الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 57، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع أن للذنوب عقوبتين: شرعية كإقامة الحدود، وقدرية كالبلايا العامة، وأن إقامة الحدود ترفع أو تخفف العقوبات القدرية. ويبين أن تعطيل الحدود يحول العقوبة إلى قدرية تعم المجتمع كله ولا تقتصر على الفاعل.
يضرب النص مثل السفينة لبيان أن ترك المنكرين يهلك المجتمع، بينما إنكار المنكر ينجي الجميع. ثم يستعرض أقسام العقوبات الشرعية ويربطها بمفسدة الذنوب مستدلاً بحديث ابن مسعود في ترتيب أعظم الذنوب.
يبيّن المقطع كيف يتضاعف إثم الزنا بتوفر ظروف مشددة ككون المزني بها جارة أو ذات رحم أو امرأة غازٍ، أو كون الزاني شيخاً أو محصناً أو فقيراً مستكبراً. ويستدل بأحاديث وآيات تبين هول العقوبة يوم القيامة.
يختتم المتحدث كلامه بالحمد لله رب العالمين مقراً بعلم الله المطلق. ويختم بقوله والله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي رحمه الله تعالى، المشهور بابن قيم الجوزية. وكتابه هذا، كما سبق معنا مرارًا وتكرارًا، يعتبر من أنفع كتبه التي عُرف بها رحمه الله تعالى. ونحن لا نزال في الحديث حول العقوبات المترتبة على الذنوب والمحرمات، وقد ذكر رحمه الله تعالى شيئًا من هذه العقوبات القدرية، وهكذا أيضًا الشرعية، ولا يزال الحديث حول هذه العقوبات بنوعيها: الشرعية والقدرية. قال رحمه الله تعالى: «فصل: وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية. قال: فإذا أقيمت الشرعية، كإقامة الحدود على فعل هذه الجرائم والمحرمات، رفعت العقوبات القدرية أو خففتها. ولا يكاد الرب تعالى يجمع على عبده بين العقوبتين، إلا إذا لم تفي إحداهما برفع موجب الذنب، ولم تكف في زوال دائه. وإذا عطلت العقوبات الشرعية، أي بعدم إقامة الحدود في الأرض، استحالت قدرية، أي تحولت إلى عقوبات قدرية». ولا يخفى على الجميع ما يصيب المجتمعات، وهكذا ما يصيب الأفراد، عند تعطيل هذه الحدود وعدم إقامتها في الأرض. فعندها تزداد نصبة هذه الجرائم، وهكذا تتفشى وتنتشر، فتتحول المجتمعات إلى مستنقعات للشر، وإلى بؤر للرذيلة والفساد. هذا إذا انعدم الرادع والزاجر عن فعل هذه المحرمات، بعدم إقامة هذه الحدود في الأرض. قال رحمه الله تعالى: «وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت أشد من الشرعية، وربما كانت دونها، ولكنها تعم». وهذا كما سبق يا إخوان: أن المعاصي إذا عمت وهكذا انتشرت، وليس هناك من ينكرها فيأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، عندها تأتي العقوبات القدرية. وعندها إذا وقعت، فقد لا تصيب الفاعل فقط، وإنما تصيب المجتمع بأسره. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾. ولكن ماذا يا إخوان؟ ولكن قد تعم، قد تعم. وفي الحديث: «أَهْلِكْنَا وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟» قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ». وهكذا في الحديث: «يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ». قال: «بَلَى، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ». قال رحمه الله تعالى: «قال: ولكنها تعم، يعني العقوبات القدرية. قال: والشرعية تخص، يعني إقامة الحدود، وهكذا هذه العقوبات الشرعية إنما تقام على الفاعل فقط، بخلاف العقوبات القدرية، فإنها قد تشمله وتشمل غيره معه. قال: فإن الرب تبارك وتعالى لا يعاقب شرعًا إلا من باشر الجناية أو تسبب إليها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وأما العقوبة القدرية، قال: فإنها تقع عامة وخاصة: عامة أي في الفاعل وغيره، وخاصة في الفاعل الذي باشر هذه الجناية بنفسه أو تسبب فيها». قال رحمه الله تعالى: «فإن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة». وهذا أيضًا مضى معنا قريبًا، وتقرر أن المعصية إذا فعلت خفية، فإذا جاءت العقوبة فإنها تصيب صاحبها خاصة. بخلاف ما إذا أعلنت المعاصي وأذيعت وشاعت، فعندها العقوبة تضر الخاصة والعامة. «وإذا رأى الناس المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره، خشوا أن يعمهم الله بعقابه، أو خشوا أن يعمهم الله بعقابه». متى هذا؟ إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ». وهكذا في حديث النعمان المشهور، الذي اتفق الشيخان على إخراجه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ». ما معنى «استهموا»؟ استهموا على سفينة يا أبا جعفر... استهموا: ركبوا سفينة، فاستهموا عليها. ما هو الاستهام؟ يعني عملوا قرعة. ماذا يسمى الاستهام؟ يعني عملوا قرعة، فجاءت القرعة أن كان نصيب البعض في أعلى السفينة، ونصيب البعض الآخر أسفل السفينة. قال: «فَكَانَ الَّذِينَ هُمْ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَسْتَقُوا الْمَاءَ صَعِدُوا إِلَى مَنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا... وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، الَّذِي هُوَ أَسْفَلُ نَصِيبِنَا، وَلَنَا الْحَقُّ أَنْ نَتَصَرَّفَ فِيهِ». طيب، ماذا ستفعلون؟ قالوا: نخرق خرقًا ونأخذ المياه من أسفل. انظر، هكذا المجتمع يعيش فيه صنفان: محسن ومسيء، مطيع وعاصٍ. لو أن أهل الإحسان والطاعة تركوا أهل الفساد والإساءة يفعلون ما شاءوا، ويفعلون ما بدا لهم من المحرمات، هنا ستخترق السفينة. قال: «فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا وَهَلَكُوا جَمِيعًا». ستغرق السفينة، وعندها لا يغرق الذين هم أسفل فقط، وإنما يغرق من هو أسفل ومن هم أعلى. «وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ: لَا تَخْرُقُوا، سَنَغْرَقُ جَمِيعًا، نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا». وهنا أهمية الإنكار، وهكذا أيضًا النهي عن المنكر والأمر بالمعروف. المجتمع الذي نعيش فيه هو السفينة، هو السفينة، والبعض أعلى والبعض أسفل. أي ماذا؟ ومنا الصالحون، ومنا دون ذلك، ومنا دون ذلك. قال: «وقد تقدم أن العقوبات الشرعية شرعها الله سبحانه على قدر مفسدة الذنب، وتقاضي الطبع له، وجعلها سبحانه ثلاثة أنواع». أي هذه العقوبات، الحدود التي مرت معنا قريبًا. «قال: وجعلها سبحانه ثلاثة أنواع: القتل، والقطع، والجلد. قال: وجعل القتل بإزاء الكفر، وما يليه ويقرب منه، وهو الزنا واللواط. قال: فإن هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد الأنساب، ونوعي الإنسان». ما الذي يفسد الأديان؟ قال: «فإن هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد الأنساب». ماذا يقصد بالذي يفسد الأديان؟ قال: «قال: وجعل القتل بإزاء الكفر... وما يليه ويقرب منه وهو الزنا... واللواط. قال: فإن هذا... إلى الكفر... وهذا يفسد الأنساب، والإشارة... إلى الزنا، وهكذا، ونوعي الإنسان كذلك أيضًا يدخل في هذا اللواط». قال رحمه الله تعالى: «قال الإمام أحمد...». من يعني بالإمام أحمد؟ الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الله الشيباني، إمام أهل السنة والجماعة في عصره. قال: «قال الإمام أحمد: لا أعلم بعد القتل ذنبًا أعظم من الزنا». واحتج بحديث عبد الله بن مسعود، أنه قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟» قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًا وَهُوَ خَلَقَكَ». وهذا ماذا يسمى؟ أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، ماذا يسمى؟ يوم أن يتخذ الإنسان مع الله عز وجل مثيلًا وندًا وظهيرًا إلى غير ذلك، ماذا يسمى؟ هذا أعظم ذنب يعصى به ربنا عز وجل في الأرض، فما هو؟ الشرك. أحسنتم، هذا هو الشرك بالله عز وجل. قال: «قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟» قال: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». هذه جريمة القتل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. قال: «قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟» قال: «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ». وتزاني، أي يزني، وهكذا يكثر من هذه الجريمة بحليلة الجار. من هي حليلة الجار؟ زوجته. يزني بزوجة جاره. الزنا يا إخوان جريمة عظيمة جدًا، لكن الزنا بالجيران هذا أعظم وأشد. لماذا أعظم وأشد؟ لأنه زنا وخيانة، الجار يأتي من جاره على عرضه، فيأتي الجار ويخون ويغدر بجاره. قال: «فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، هذا الشرك، ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، هذه جريمة القتل، ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾». والحديث في الصحيحين، في البخاري ومسلم. وأما الآية ففي أي سورة؟ في سورة الفرقان. قال رحمه الله تعالى: «قال: والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر من كل نوع أعلاه، ذكر أي في الحديث السابق، من كل نوع أعلاه، ليطابق جوابه سؤال السائل. فإنه سأله عن أعظم الذنوب، فأجابه بما تضمن ذكر أعظم أنواعها». ما هو أعظم كل نوع؟ قال: «فأعظم أنواع الشرك: أن يجعل العبد لله ندًا، وهو يعلم أنه خلقه، وهو يعلم أن الله عز وجل خلقه، بينما ما اتخذه ندًا لم يخلق ولم يرزق ولم يعطي ولن يمنع إلى غير ذلك. وأعظم أنواع القتل: أن يقتل الرجل ولده خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه. وأعظم أنواع الزنا: أن يزني الرجل بحليلة جاره». قال: «فإن مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف من تهتك العبد من الحق. فالزنا بالمرأة التي لها زوج أعظم إثما وعقوبة من التي لا زوج لها، مع أن الكل عظيم. لكن ذكر أن الزنا بالمرأة المتزوجة أعظم من الزنا بالمرأة التي هي ليست متزوجة. إذ فيه انتهاك حرمة الزوج، وإفساد فراشه، وتعليق نسب عليه لم يكن منه، وغير ذلك من أنواع أذاه». قال: «فهو أعظم إثما وجرما من الزنا بغير ذات البعل». من هو البعل؟ البعل هو الزوج. من يذكر آية ذكر فيها البعل؟ ﴿وَقَالَتْ هَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾، هذا في الكلام عن زوجة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: «قال: فإن كان زوجها، أي زوج المرأة التي زني بها، جارًا للزاني، انضاف إلى ذلك سوء الجوار، وأذى جاره بأعلى أنواع الأذى، وذلك من أعظم البوائق، يعني من أعظم الأمور المهلكة. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ". وبوائقه: أي شروره. والحديث في صحيح مسلم. قال: "وَلَا بَائِقَةَ أَعْظَمَ مِنَ الزِّنَا بِامْرَأَةِ الْجَارِ". فالزنا بمئة امرأة لا زوج لها أهون عند الله من الزنا بامرأة الجار». «فإن كان الجار أخًا له أو قريبًا من أقاربه، انضم إلى ذلك قطيعة الرحم، فيتضاعف الإثم. فإن كان زوج المرأة المزني بها في طاعة الله، أي خرج وغاب في طاعة، مثل صلاة أو حج أو جهاد أو صلة رحم أو غير ذلك من الطاعات، تضاعف الإثم. حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله، أي الذي خرج في الغزو، الجهاد في سبيل الله، يوقف له يوم القيامة، ويقال: خذ من حسناته ما شئت». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَمَا ظَنُّكُمْ؟» أي: ما ظنكم أن يترك له من حسناته شيئًا؟ قد حكم في أن يأخذ منها ما شاء، مع شدة الحاجة هناك إلى زيادة حسنة واحدة، إلى زيادة حسنة واحدة. يعني الإنسان في ذلك اليوم يريد حسنة، يبحث عنها، قد يترتب على هذه الحسنة دخول الجنة أو النجاح من النار. فكيف وقد وجد هذا العبد يقال له: «خُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ»؟ فماذا سيترك من هذه الحسنات وهو بأمس الحاجة إليها في ذلك اليوم؟ ﴿حَيْثُ لَا يَتْرُكُ الْأَبُ لِابْنِهِ... أَيَّ حَسَنَةٍ﴾، الابن يريد من أبيه حسنة ما يعطيها إياه، ﴿وَلَا الصَّدِيقُ لِصَدِيقِهِ حَقًّا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ﴾. وصدق ربنا عز وجل يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. لماذا يا رب؟ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾، كل واحد مشغول بنفسه، همه أن ينجو بنفسه. ﴿يُبْصِرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أهم شيء أن ينجو هو، ولو يدخل النار أولاده وزوجته وأهله وقبيلته، بل ومن في الأرض جميعًا، ومن في الأرض جميعًا، أهم شيء أن ينجو هو. قال رحمه الله تعالى: «قال: فإن اتفق أن تكون المرأة رحمًا منه، أي من أرحامه، كابنة عمه، ابنة خاله، ابنة عمته، ابنة خالته، ابنة أخيه، ابنة أخته، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. قال: انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها. قال: فإن اتفق أن يكون الزاني محصنًا، كان الإثم أعظم». متى يكون الزاني محصنًا؟ متى يكون الزاني محصنًا؟ هل السؤال واضح؟ عندنا الزنا على نوعين: محصن وبكر. متى يكون محصنًا؟ إذا تزوج. إذا تزوج صار محصنًا، صار محصنًا. قال: «فإن اتفق أن يكون الزاني محصنًا، كان الإثم أعظم. فإن كان الزاني شيخًا...». لاحظوا يا إخوان، الجريمة تعظم على حسب حال الزاني أو المزني بها. «فإن كان الزاني شيخًا، كان أعظم إثما، وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». كما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ». ما معنى «عائل مستكبر»؟ شيخ زانٍ: هذا معروف، رجل كبير في السن، شايب، ويذهب يزني، بقي في الشهوة بزنا، وميل إلى هذه الشهوات. وملك كذاب: الثالث، عائل مستكبر. ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. أحسنت: فقير ويتكبر. فقير يتكبر، لماذا تتكبر؟ ماذا عندك؟ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾، الغنى سبب الطغيان والتكبر، أما فقير يتكبر... قال: «فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام، أو بلد حرام، أو وقت معظم عند الله، كأوقات الصلوات وأوقات الإجابة، تضاعف الإثم. قال: وعلى هذا فاعتبر مفاسد الذنوب وتضاعف درجاتها في الإثم والعقوبة، والله المستعان». وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل، ويأتي معنا فصول أخرى تتعلق بهذا. نسأل المولى عز وجل أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا يقربنا إليه، وأن يجنبنا الفواحش والآثام والمصائب والفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.