التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 127

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 127

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 127، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير آيات الربوبية والألوهية وبيان اتخاذ العلماء والأمراء أرباباً

يشرح المقطع ثلاث مسائل من كتاب الإمام محمد بن عبد الوهاب تشمل تفسير آية النور وتحذير مخالفة أمر النبي، وتفسير آية براءة في اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً مع بيان دخول الألوهية في الربوبية. كما يوضح أن طاعة العلماء والأمراء في تحليل الحرام أو تحريم الحلال تعد عبادة لهم من دون الله وشركاً صريحاً.

رد شبهة الخوارج حول طاعة الأمراء وتحذير التقليد الأعمى

يفند المقطع شبهة الخوارج القائلة إن أهل السنة يطيعون الأمراء طاعة عمياء، مبيناً أن الطاعة مشروطة بطاعة الله ومستشهداً برفض أهل السنة لمعصية الأمراء في الانتخابات والربا والاختلاط. كما يحذر من التقليد الأعمى لعالم واحد مؤكداً أن حتى الصحابة والأئمة قد يخطئون والواجب الرجوع إلى الكتاب والسنة.

خطر التعصب الأعمى لشيخ واحد وتقليد الموتى

يحذر المقطع من انحراف فرق معاصرة بسبب تعصبهم المطلق لشيخ واحد كالحجورية ورفضهم عرض أقواله على كبار العلماء معتبرين قوله حجة لا ترد. ويستعرض تغير الأحوال عبر الزمان حيث عبد الناس من يدّعون الزهد زوراً مشبهاً حال المقلدين بحال اليهود والنصارى في تعصبهم لأحبارهم ورهبانهم.

تحذير من التقليد الأعمى لأقوال المشايخ وأصحاب القبور

يصف المقطع حال عباد القبور الذين يتمسكون بأقوال مشايخهم دون حجة ولا يخرجون عنها قيد أنملة، وهذا هو التحذير الذي أورده المؤلف من التقليد الأعمى المفضي للانحراف عن الصراط المستقيم. ويختتم الدرس بالانتقال إلى باب جديد في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في ختام كتاب باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أرباباً من دون الله: المسألة الأولى: تفسير آية النور ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾، يشير إلى الأثر الذي ذكره المؤلف رحمه الله عن الإمام أحمد في قوله ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾، قال: «أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك». المسألة الثانية: تفسير آية براءة ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا ﴾، وأخذ هذا التفسير من حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فالمراد هنا بقوله تعالى ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا ﴾ أي في الطاعة، لأنه جاء في الحديث أن عدي بن حاتم قال: «إنا لسنا نعبدهم»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟». وهذه الآية فيها فائدة وهي أن الربوبية إذا أطلقت تدخل فيها الألوهية، لأن في أول الآية قوله تعالى ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، فذكر في ختام الآية العبادة، وبهذا يرتفع الإشكال في سؤال الملكين للعبد في قبره، فيسألانه عن ربه: «من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟». فالصوفية يقولون: انظروا هنا، ما قال له «من إلهك؟» قال له «من ربك؟» فظنوا أن المراد بالسؤال هنا السؤال عن الربوبية فقط، وهو الخلق والتدبير ونحو ذلك، ويقولون: نحن ما نقول أن غير الله خلق شيء من الكون، وما نقول أن نواصل عباد بيد الله عز وجل يتصرف فيهم كيف يشاء. فالمراد من «من ربك؟» أي من ربك ومن معبودك الذي تعبده، لأن الرب إذا أطلق يدخل فيه معنى الألوهية، وهذه الآية تشهد لذلك، والقرآن يفسر بعضه بعضاً. مثل قول الله عز وجل في كتابه الكريم قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾، فُسِّرَ الدعاء هنا بالعبادة من نفس الآية، لأنه قال فيما بعد سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾، فذكر العبادة في آخر الآية، فدل ذلك على أن المراد بالدعاء العبادة، فالدعاء هو العبادة كما جاء في الحديث: «الدعاء هو العبادة». وكذلك الربوبية هي كذلك تدخل في معنى الربوبية، تدخل في معنى الألوهية كما في هذه الآية. فأهل السنة يجمعون بين الأدلة، أما أهل الأهواء فينظرون إلى الأدلة بعين عوراء، ينظرون فقط إلى طرف من الأدلة ويتركون الأدلة الأخرى، أما أهل السنة فينظرون إلى الأدلة بعينين مبصرتين فيجمعون بين الأدلة. المسألة الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي، ما هي هذه العبادة؟ التعبد لها بالطاعة، التعبد لهم بالطاعة، فطاعة العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرم الله أو في تحريم ما أحل الله، فهذا من الطاعة، فإذا صرفت لغير الله صارت شركاً، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾، ﴿ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾، فسماه الله عز وجل شركاً، سماه الله عز وجل شركاً. والخوارج يفترون على أهل السنة فيقولون عن أهل السنة أنهم يطيعون الأمراء طاعة عمياء، وهذه والله فرية ما بعدها مرية، وهذا كذب على أهل السنة، وإنما أهل السنة يطيعون الأمراء في طاعة الله، فإذا أمر الأمراء بمعصية الله لم يطيعوهم في ذلك، والواقع خير شاهد على ذلك. أولياء الأمور أمروا بالانتخابات في بلدنا، من الذي انبرى في التحذير من تلك الانتخابات؟ ومن الذي لم يشارك فيها؟ أليس هم أهل السنة؟ أليس هم علماء السنة؟ فأين هذا الذي يقول إن أهل السنة يطيعون الأمراء طاعة عمياء؟ بل أنتم الذين دخلتم في فتحالفتم مع أعداء الإسلام، مع أعداء الإسلام من الاشتراكيين والعلمانيين، لأنكم دخلتم في السياسة، والسياسة ليس لك صديق وليس لك عدو، فعدوك اليوم صديقك غداً، وصديقك اليوم عدوك غداً، على حسب المصالح وعلى حسب كذلك الأغراض الدنيوية التي يسعى إليها تلك الأحزاب. فالحمد لله أهل السنة يقولون: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف، إنما الطاعة في المعروف شيء فيه موافقة للشرع أمر به ولي الأمر. أهل السنة من أول الناس عملاً بهذا الأمر، لأنه من طاعة الله، «ومن أطاع أميري فقد أطاعني»، هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام، لكن في طاعة الله، أما إذا أمر الأمير بما يخالف شرع الله فأهل السنة براء من ذلك، والواقع خير شاهد. هذا كمثال، وهناك أمثلة أخرى: هل أهل السنة يتعاملون بالربا؟ هل أهل السنة كذلك يدرسون في الجامعات المختلطة مع أن ولي الأمر أباح ذلك، أو لا نقل أباح ذلك، يعني جعل هذا الأمر مفتوحاً للناس، من أراد أن يدخل في هذه الفتن وفي هذه المعاصي؟ أهل السنة اعتزلوا، ما قالوا: لهذا ولي الأمر أمر بهذا ونحن نطيع ولي الأمر، أبداً. هل رأيت فتوى لعلماء السنة تخالف شرع الله لأنها رغبة الأمراء أو الحكام؟ أبداً. أهل السنة يفتون بما يوافق الحق وبما يوافق الشرع، فهذه فرية ومُريَة، إنما أراد بها الخوارج التنفير من أهل السنة، وأراد بها الخوارج تثبيت منهجهم التكفيري الخارجي حتى ينزع الثقة من قلوب الناس حول علمائهم، إذا العامة وأتباعهم، إذا العامة وأتباعهم كرهوا العلماء وأبغضوا العلماء واتهموا العلماء بهذه التهم، فسيصفى الجو لهؤلاء الخوارج، يصفى لهم الجو ويكونون هم المطاعين وهم المتبعون، وهذا الذي يريدونه. لكن لما وقف أهل العلم أمامهم وحذروا من باطلهم ومناهجهم المنحرفة، أتوا بهذه الأكاذيب وهذه الشائعات حتى ينفروا عن العلماء، فالحذر يا شباب من هذه المكائد. المسألة الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان، يعني يريد شيخ الإسلام بهذه المسألة أن يقول: إذا كان أبو بكر وعمر وسفيان وهم من هم في التقى والعلم والخشية والاقتداء، ومع هذا لا يجوز لمسلم أن يقلدهم فيما خالفوا فيه الشرع، فكيف بغيرهم ممن هو دونهم؟ ممن هو دونهم تجد مثلاً البعض إذا قلت: إذا قلت مثلاً وهذه المسألة أخطأ فيها الإمام الشافعي، عادي عنده، ما تجد عليه يعني أثر الغضب أو أثر كذلك التضجر، لكن لو قلت له: أخطأ شيخك في كذا وكذا، تجده يغضب ويتمعر، كيف الشيخ فلان يخطئ؟ سبحان الله، أليس هو بشر؟ أليس هو دون هؤلاء الأئمة؟ فكل يؤخذ من قوله ويترك. وطن نفسك يا طالب العلم على أن توسع مداركك، وأن كذلك تنظر إلى أقوال المتقدمين والمتأخرين في المسائل، ولا تركن إلى قول عالم واحد، إلى قول عالم واحد. وما ضلت بعض الفرق إلا بسبب التقليد الأعمى لعالم واحد، وكذلك التعصب له، التعصب له. نعم، بعض الفرق المعاصرة اليوم خرجت عن الطريق المستقيم والنهج القويم بسبب تعصبهم لشيخ واحد، لا تقول: شيخهم أخطأ، لا تقول: شيخهم... مثل الفرق الحجورية اليوم، الفرق الحجورية هذه ما عندهم إلا شيخهم، خلاص، ما قاله هو الحق وهو الصواب وهو إمام الثقلين، لا يخالف قوله ولا يرد قوله. طيب، اعرضوا أقواله على غيره من العلماء الكبار، ممن ترضونهم كالفوزان أو العبادي أو اللحيدان أو عبد العزيز آل الشيخ أو غيرهم من كبار علمائنا في هذا العصر، فيقولون: لا، هؤلاء ما يفقهون، هؤلاء ما يفهمون، هذه الفتن، وأخبر الناس بهذه الفتن، وقوله هو القول المعتمد في مثل هذه النوازل، وعقدوا على ذلك الخناصر، ووالوا وعادوا من أجل قوله، فظلوا والعياذ بالله. فإياك أن تقول: أخطأ الحجوري، أبداً، أتباعه يقولون: أبداً، وربما ترى على وجههم الغضب، وترى على تصرفاتهم كذلك الغضب، وهذا هو التعصب بعينه، وهذا هو ما حذر منه العلماء، فالحذر الحذر من التقليد ومن التعصب لشيخ واحد، وسع مداركك وانظر إلى أقوال العلماء، واسأل أكثر من عالم في المسائل التي تشكل عليك، ولا تقلد أحداً، لا تقلد أحداً، وإذا أشكلت عليك مسألة شديدة قوية فعليك بالعلماء الكبار الذين شابت لحاهم في العلم والسنة، أما الأحداث والصغار، وكذلك الطائشون والمتحمسون ونحو ذلك، فهؤلاء ترجع أقوالهم إلى من هو أعلم منهم، إلى من هو أعلم منهم. المسألة الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال وتسميتها ولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين. المؤلف رحمه الله يحكي واقعه الذي يعيشه، واقعه الذي يعيشه، ففي زمانه يوجد من العباد عباد الصوفية الذين يدعون الزهد والتفرغ للعبادة وهم يسمونهم بالأولياء، وكذلك بعض من عنده شيء من العلم كعلم بمذهب الإمام الشافعي أو نحو ذلك، فهؤلاء عندهم هم العلماء، هم العلماء، ومع تقادم الزمان ذهب عبادهم وذهب علماؤهم، فصاروا يتعلقون بأناس يزعمون أنهم صالحون، أنهم صالحون، وهم في الحقيقة ليسوا من الصلاح في شيء، وهكذا تعلقوا بأحبار يظنون أنهم علماء وهم في الحقيقة جهلاء، ما عندهم من العلم شيء. وهذا هو الحال اليوم، تجد بعضهم يقول لك: انظر فلان الزاهد، فلان العابد، وإذا نظرت إليه لا يحضر صلاة الجماعة، أي عبادة هذه؟ هل العابد الصالح الولي التقي ما يحضر صلاة الجماعة؟ فإذا به يحلق لحيته، أين اقتداءه بالنبي عليه الصلاة والسلام؟ فإذا به يأكل أموال الناس بالباطل، فإذا به كذلك ربما مبتلى بالنساء أو المردان أو نحو ذلك، هذا هو حالهم في هذا الزمان. فكما ذكر، غيرت أحوالهم، فعلينا الحذر وأن نعلم أن شرع الله يجب أن يحمى ويصان، ولا يطاع أحد في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله أبداً. فبعض الناس يقول: نحن مع أولئك القوم، يعني الصوفية، لا تحاولوا يا أهل السنة، ما قالوه القوم هو الحق والصواب، سبحان الله، دون نظر في الأدلة وفي الأقوال وفي البراهين، أبداً، خلاص، هؤلاء الصالحون بزعمهم، وهؤلاء الأولياء بزعمهم، وهؤلاء العلماء بزعمهم هم الذين يؤخذ قولهم، وكذلك يعمل بأقوالهم، وما سواهم فلا قيمة له، هذا هو التعصب بعينه، وهذا هو التقليد الأعمى بعينه. وما أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب في كتاب التوحيد إلا من أجل أن ينبه على هذا المسلك، وهو أن عباد القبور عندهم تعصب لعبادهم ولعلمائهم، ففيهم شبه باليهود والنصارى، فيهم شبه باليهود والنصارى. ائتِ الآن عند عباد القبور، أبين له الأدلة، يقول لك: قال حبيبي كذا، قال سيدي كذا، خلاص، القول عنده قول حبيبه وقول سيده، لا يخرج عنه، لا يخرج عنه قيد أنملة، وهذا هو الذي أراد أن يحذر منه المؤلف، وكذلك الفرق الأخرى التي خرجت عن النهج القويم والصراط المستقيم بسبب التقليد الأعمى. طيب، نكتفي بهذا وندخل في الباب الجديد إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.