الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 172، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع ثلاثة أوجه لسوء الظن بالله: ظن ثبات غلبة الباطل، إنكار القضاء والقدر، وإنكار حكمة الله في الابتلاء. ويبين العلاج بثلاثة أسس: معرفة الأسماء والصفات، العناية بتعلم هذا العلم، والتوبة والاستغفار كدليل على حسن الظن عند البلاء.
يذكر المقطع أن من أسباب حسن الظن بالله ظن السوء بالنفس واعتبار المصائب بسبب التقصير مما يدفع للتوبة. كما أن قراءة القرآن بتدبر وقراءة سير الأنبياء والصحابة تزيد الإيمان وحسن الظن عند الابتلاء.
يستعرض المقطع نماذج من حسن الظن بالله عند الأنبياء والصحابة والعلماء مثل النبي محمد وموسى وأبي بكر والإمام أحمد. ويبين آيات سوء الظن في آل عمران والفتح، ويؤكد أن علاجه بمعرفة أسماء الله وصفاته والتدبر في القرآن والسيرة.
يُختتم الدرس بالتنبيه إلى أن سوء الظن بالله ينقص من تعظيمه. ويُشير إلى الانتقال في الدرس القادم إلى الباب التالي.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد تقدم في الدرس الماضي قراءة ما ذكره ابن القيم فيما يتعلق بسوء الظن، وقد ذكر في هذا الكلام الداء وذكر الدواء، فلذلك لخص العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله كلام ابن القيم، فقال: هذا الكلام ذكره ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد عقيبة غزوة أحد تحت بحث الحكم والغايات المحمودة التي كانت فيها. وخلاصة ما ذكره في ظن السوء أولاً: وهذا هو الداء، أن يظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق. وعرفنا ما معنى يديل، يعني يجعل الدائرة والغلبة للباطل على الحق ثابتة ودائمة، فهذا من سوء الظن. قال ثانياً: أن ينكر كون ما جرى بقضاء الله وقدره، وكيف يكون في ملكه ما لا يريد، وهذا أيضاً من سوء الظن، فالقدرية نفاة القدر لا شك أنهم أولى من يدخلوا في هذا المعنى. قال ثالثاً: أن ينكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، ولذلك المؤمن الذي يحسن الظن بربه إذا ابتلاه الله عز وجل بالأقدار المؤلمة فإنه يعلم أن الله عز وجل أرحم به من أبيه وأمه، ولعل هذا البلاء فيه من المنافع وفيه من الخير لهذا المبتلى ما لا يعلمه إلا الله، فيزداد حمداً وشكراً لله سبحانه وتعالى. وأما من تسخط واعترض على القضاء والقدر فهذا من سوء الظن، هذا هو المرض. وأما العلاج، قال: وخلاصة ما ذكره للعلاج من ظن السوء أولاً: معرفة الأسماء والصفات معرفة حق لا معرفة تحريف وتأويل، فمن أثبت الأسماء والصفات كما وردت في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل فقد عرف الله عز وجل حق المعرفة، فلا تراه إلا محسناً الظن بالله سبحانه وتعالى. قال ثانياً: أي من علاج سوء الظن، اهتمام العاقل بهذا حتى يظن بالله ظن الحق لا ظن السوء، ظن الجاهلية، يعني اهتمام العاقل بمعرفة أسماء الله وصفاته، فتعلم هذا الباب والاعتناء به ومعرفة معاني هذه الأسماء والصفات من أعظم العلوم التي ينبغي أن يعتني بها العاقل وأن يدرسها وأن يتقنها، فإن شرف العلم بشرف المعلوم، فمن أشرف العلوم تعلم العلم الذي يختص بمعرفة أسماء الله وصفاته. قال ثالثاً: من أسباب علاج سوء الظن الرجوع إلى الله بالتوبة من المعصية إلى الطاعة والاستغفار، فهذا الرجوع دليل حسن الظن بالله، وأن الله عز وجل ما أصابه بما أصابه به من هذه الأقدار المؤلمة إلا بسبب معاصيه، كما قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾، وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فمن يحسن الظن بربه إذا ابتلاه الله عز وجل ببلاء يرجع إلى نفسه بالملامة، ويرجع إلى نفسه بسوء الظن، لا يسيء الظن بالله سبحانه وتعالى، فالتوبة دليل حسن الظن بالله سبحانه وتعالى. وهكذا من أسباب حسن الظن بالله عز وجل أن تظن بنفسك السوء، فالإنسان محل النقص والسوء، لا تظن بالله عز وجل السوء، وإنما ظن بنفسك أن ما أصابك بسبب تقصيرك وبسبب ذنبك وبسبب معاصيك، فيدفع كذلك إلى ما تقدم من التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا مما ذكره العلماء من علاج سوء الظن أن تقرأ القرآن لتعلم حال من أحسن الظن بربه وحال من أساء الظن بربه، فتزداد إيماناً وحسن ظن بالله عز وجل عندما تقرأ ما أكرم الله عز وجل به عباده المؤمنين الذين أحسنوا الظن بربهم عز وجل في غزوة الأحزاب، ابتلي المؤمنون بلاء عظيماً، فظهر أهل النفاق بسوء ظنهم، فقد قال الله عز وجل واصفاً هذه الغزوة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾. هناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، وصف القرآن عظيم للحال الذي كان عليها أهل الإيمان والشدة، لكن ماذا قال أهل الإيمان؟ قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، حسن ظن بالله عز وجل، ما ظنوا ظن السوء وأن الكفار سيستأصلونهم ويقتلونهم ويبيدونهم أبداً، ما ظنوا هذا الظن، ذلك ظن المنافقين والكافرين، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، سوء ظن بالله عز وجل، قالوا: ما وعدنا الله من النصر والتمكين، لما رأوا الأحزاب تجمعت وظنوا أن هؤلاء الأحزاب سيبيدون أهل الإسلام، فذلك كان ظنهم. نعم، قالوا: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. من يقرأ القرآن بتدبر وتمعن والنظر في حال أهل الإيمان وأهل النفاق يزداد إيماناً بالله عز وجل ويزداد يقيناً وحسن ظن به سبحانه وتعالى. وهكذا من أسباب علاج سوء الظن كذلك قراءة سير الأنبياء والمرسلين والصحابة والعلماء الربانيين، كيف أحسنوا الظن بالله عز وجل فيما يبتليهم الله سبحانه وتعالى به. علمتم ما وقع في عهد أبي بكر الصديق وقبله في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، نعم، ابتلي النبي صلى الله عليه وسلم بتلاءات عظيمة ومنها الهجرة، هاجر عليه الصلاة والسلام وخرج من مكة مع الصديق رضي الله تعالى عنه، ومكث في غار ثور والمشركون يبحثون عنهم، يقول أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله لو نظر أحدهم - وهم يبحثون عنهم، هم في الغار والمشركون حولهم يبحثون - فيقول أبو بكر: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدميه أو إلى قدمه لرآنا، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ عصم الله عز وجل، وأن المشركين لم ينالوا من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا في حديث جابر لما كان النبي صلى الله عليه وسلم نائماً تحت شجر بعدما تفرق الصحابة، فجاء رجل ورفع على النبي صلى الله عليه وسلم السيف وهو يقول للنبي صلى الله عليه وسلم بعدما استيقظ رسول الله: من يمنعك عني؟ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم بكل ثقة وحسن ظن بالله عز وجل: الله، فسقط هذا السيف من يد هذا الرجل، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ورفعه على هذا الرجل، فقال له: من يمنعك مني؟ فقال له: كن خير آخذ. انظروا يا عباد الله إلى حسن الظن بالله عز وجل. وهكذا نبي الله موسى عليه السلام لما تبعه فرعون وقومه، فيقول أصحاب موسى: إنا لمدركون، سيدركنا هؤلاء لأن البحر أمامهم وعدوهم خلفهم، فقال أصحاب موسى: إنا لمدركون، قال موسى عليه السلام قولة المؤمن الواثق بالله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، انظروا إلى حسن الظن بالله سبحانه وتعالى، فهداه الله عز وجل وأمره أن يضرب بعصاه البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، هكذا هو حسن الظن بالله سبحانه وتعالى. وهكذا ما وقع لأبي بكر في حروب الردة وكيف أن الله شرح صدره بحسن ظنه بالله عز وجل على قتال هؤلاء مع معارضة بعض الصحابة ومنهم عمر في أول الأمر، وهو يقول: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عناقاً أو عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه، حسن ظن بالله سبحانه وتعالى. ولو قرأت في سيرة الصالحين ثبات الإمام أحمد في تلك الفتنة العظيمة وحسن ظنه بالله عز وجل، وهكذا القرآن والسنة والسيرة مليئة بمثل هذه المواقف، فخير علاج لسوء الظن بالله عز وجل أن تقرأ القرآن بتدبر وتمعن، وأن تقرأ من سيرة الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين والعلماء المعتبرين الربانيين. المسائل، وبها نختم الباب: الأولى: تفسير آية آل عمران: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾، وعرفنا من قائل ذلك وأنهم المنافقون، وعرفنا ما هو ظن الجاهلية، ملة الجاهلية الذين لا يعظمون الله حق تعظيمه ولا يقدرونه حق قدره سبحانه وتعالى. الثانية: تفسير آية الفتح: ﴿ظَنَّ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾، وقلنا الضمير يعود على المنافقين وكذلك على المشركين، وأن هذه الآية نزلت في الحديبية، نزلت في الحديبية كما مر معنا في سورة الفتح. الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر، يعني أن سوء الظن أنواع متعددة كما ذكر ذلك ابن القيم، فقد يكون بالظن أن الله عز وجل يديل الباطل على الحق، وقد يكون بما يظن من نفي حكمته سبحانه وتعالى، أو من إنكار ما يقضيه الله سبحانه وتعالى ويقدره. الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه، فإذا عرف الأسماء والصفات عظم الله عز وجل حق عظمته، إذا عرف أن الله عز وجل رحيم رحمن، هل سيترك العبد دون أن ينال من رحمة الله عز وجل؟ إذا علمت أن الله سبحانه وتعالى عزيز وأن الله كذلك قهار، هل سيغلبك عدوك إذا أحسنت الظن بالله سبحانه وتعالى وهو معك وهو القوي العزيز سبحانه وتعالى؟ وهكذا إذا عملت بهذه الأسماء وآمنت بها وأثبتها لله عز وجل فذلك يدفعك إلى حسن الظن بالله سبحانه وتعالى. قال ابن العثيمين: ففتش عنها، أي النفس، والحقيقة أن الإنسان هو محل النقص والسوء، وأما الرب عز وجل فهو محل الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه، فمن أساء الظن بالله عز وجل فقد وصف الله سبحانه وتعالى بالنقص والسوء، فهو الكامل في أسمائه وفي صفاته سبحانه وتعالى وفي جميع أفعاله عز وجل، فمن حسن الظن بالله سبحانه وتعالى أن تؤمن بهذه الأسماء والصفات وأن تسيء الظن بنفسك، وهذا هو وجه إيراد هذا الباب في كتاب التوحيد، فإن سوء الظن بالله عز وجل مما يخدش في تعظيم الرب سبحانه وتعالى. بهذا نكتفي وننتهي من هذا الباب، وفي الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى الباب الذي بعده، والله تعالى أعلم.