التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 174

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 174

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 174، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ثمار الإيمان بالقضاء والقدر: طمأنينة القلب وعدم الإعجاب

يستعرض المقطع أبرز ثمار الإيمان بالقضاء والقدر كما ذكرها ابن عثيمين والوادعي، ومنها طمأنينة القلب وعلم أن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، ومنع الإعجاب بالعمل ونسبته لله، وعدم الحزن على المصائب لكونها رحمة وحكمة، والأمر بالأخذ بالأسباب مع تفويض النتائج لله، واكتساب الشجاعة والخوف من الله وحده.

الشجاعة والاطمئنان بالرزق من ثمرات القدر

يبيّن المقطع أن من ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر الشجاعة في مواطن الإقدام والاطمئنان في أمر الرزق، مستدلاً بآيات قرآنية تؤكد أن الرزق مضمون من الله، ويختم بحديث ابن عمر في وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره.

براءة ابن عمر من القدرية ووجوب الرجوع للعلماء

يروي المقطع قصة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مع وفد سأله عن القدرية الذين ينفون قدر الله، فتبرأ منهم وحكم بكفرهم، مبيناً أن الإيمان بالقدر خيرِه وشرِّه ركن من أركان الإيمان، ومؤكداً وجوب الرجوع إلى أهل العلم لدفع الشبهات وإقامة الحجة بالدلائل الشرعية.

خاتمة الدرس وإعلان استكمال الفوائد في الدرس القادم

أعلن المحاضر انتهاء الجزء الحالي من الشرح، موضحاً أنه سيكمل باقي الفوائد والمسائل التي ذكرها المؤلف تحت هذا الحديث في الدرس القادم، وختم بقوله: والله تعالى أعلم، مع الإشارة إلى ترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الحمد الكثير الطيب المبارك فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلى الله عليه تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فما زلنا في باب ما جاء في منكري القدر، ووقفنا عند بعض الثمار والفوائد التي ذكرها ابن عثيمين عليه رحمة الله من فوائد وثمار الإيمان بالقضاء والقدر. قال: ومنها أنه يجب للقلب الطمأنينة إذا علمت أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. اطمأنت أو اطمأننت بما يصيبك بعد فعل الأسباب النافعة، وهذا من أعظم وأجل فوائد وثمار الإيمان بالقضاء والقدر. تكون في سكينة، في طمأنينة، في راحة بال، لا تنزعج ولا تضطرب، ولا تأسى وتحزن؛ لأنك تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فلا تتبرم، وإنما ترضى بقضاء الله وقدره. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]، أي: المؤمن تصيبه المصيبة فيعلم أنها من الله فيطمئن ويرضى ويصبر، ويصبر كما جاء في تفسير هذه الآية. قال: ومنها منع إعجاب المرء بعمله إذا عمل عملًا يشكر عليه؛ لأن الله هو الذي من عليه. فمهما بلغت من الدرجات العالية في أعمال الدين أو في أعمال الدنيا، فاعلم أن تحقيقك لهذه الأعمال إنما هو بفضل الله وبما قضاه وقدره لك، فتشكر الله عز وجل على ذلك، ولا تغتر بنفسك، ولا تعجب بعملك، ولا تعجب بعملك؛ فالذي يوفقك في هذا العمل فهو قادر أن يخيبك في عمل آخر، لأنه سبحانه وتعالى من بيده الأمر، سبحانه وتعالى. قال: ومنها عدم حزنه على ما أصابه؛ لأنه من ربه عز وجل، فهو صادر عن رحمة وحكمة. فإذا اعتقد وأيقن المسلم بأن ما يصيبه من قضاء وقدر إنما هو رحمة وحكمة من الله عز وجل، قد تعلمها وقد لا تعلمها، فكما تقدم أن أفعال الله عز وجل مقرونة بالحكمة، وإن كان في ظاهرها للإنسان شر عليه، لكن لربما يكون في تقديرها الخير الكثير له، الخير الكثير له، فلا يحزن، ولا كذلك يأسى، كما قال الله عز وجل: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 22-23]، لكي لا تأسوا على ما فاتكم، أي: لكي لا تحزنوا، لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور. قال: ومنها أن الإنسان يفعل الأسباب؛ لأنه يؤمن بحكمة الله وأنه لا يقدر الأشياء إلا مربوطة بأسبابها. فليس معنى الإيمان بالقضاء والقدر أن تترك الأسباب، بل اعلم يا عبد الله أن الأمور مرتبطة بأسبابها، فلا بد من إيجاد السبب، ثم مسألة التحقيق هذا العمل أو كذلك إيجاد الخير ونحو ذلك، فهذا أمره إلى الله سبحانه وتعالى. فأنت أمرت باتخاذ الأسباب، والنتيجة وكذلك الأمور بيد الله سبحانه وتعالى. وهناك أيضًا ثمار وفوائد كثيرة ذكرها ابن عثيمين في مواضع أخرى، وكذلك ذكرها شيخنا الوادعي في كتابه "الصحيح المسند في القدر". ومن هذه الثمار أن الإيمان بالقضاء والقدر يورث العبد الشجاعة، الشجاعة، فلا يخاف إلا من الله سبحانه وتعالى، فيقدم في مواطن الإقدام، ويحجم في مواطن الإحجام، فيكون قويًا شجاعًا لا يخاف من الموت إذا كان هذا الموت سيأتيه بحق، وكذلك إذن من الله سبحانه وتعالى، كالجهاد في سبيل الله ونحوه. فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145]، وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ [التوبة: 51]. فإذن من ثمار أيضًا الإيمان بالقضاء والقدر: الشجاعة، الشجاعة، والإقدام في مواطن الإقدام. وكذلك من ثمار الإيمان بالقضاء والقدر: الاطمئنان في أمر الرزق. فالناس الآن كثير منهم تجد عنده من الاضطرابات والانزعاجات بسبب أوضاع البلاد، وأن الأمور اشتدت، والأمور كذا وكذا. اعلم أخي المسلم أن هذه الأمور أمر أراده الله وأمر قدره الله سبحانه وتعالى، فما عليك إلا أن تتخذ الأسباب الشرعية، وتعلم أن ما كتب لك من رزق سيأتيك، ولو كنت في باطن الأرض، ولو كنت في أعماق البحار، ولو كنت في أطباق السماء، فرزقك سيأتيك، مهما يعني حاول الناس، ومهما حاول الأعداء أن يمنعوك منه. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: 22-23]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 37]، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58]، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 37]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 26-27]. فإذا أيقنت وآمنت بأن رزقك مكفول، قد كفله لك خالقك سبحانه وتعالى، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: 6]، فما عليك إلا أن تتخذ الأسباب الشرعية، ولا تتعب نفسك، ولا تقلق نفسك، ولا تخوف نفسك بما يقوله أهل الشكوك والظنون، بأن الآن مجاعة، وأن الآن ربما الوضع تأزم، ونحو ذلك من تلك التخويفات التي هي من الشيطان. إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه، فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين. وهناك فوائد وثمار كثيرة يرجع لها في المصادر المذكورة. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال ابن عمر: «والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر». ثم استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». رواه مسلم. المؤلف هنا اختصر هذا الحديث، وهو حديث طويل فيه من المسائل والفوائد، ومن كذلك العلم الذي يتبصر به المسلم. ولذلك فمن المناسب أن نقرأ هذا الحديث بطوله. فقد قال، أو قد جاء في صحيح مسلم عن يحيى بن يعمر رحمه الله تعالى قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني. قال: فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر. قال: فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما داخلًا المسجد. قال: فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله. قال: فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن. كنيت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون ألا قدر، وأن الأمر أنف. قال: أي عبد الله بن عمر، فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر. قال: والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: حدثني أبي، وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذكر الحديث بطوله، والذي فيه سؤال جبريل عليه السلام لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن أركان الدين، ومن هذه الأركان أركان الإيمان، فقال له: «الإيمان أن تؤمن بالله، وأن تؤمن بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره». فهذا حديث عظيم، فيه من الفوائد الشيء الكثير. فمن فوائد هذا الحديث: أن العلماء هم الذين يزيلون عن الناس الشبه، ويزيلون عن الناس المناهج الباطلة والعقائد المنحرفة. فانظر إلى هؤلاء لما ظهر هذا المذهب الخبيث، مذهب القدرية، في نفي علم الله عز وجل، ذهبا إلى مكة، وكذلك زائرين إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، فوفق الله لهما ذلكم العالم الجليل من علماء الصحابة، وهو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، فسألاه، وكانوا يتمنون ذلك. وهذا فيه الرجوع إلى أهل العلم إذا أشكل عليك أي أمر من أمور دينك، فعليك بأهل العلم، فهم الذين قال الله عز وجل مادحًا لهم ومزكيًا لهم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، فهم أهل الاستنباط، وهم أهل المعرفة والعلم والخبرة وإدراك الأمور، لما من الله عز وجل به عليهم من العلم والفقه. فسألاه عن هذه المسألة، فبين لهم الحكم الشرعي، وبين لهم بالدليل. وهذا فيه أن العالم إذا سأله السائل يبين له الحق بدليله؛ لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: 43-44]. فإذا أهل العلم عندهم من البينات، وعندهم من الدلائل والحجج التي بها تدمغ أباطيل وشبهات المبطلين. فابن عمر بين لهم أن هذا القول كفر بالله عز وجل، كفر بالله سبحانه وتعالى، ولذلك تبرأ منهم، تبرأ منهم بقول: «فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، أني بريء منهم، وأنهم برآء مني». ثم قال لهم مبينًا أن الله عز وجل لا يتقبل منهم عملًا صالحًا: «والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه، ما قبله الله منه». لماذا؟ لأن الكفر بالقدر، أو إنكار القدر، كفر بالله سبحانه وتعالى. ثم ذكر لهم هذا الحديث العظيم. فهكذا توضح الأمر لهذين الموفقين الذين رجعا إلى أهل العلم، وخلصهما من تلك العقيدة الفاسدة، عقيدة القدرية، عقيدة القدرية. ووجه الشاهد من هذا الحديث في آخر هذا الحديث: «وتؤمن بالقدر خيره وشره». وعرفنا أن الإيمان بالقدر له أربع مراتب، وهؤلاء القدرية الذين سئل عنهم ابن عمر لم يؤمنوا بعلم الله، ولذلك لم يؤمنوا بمرتبة الكتابة، كما مر معنا. فحكم عليهم ابن عمر بالكفر بالله العظيم، كما تقدم معنا في ذكر الطوائف التي وقعت في إنكار القدر. نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي من فوائد ومسائل ذكرها المؤلف تحت هذا الحديث في الدرس القادم إن شاء الله. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر