التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 20

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 20

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم مشابهة أهل الباطل والتحذير من فتنة الدنيا

المحور يتناول تحريم مشابهة المشركين وأهل الباطل كما جاء في القرآن والسنة، ويحذر من فتنة الدنيا وتنافسها. يُبين أن الله عز وجل نهى الأمة عن التشبه بأهل الكفر والباطل.

تحذير النبي من التنافس في الدنيا وفتنة المال

النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحذر أصحابه من فتنة الدنيا وتنافسها، ويشير إلى أن الفقر ليس ما يخشاه عليهم بل هو تنافسهم في الدنيا. التنافس الحقيقي لأهل الإسلام يجب أن يكون في أمور الآخرة.

سوء استخدام المال وعواقبه

المحور يحذر من الاستخدام الخاطئ للمال ويضرب مثلاً بالنبات السام الذي يقتل آكله، ويشبه المال بالخضر الحلو الذي يجب أن يعطى للمحتاجين. يوضح أن من يأخذ المال بغير حقه يتحمل وزر ذلك يوم القيامة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمد وتعالى ونستعين ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد ذكرنا فيما ذكر الشيخ الإسلام رحمه الله في اقتضاء صراط المستقيم في بيان الأدلة التي تحرم مشابهة المشركين، وذكر أو فيما ذكرنا آخرة ما ذكر الله عز وجل من المقارنة في قول الله جل وعلا: ﴿كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخاضوا كما خاضوا﴾، وذكر مشابهة هؤلاء، مشابهة أهل الباطل لغيرهم من أهل الباطل. فلهذا نهى الله عز وجل هذه الأمة أن تتشبه بأهل الباطل وأهل الكفر، ثم ذكر بعض الآثار عن السلف في تفسيرهم مثل هذه الآية، وما قال ابن عباس: «ما أشبه الليلة بالبارحة، أولئك بنو إسرائيل شبهنا بهم»، ثم قال: وأما السنة، فجاءت بالإخبار بمشابهتهم في الدنيا وذم ذلك والنهي عن ذلك. حتى في أمور الدنيا لا ينبغي لأهل الإسلام أن يتشبهوا بأهل الكفر من اليهود والنصارى وغيرهم، وخاصة اليهود والنصارى لأن النفس تميل إليهم؛ لأنهم أهل دين، فلهذا جاءت الآيات والأحاديث بالنهي عن مشابهتهم، سواء كان في أمور الدنيا أو في الدين، أي في كل ما اختصوا به. قال: فأما الأول الذي هو الاستمتاع بالخلاق، المراد الاستمتاع بالخلاق، أي بالدين، فالله ذكر المؤلف رحمه الله قول المفسرين أن المراد بالخلاق هو الدين أو النصيب والحظ، والمراد بالنصيب والحظ هنا في هذه الأمة هو الدين. ﴿كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم﴾ أي بدينهم الذي كانوا عليه، أو أنه سواء كان أنزل عليهم أو أنه محرف، والغالب أنه الدين المحرف، ﴿فاستمتعوا بخلاقهم﴾ أو أنه عبادة الأوثان كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم وخاضوا كما خاضوا. قال: ففي الصحيحين عن عمر بن عوف الأنصاري قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد صالح أهل البحرين على أن يدفعوا الجزية. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين رآهم، وكان من دعه هذا أنه كان يتبسم إذا لقي إخوانه، حتى قال جرير بن عبد الله البجلي: «ما رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا تبسم في وجهي منذ أسلمت»، وقال: «ما رأيته منذ أسلمت إلا تبسم لي»، وهو القدوة عليه الصلاة والسلام في أخلاقه وفي أقواله وفعاله صلى الله عليه وسلم. قال: ثم قال أي النبي عليه الصلاة والسلام: «أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين»، فقالوا: أجل يا رسول الله، فقال: «أبشروا وأملوا ما يسركم، والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم». فهنا وجه الشبه أنهم يتنافسون في الدنيا ويتركون دين الله جل وعلا، فهذا التنافس في الدنيا هو من شأن اليهود ومن شأن النصارى ومن شأن الكفار، ليس من شأن أهل الإسلام، وأما أهل الإسلام فيتنافسون في الآخرة وفي أعمال الآخرة، ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض﴾، وقال الله عز وجل في ذلك: ﴿فليتنافس المتنافسون﴾ أي في أمر الآخرة. وكما قال الحسن رحمه الله: «من نافسك في الدنيا فارمها في نحره»، فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يخاف فتنة الفقر، وإنما يخاف بسط الدنيا وتنافسها وإهلاكها، وهذا هو الاستمتاع بالخلاق المذكور في الآية. قالوا: في الصحيحين عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: «إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أوتيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها». قال: فكان آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وهذه الزيادة من أخرجها لمسلم رحمه الله، قال في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه مع الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم، أي قوم أنتم؟». قال عبد الرحمن بن عوف: «نكون كما أمرنا الله عز وجل»، وفي رواية: «نقول كما أمرنا الله عز وجل»، أي نحمده ونشكره على هذه النعمة، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أو غير ذلك؟»، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون أو تتباغضون»، ثم تنطلقون إلى مساكين المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض. قال: ففي الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله، فقال: «إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها»، فقال رجل: «ويأتي الخير بالشر يا رسول الله؟»، قال: فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: ما شأنك تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يكلمك؟ قال: ورأينا أنه ينزل عليه الوحي، فأفاق يمسح عنه الرحضاء. فقال عليه الصلاة والسلام: «أين السائل؟»، وكأنه حمده، فقال: «إنه لا يأتي الخير بالشر، وإنما الخير يأتي بعده خير»، لكن قال: «أين السائل؟»، قال: «وخير هو»، ثلاثا، إن الخير لا يأتي إلا بالخير، هذا الأصل. قال: وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم، إلا آكلة الخضر، فإنها تأكل حتى إذا امتدت خاصرتها استقبلت عين الشمس فثلطت، ثم رتعت، وهذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وإن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه وزر يوم القيامة.