التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 126

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 126

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 126، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تحذير الإمام أحمد من تقديم قول العالم

ينقل الشيخ عن الإمام أحمد إنكاره على من عرف صحة الحديث ثم تركه لرأي سفيان الثوري، مستدلاً بآية ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ومفسراً الفتنة بالشرك. ويوضح ابن عثيمين أن مخالفة أمر الرسول لقول عالم قد تؤول إلى تحليل الحرام أو تحريم الحلال، مبيناً ثلاثة أقوال في حكم التقليد.

أقسام الناس في تلقي الأحكام

يقسم المقطع الناس إلى ثلاثة أقسام في تلقي الأحكام: العامي الذي يقلد من يثق بعلمه عند العجز، طالب العلم الذي يترجح الأقوى دليلاً، والمجتهد الذي يستنبط الحكم مباشرة. ويؤكد أن التقليد جائز للضرورة للعامي بشرط عدم تتبع الرخص، بينما يتبع طالب العلم الدليل الأقوى ولا يقلد المجتهد أحداً.

طاعة العلماء والحكام بين العبادة والتكفير

يبيّن المقطع أن طاعة العلماء أو الحكام في تحليل الحرام أو تحريم الحلال تُعد عبادة لهم كما ورد في حديث عدي بن حاتم. ويفرق بين الكفر الأكبر لمن رضي بحكم غير الله وسخط على حكم الله، والكفر الأصغر لمن اتبعهم لهوى مع علمه بخطئهم.

ختام الدرس وتأجيل المسائل

أعلن المحاضر انتهاء وقت الدرس الحالي وقرر تأجيل المسائل المتبقية إلى الدرس القادم إن شاء الله. واختتم بالبسملة والتوكيل على الله مع الإشارة إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب: "من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أرباباً من دون الله". قال: وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: "عجبت لقوم عرف الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك". وهذا الأثر تناقله العلماء وذكروه في كتبهم، وممن ذكر هذا الأثر عن الإمام أحمد شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في كتابه "الصارم المسلول". وقوله: "عجبت لقوم عرف الإسناد وصحته"، التعجب قد يكون تعجب استحسان، وقد يكون تعجب إنكار، فهو على نوعين: عجب استحسان، وعجب إنكار. والمقصود هنا عجب الإنكار، يعني ينكر الإمام أحمد على من يفعل ذلك، وهم قوم عرفوا الإسناد وصحته، ومع ذلك لم يأخذوا بهذا الحديث. والمراد بصحة الإسناد: أي أهو صحيح أم ضعيف؟ فالحديث يعرف من حيث الصحة والضعف بسنده، فإن كان سنده متصلاً وقد رواه الثقات والعدول فإنه يقبل ويؤخذ بهذا الحديث. فهؤلاء القوم عرفوا أن هذا الحديث صحيح، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وأنه ينسب إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومع هذا يتركون هذا الحديث الصحيح ويذهبون إلى رأي من؟ إلى رأي سفيان. وسفيان هنا المراد به سفيان الثوري، إمام من الأئمة، بل كان له أصحاب وأتباع ومذهب رحمه الله تعالى مشهور، لكن طلابه لم يعتنوا بمذهبه فانقطع هذا المذهب، فلم يذكر كمذهب الأئمة الأربعة. فهو ينكر على من أخذ برأي إمامه وترك قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ووجه الشاهد من هذا الأثر: الإنكار على من يقدم قول العالم المخالف لما أمر الله أو ما أمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما استدلال الإمام أحمد بقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، أي عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، وفسر الفتنة بالشرك، أي بأعلى درجات الفتنة، لأنه من دخل في فتنة التقليد وفي فتنة التعصب، فإن أمر هذا المتعصب المقلد ربما تؤول إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى، والشيطان له خطوات. فلذلك لما سئل الإمام أحمد، أو لما قال: "أتدري ما الفتنة؟" ثم أجاب: "الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك". وقد قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، نسوا الله فنسيهم. فأمر تعمد مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقول عالم أو لقول فلان أو علان أمر خطير، أمر خطير قد يؤول بصاحبه والعياذ بالله إلى الشرك بالله عز وجل. ولذلك جاء في الآية التي ستأتي معنا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾. فإذا من اتخذ قولاً يخالف ما أمر الله عز وجل قد يقع في تحليل ما حرم الله أو في تحريم ما أحل الله، وهذا هو الذي وقعت فيه النصارى كما سيأتي في الآية التي بعد ذلك. قال ابن عثيمين: "يخالفون عن أمره"، أي يعرضون عن أمره زهداً فيه وعدم مبالاة به. وهذا أمر خطير، تأتي عند شخص تقول له: قال رسول الله، نهى رسول الله، وهو يقول: لكن العالم الفلاني ما ينهى عن ذلك، أو العالم الفلاني يقول خلاف ما تقول أنت، أو ما يقول الرسول، فيرد قول الرسول ويأخذ بقول غيره، فهذا أمر خطير كما تقدم معنا. يقول الشيخ ابن عثيمين في فائدة حول التقليد: "اختلف في التقليد على ثلاثة أقوال"، يعني هل يجوز للمسلم أن يقلد عالماً؟ هذا العلماء اختلفوا إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: وجوب التقليد، لأن الاجتهاد أغلق بموت الأئمة الأربعة، فهذا يقول به البعض ولكنه غير صحيح. يقول: بعد ما انتهى عهد الأئمة الأربعة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، لا ينبغي لأحد أن يجتهد، بل يجب أن يأخذ بمذهب أحد هؤلاء الأئمة الأربعة. هذا قول. القول الثاني: التحريم مطلقاً، لأن فيه قبول قول من ليس بحجة. فطائفة تنهى عن التقليد مطلقاً لجميع أصناف الناس: العالم، وطالب العلم، والعامي، ينهون عن ذلك جملة وتفصيلاً. وهذا القول ليس بصواب على إطلاقه، بل فيه تفصيل كما سيأتي من القول الرابع. الثالث: قال القول الثالث: الجواز، يعني جواز التقليد، ثم قال: وهو الراجح، لكن عند الضرورة وعدم القدرة على معرفة الأحكام، فيقلد من يثق بدينه وعلمه ويأخذ بقوله في جميع المسائل، ولا يتتبع الرخص. بمعنى أن بعض الناس ما يستطيع أن يعرف أدلة المسألة والاختلاف الواقع فيها، وأي الأقوال أرجح لجهله وعدم قدرته على التمييز بين الأقوال والأدلة، فهذا لربما لا ينهى عن التقليد، يقلد من يثق بدينه وورعه وعلمه ودقة كذلك ترجيحاته ونحو ذلك. حتى أحياناً طالب العلم أو العالم إذا استشكلت عليه المسألة لربما يقلد من هو أعلى منه درجة، كما نقل عن الشيخ العثيمين أنه قال: "إذا استشكلت علي مسألة وقوي فيها الخلاف أخذت بقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله". نعم، هذا ليس على إطلاقه، لكن كما تقدم: عند الضرورة، عند الضرورة. فإذن يمكن الآن أن نقسم الناس في معرفة الحكم في مسألة ما إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: عامي. القسم الثاني: طالب علم. القسم الثالث: عالم وصل مرحلة الاجتهاد، وصل مرحلة الاجتهاد. فالعامي يقلد من يثق بدينه وعلمه، ومع هذا كما ذكر الشيخ العثيمين لا يتتبع الرخص في هذا المذهب. بمعنى أن بعض المسائل حتى العامي إذا فهمته يفهم هذه المسألة، ويعلم ضعف قول المذهب الذي يأخذ به، يعرف ضعف هذا القول. العامي ما هو... أي كل شيء ما يعرفه، ما هو كل شيء ما يعرفه. بعض مسائل ربما لو قلت له: الإمام الشافعي ما علم بالحديث، الحديث لم يصله، والمسألة فيها حديث أخذ به غيره من الأئمة وهو لم يصل إليه هذا الحديث، فهل العامي ما سيفهم هذا الأمر؟ سيفهم هذا الأمر. لا يتتبع الرخص ويقلد المذهب جملة وتفصيلاً، ولكن المسائل التي فيها خلاف بين العلماء، وفيها استشكال، وفيها كذلك عدم وضوح للأدلة، فحينئذ يقلد هذا العامي. وهذا بالنسبة للعامي. وبالنسبة لطالب العلم: بالنسبة لطالب العلم فإنه يأخذ بقول من كان دليله أقوى، دليله أقوى. فهو طالب علم درس في اللغة، درس في المصطلح، يعرف الحديث الصحيح من الضعيف، درس في أصول الفقه، فيعرف الواجب والمستحب والشرط والركن، والصوارف، الوجوب إلى الاستحباب، ونحوها من القواعد التي يعرف بها الترجيح. فحينئذ يأخذ بمن قوي دليله، بمعنى أنه يجمع أقوال العلماء ويطلع على أقوال العلماء، فبما آتاه الله من علم لا شك أنه سيتبين له قوة أدلة إحدى الفريقين فيأخذ به، فيأخذ به. وأما المجتهد فيأخذ الحكم من الأدلة ولا يقلد أحداً. عالم كبير فإنه يجتهد، وربما يأخذ بقول دون أن يعني... يأخذ بقول أحد من العلماء وإنما يجتهد في هذه المسألة، لكن بشرط كما قال الإمام أحمد: "لا تقل بقول لم يسبق إليه إمام"، بمعنى أنه يأخذ بقول سبقه إليه إمام، لكن أدى اجتهاده إلى القول بهذا القول الذي وصل إليه. والفرق بين طالب العلم وبين العالم المجتهد: أن طالب العلم يقول: "وهذا ترجيح"، مثلاً ترجيح الشافعي، أو ترجيح الإمام أحمد، وهو أقرب إلى الأدلة، ما يقول: "وأنا أرجح ذلك"، أو يقول مثلاً: "وهذا ما وصل إليه اجتهادي"، لا، لأنه لم يصل إلى درجة الاجتهاد حتى يقول: "وهذا الذي وصل إليه اجتهادي". ولكن يقول: "هذا الذي تبين لقوة أدلته ووضوح... يعني أدلته أو نحو ذلك"، فيقول: "وهو ترجيح فلان وفلان، وأدلتهم كذا وكذا، والأقرب إن شاء الله إلى ما ذهبوا إليه لوضوح دلالتهم أو نحو ذلك". وهذا ليس على سبيل الاجتهاد، وإنما على سبيل الاتباع، على سبيل الاتباع أنه يتبع في ذلك من قرأ ومن طلع على أقوالهم في هذه المسائل. فهذا الذي ينبغي أن يصار إليه في مسألة التقليد، لا نفتح باب التقليد مطلقاً ونقول: خلاص هذا المجتمع شافعي، كل ما في مذهب الشافعي أن نلزمهم به، والعام نجعله يقلد مذهب الإمام الشافعي. لا، هذا ليس بصواب، لأن بعض المسائل واضحة حتى العام إذا بينت له فهم، فهم هذه المسألة، فلا نلزم العامة بكل ما يقوله صاحب المذهب. نعم. ولا نغلق هذا الباب ونقول: لا يوجد تقليد، لا يوجد تقليد، فنفتح الباب لجميع الناس أن يجتهدوا، فهذا سيكون فيه الاضطراب، وسيكون فيه كذلك يعني تلاعب بالأحكام الشرعية. ولكن نقول كما قال الله عز وجل: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، وكما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ بالبينات والزبر، أي بالأدلة وبالحجة. فلا حرج على طالب العلم إذا سأل العالم أن يقول له: ما الدليل على ذلك؟ ما في هناك حرج، لا كما يصنع المقلدون: إذا قال: قال الإمام الشافعي كذا، خلاص قول الإمام الشافعي كأنه هو الدليل. هذا خطأ، لأن الإمام الشافعي يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وكذلك غيره من الأئمة ينهون عن التقليد، وأن يأخذ الناس بأقوالهم دون النظر في أقوال الآخرين وفي أدلة هذا القول الذي أخذوا به. قال: وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، لأن في الآية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾، قال: "إنا لسنا نعبدهم"، قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟" فقلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم". رواه أحمد والترمذي وحسنه، والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. فقوله: "اتخذوا أحبارهم"، الحبر هو العالم الواسع العلم، فشبهاً بالبحر أو الحبر لسعة علمه، لسعة علمه. وأما "رهبانهم": أي العابد والزاهد. فكانت بنو إسرائيل يعظمون علماء وعبادهم فيطيعونهم فيما يأمرون به، فيما يأمرون به. وقوله: "إنا لسنا نعبدهم"، فهم عدي بن حاتم العبادة بأنها السجود أو الركوع أو الذبح أو النذر، فهو كأنه يقول: النبي صلى الله عليه وسلم نحن لا نسجد لهم ولا نركع ولا نذبح ولا ننذر لهم. لكن بين له النبي صلى الله عليه وسلم أن معنى العبادة الطاعة، وهي عبودية مقيدة، أي أن من العبودية الطاعة، وقد تقدم معنا التفصيل في طاعة العلماء والأمراء. وهذا التفصيل يرد على التكفيريين، التكفيريون يستدلون بهذه الآية على تكفير المجتمعات الذين يطيعون الحكام، الذين يطيعون الحكام الذين لا يحكمون بشرع الله، فيقولون: الله عز وجل يقول: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، وفي هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾، فإذن من أطاع الأمير أو العالم فيما حرم الله فهو كافر، هكذا دون أن يفصلوا. وقد تقدم معنا التفصيل في ذلك: قد تكون طاعتهم كفر أكبر، وهذا في حالات أن يتابعهم راضياً بقولهم، راضياً بقولهم، مقدماً له، ساخطاً لحكم الله، فكل من كره ما أنزل الله فهو كافر. وكذلك لو اعتقد أن حكمهم مساوٍ لحكم الله أو أفضل من حكم الله، هذا الذي يكفر كفر أكبر. وهل هؤلاء عامة الناس يطيعون الأمراء وهم يبغضون دين الله وشرع الله، أو أنهم يساوون أحكام هؤلاء الأمراء بأحكام الله؟ ربما يطيعونهم لمصالح دنيوية وأغراض مالية ونحو ذلك مع كرههم وبغضهم لهذه الأحكام، فهؤلاء لا يكفرون، هؤلاء لا يكفرون. وعلى هذا يحمل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، قال ابن عباس: هو كفر دون كفر، أي أنه كفر الطاعة، بمعنى الكفر الأصغر الذي معناه أن يتابعهم على حكم غير الله راضياً بحكم الله وعالماً بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد، ولكن لهوى في نفسه اختار هذا الحكم الذي يخالف حكم الله، أو يريد وظيفة أو يريد مالاً أو نحو ذلك. فإذن نرد على التكفيريين بهذا التفصيل الذي ذكره أهل العلم، ونقول: نعم، يكفر من يقدم حكم غير الله وهو راضٍ به وهو كاره لحكم الله، ساخطاً على حكم الله، أو أنه يرى أن حكم غير الله مساوٍ لحكم الله وأفضل من حكم الله. أما من لم يتصف بهذه الأوصاف فلا يحكم عليه بالكفر الأكبر، وإنما يحكم عليه بالكفر الأصغر. وقوله هنا: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه"، يعني تتبعونهم على خلاف ما جاء في شرع الله سبحانه وتعالى. والشاهد من هذا الحديث: أن طاعة العلماء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه عبادة لهم لنص الحديث، عبادة لهم. ثم تختلف هذه العبادة، فقد يكون صاحبها مشركاً شركاً أكبر، وقد يكون مشركاً شركاً أصغر، وهذا كما مر معنا في التفصيل المتقدم. وما هو الشيء الذي كان يحله النصارى فيتبعه النصارى... فيتبعهم النصارى عليه؟ ما هو الشيء الذي كان يحلونه أو يحرمونه؟ أي العلماء والأحبار ويتبعهم النصارى عليه؟ ذكروا من ذلك: ذكروا من ذلك تحريم أو تحليل لحم الخنزير، هذا... هذا أيضاً مما كان يفتي به بعض علماء النصارى، وكذلك إسقاط الختان على الرجل، واتخاذ الصور في الكنائس، وتعظيم الصليب، تعظيم الصليب. هذا بالنسبة للنصارى. وبالنسبة لليهود: فقد بدلوا حد الرجم في الزنا، فكان في شرعهم أن الزاني والزانية يرجمان حتى الموت، فغيروا ذلك بالتحميم، بالتحميم، يعني من زن من رجل أو أنثى يحمموه، ومعنى يحمموه: يعني تسويد الوجه، تسويد الوجه، يأتون بفحم ويسودون وجهه، بس هذه عقوبة، إذني أنت سهل، نجعل لك يعني سواد في وجهك، هذه عقوبة لك فقط، ما في رجل. غيروا هذا الحكم، غيروا هذا الحكم، ووجدوا من علمائهم ومن عبادهم من يفتيهم بذلك ومن يمضي هذه الأحكام المخالفة لشرع الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا ونؤجل المسائل إن شاء الله إلى درس قادم، من انتهاء الوقت، إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر