضائه. ويبين أن السلامة من هذا الداء لا تكون إلا بمعرفة أسماء الله وصفاته، مختتماً بوجوب محاسبة النفس والتوبة من التعنت على القدر.

سوء الظن والاعتراض على القدر وأمثلة عملية

يعرف المقطع التعنت على القدر بأنه اعتراض وسوء ظن بالله، ضارباً أمثلة كاستنكار بلاء الصالحين أو موت الشباب وبقاء المرضى. وينقل دعوة ابن القيم لمراجعة النفس، مع ذكر حديث النهي عن تمني الموت وتعليق ابن عثيمين على صور سوء الظن وعلاجها.

ختام الدرس وتأجيل تتمة الموضوع للجلسة القادمة

أعلن المحاضر انتهاء الوقت المحدد للدرس وقرر تأجيل بقية الموضوع للجلسة القادمة. وختم الجلسة بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم بالصواب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، قال: وقوله تعالى: ﴿فَالظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾. هذه الآية نزلت في المراد بهم المنافقون والمشركون، فهي في سورة الفتح حين ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى مكة عام الحديبية، فظن المشركون والمنافقون أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه سيقتلون ولن يرجعوا أبدًا، فهذا من سوء ظن المشركين والمنافقين، فدل ذلك على أن سوء الظن ليس من صفات أهل الإيمان، وإنما هو من صفات أهل الشرك والنفاق. وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾، قال الشيخ ابن العثيمين: فالسوء محيط بهم جميعًا من كل جانب، بمعنى أن حياتهم كلها قائمة على سوء الظن بالله سبحانه وتعالى. ثم ذكر المؤلف رحمه الله كلامًا قيمًا جميلًا بديعًا لابن القيم عليه رحمة الله، وقد ذكر هذا الكلام كما سيأتي من كلام العثيمين في "زاد المعاد" عقب غزوة أحد، وتحت الحكم والغايات المحمودة التي كانت فيها. فيقول ابن القيم في الآية الأولى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، قال: فُسِّر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، يعني: سينتهي. هذا من تفسير سوء الظن في هذه الآية. وفسِّر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسِّر بإنكار الحكمة وإنكار القدر، وكما تقدم معنا أن أفعال الله عز وجل مقرونة بالحكمة، وأن إنكار القدر إنما هو من صنيع القدرية. قال: وإنكار أن يتم أمر رسوله، يعني: أن ينتصر هذا الدين ويكمل ويظهر، وأن يظهره على الدين كله. وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون والمشركون في سورة الفتح، في قوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾. قال: وإنما كان هذا ظن السوء لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، ظن غير ما يليق به سبحانه، فلا يليق أن يظن بالله أن أفعاله سفه من غير حكمة، ولا يظن بالله عز وجل أن يكون في الكون ما لا يقدره. ومن سوء الظن بالله عز وجل أن يظن أن الله لا ينصر رسوله ولا ينصر أتباع رسوله عليه الصلاة والسلام. ومن سوء الظن بالله عز وجل أن يظن أن هذا الأمر سينتهي، وأن هذا الدين سيذهب ولا يكون له أنصار ولا يبقى في الأرض، ونحو ذلك. كل هذا من سوء ظن المنافقين والمشركين. قال: لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فهو القائل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، وهو القائل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، وهو القائل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وغيرها من الآيات التي تدل على وعده لعباده المؤمنين، وعلى قدره وحكمته وحمده سبحانه وتعالى. قال: فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق... ومعنى "يديل" قال: نعم، ومعنى "يديل" أن يجعل الدائرة والغلبة للباطل على الحق ثابتة دائمًا، هذا معنى "يديل". يعني: يعتقد أو يظن أن الله عز وجل يجعل الدائرة والغلبة للباطل على الحق ثابتة دائمًا. وإنما قد في بعض الأحيان يضعف أهل الإيمان، لكنهم لا يموتون، أي: لا يموت الحق الذي معهم، ولا ينتهي، ولا يضمحل، بل يبقى ما بقيت السماوات والأرض. لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي وعد الله. فالدين والحق باقٍ ما بقيت السماوات والأرض. فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة، أي: ثابتة، يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره بحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، فإن الله عز وجل يحمد لكمال أسمائه وصفاته، ولعظيم إنعامه. فمن أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، يعني: من غير حكمة، فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار. ثم قال: وأكثر الناس... وكأنه يلمح إلى بعض من ينتسب إلى الإسلام من غير المشركين والمنافقين. فقال: وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، كما مر معنا من كلام ابن عثيمين أن سوء الظن له متعلقان: متعلق بما يفعله في هذا الكون سبحانه وتعالى، ومتعلق بما يفعله بك أنت. فقوله هنا: "وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم"، وفيما يفعله بغيرهم، وهذا ما متعلقه ما يفعله في خلقه وفي كونه سبحانه وتعالى. قال: ولا يسلم من ذلك، أي: من هذا السوء الظن، إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده. ليعتني اللبيب الناصح لنفسه، فليعتني اللبيب الناصح لنفسه بهذا، يعني: يفتش عن نفسه ويختبر نفسه، أهو محقق لحسن الظن بالله عز وجل أو ليس كذلك. قال: وليتب إلى الله ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء. قال: ولو فتشت من فتشت لا رأيت، وهنا من باب التهويل والتعظيم، بمعنى أن هذا الأمر يقع فيه كثير منا. فلو فتشنا عن قلوبنا أو عن أنفسنا وعيوبها لرأينا أن عندنا شيئًا من هذا الأمر. ولذلك قال: ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتًا على القدر. ومعنى "تعنتًا" يعني: اعتراضًا، والاعتراض على القدر من سوء الظن بالله عز وجل. وهذا يقع عند كثير من الناس. فمثلًا: بعضهم إذا نزل أمر فيه بلاء وشدة على شخص طيب، شخص يعني ذو أخلاق عالية، يقول: "فلان ما يستاهل، فلان ما يستاهل". هذا فيه سوء ظن بالله عز وجل. لماذا ما يستاهل؟ لعل هذا الأمر خير له، لعل هذا الأمر خير له. فالله عز وجل ما ابتلاه إلا ليسمع تضرعه ورجوعه وتوبته وإنابته إلى ربه سبحانه وتعالى. لعل على كاهله ذنوبًا يريد الله عز وجل أن يحطها عنه بهذا البلاء. فهو الآن يستاهل أو ما يستاهل إذا كانت هذه الأمور واقعة بسبب هذا البلاء. نعم، فكيف أن تقول: "فلان ما يستاهل"؟ هذا من الألفاظ التي أنكرها أهل العلم، وفيها شيء من الاعتراض على قدر الله، وفيها سوء ظن بالله عز وجل، وأن الله أراد الشر بهذا العبد أو نحو ذلك. فهذا موجود، وقد ينطق به من عرف بالصلاح لربما، وبالخير، وبالأخلاق الفاضلة أو نحو ذلك. فهذا معنى كلامه: "ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتًا على القدر، وملامة له، يلوم هذا القدر، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا". إنسان مثلًا شاب، وهذا الشاب لا يشكو من مرض ولا شيء، فالله عز وجل قبض روحه، فيأتي إنسان ويقول: "ما قبض إلا روح هذا، فلان مريض سنوات وهو على الفراش، هو أحق بالموت". هذا سوء ظن بالله عز وجل، وهذا اعتراض على قضاء الله وقدره، على قضاء الله وقدره. ما يدريك؟ لعل الله عز وجل قبض هذا الشاب حتى لا يقع في فتنة قادمة لربما ما يسلم منها، فكان الموت خيرًا له. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت لبلاء نزل به، وإنما يقول: اللهم أحيني ما علمت أن الحياة خيرًا لي، وأمتني ما علمت أن الموت خيرًا لي». فأنت لا تدري، الموت أهو خير لك أم ليس بخير لك؟ فأمرك إلى الله، فهو الذي يقدر لك ما يراه سبحانه وتعالى بحكمته ومشيئته عز وجل. قال: "وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر"، يعني: بعض الناس عنده في هذا الباب اعتراضات كثيرة، وبعضهم عنده ولكنها اعتراضات يسيرة قليلة. قال: "وافتش نفسك، هل أنت سالم؟" هذا الخطاب لشيخ الإسلام ابن القيم، لي ولك ولكل أحد. افتح نفسك، هل أنت سالم؟ فإن تنجو منها تنجو من ذي عظيمة، وإلا فإني لا إخالك ناجيًا، أي: لا أظنك ناجيًا. هذا كلام عظيم لابن القيم عليه رحمة الله، نقله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في أصل كتابه "كتاب التوحيد". والشيخ ابن عثيمين له تعليق على هذا الأثر، وتلخيص، لخص هذا الأثر بصور سوء الظن فيها، كلام من القيم، وكذلك العلاج من سوء الظن. ولانتهاء الوقت، إن شاء الله تعالى نأخذ ذلك في الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر