الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 59، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يواصل الشرح تصنيف ابن القيم للذنوب إلى ثلاثة أقسام: ما فيه حد بلا كفارة، وما فيه كفارة بلا حد، وما لا حد فيه ولا كفارة وينقسم لنوعين. ثم يبين النوع الأول من الكفارات وهو ما كان أصله مباحاً ثم حرم لعارض كوطء الزوجة في الصيام أو الإحرام أو الحيض، ويفرقه عن الوطء في الدبر المحرم أصلاً.
يشرح المقطع أنواع الكفارات الثلاثة: كفارة اليمين والنذر (تحلة)، وكفارة القتل خطأ (جابر)، وكفارة الصيد في الإحرام، مبيناً أن الأولى للزجر، والثانية للتحلل، والثالثة للجبر. ويقرر قاعدة عدم اجتماع الحد والكفارة ولا الحد والتعزير في معصية واحدة.
يبيّن المقطع أن الحد والكفارة لا يجتمعان في معصية واحدة، ويناقش خلاف العلماء في جواز الجمع بين التعزير والكفارة في المعاصي التي ليس فيها حد، مع التمثيل بالوطء في الإحرام والصيام ووطء الحائض. ثم يستعرض تاريخ كفارة عتق الرقبة من وجود أسواق الرقيق إلى انعدامها اليوم، مقارنًا بين حث الإسلام على عتق العبيد وممارسات الاستعمار الغربي في استعباد الأفارقة، منتقدًا ازدواجية معايير حقوق الإنسان المعاصرة.
يختتم المتحدث الجلسة بدعاءٍ يطلب فيه من الله العلم النافع والعمل الصالح، والمغفرة والهداية لأزواجه وأولاده وشباب المسلمين. ويصلي على النبي محمد ويختم بالحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فمرَّ معنا في الدرس الماضي ضمن الحديث حول رسالة شيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي المشهور بابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، وهي رسالة «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» وهي «الداء والدواء». وكما سبق أنها تعتبر من أنفس كتب ورسائل شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى. وتكلمنا في الدرس الماضي حول بعض الفصول المتعلقة بالعقوبات الشرعية المترتبة على الجرائم وعلى المحرمات. وقد ذكر رحمه الله تعالى أن هذه العقوبات تدور على ثلاثة أشياء: أولها القتل، وثانيها القطع، وثالثها الجلد، كما سبق معنا الإشارة والتعليق على ما ذكره رحمه الله تعالى في هذا السياق. ثم ذكر رحمه الله تعالى ما يتعلق بأقسام الذنوب، وأن الله عز وجل جعل الذنوب على ثلاثة أقسام: فقسم منها جعل فيه الحد ولم يجعل فيه كفارة، وهذا اكتفاء بالحد فيه، كالزنا وشرب الخمر ونحوها. بينما قسم آخر لم يرتب عليه حدًّا وإنما شرع فيه كفارة، ومثل ابن القيم على ذلك بمن وطئ زوجته في نهار رمضان وهو صائم، فعليه كفارة مغلظة: يعتق رقبة، فإن لم يجد يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فأطعم ستين مسكينًا. وهكذا أيضًا الوطء في الإحرام، وهكذا الظهار، وهكذا ما إذا قتل نفسًا بغير عمد ويسمى قتل خطأ، فهذا فيه كفارة ولا يترتب عليه حد. وهكذا كفارة اليمين في حق من حنث في يمينه وغير ذلك. والقسم الثالث: الذي لم يرتب عليه لا حدًّا يقام عليه ولا كفارة تجب عليه. وذكر أن هذا على نوعين: أحدهما: ما كان الوازع -يعني الرادع- عنه طبيعيًّا، يعني النفوس لا تميل إليه. فمثل له بأكل العذرة -أي النجاسة- أو شرب البول أو شرب الدم. فمن فعل شيئًا من ذلك وقع في محرم، هل يقام عليه الحد؟ الجواب: لا. هل يترتب على فعله ذلك كفارة؟ الجواب: لا. وإنما يلزمه التوبة إلى الله عز وجل، وإذا رأى الحاكم تعزيره عزره. النوع الثاني: ما كانت مفسدته أدنى -أي أخف- من مفسدة ما رتب عليه الحد، المفسدة أقل وأخف من مفسدة تلك الجرائم التي ترتب عليها الحد. ومثل لذلك بالنظر، ينظر إلى النساء، فهذه مفسدة أقل من مفسدة الزنا. فهل يقام عليه الحد؟ الجواب: لا. وإنما يأثم على ذلك ويلزمه التوبة، وإذا تكرر قد يعزر من قبل الحاكم. وهكذا القبلة واللمس والمحادثة، فكل ذلك أخف من الزنا فلا يقام عليه الحد وليس عليه كفارة، وإنما يعتبر من المحرمات التي يجب على صاحبها التوبة إلى الله عز وجل. قال: «وسرق فلسًا»، فهذا دون المال الذي حدده الشرع فيما لو سرق أقيم على صاحبه الحد. يقام الحد على من سرق ربع دينار فما فوق، أقل من ذلك لا يقام عليه الحد، ويأثم وعليه التوبة، وقد يعزره الحاكم. قال: «ونحو ذلك». ثم تكلم على الكفارة وأنواعها، قال رحمه الله تعالى: «قال: وشرع الكفارة -أو شرع الكفارة- في ثلاثة أنواع، في ثلاثة أنواع: أحدها -أو أحدها- ما كان مباحًا الأصل ثم عرض تحريمه، أصله مباح، مثل ماذا؟ مثل إتيان الرجل زوجته، هذا مباح، لكن أثناء الصيام حرام، ما يجوز، وأثناء الإحرام بالحج والعمرة حرام لا يجوز. فما كان مباح الأصل قلنا كإتيان الرجل زوجته ثم عرض تحريمه، أي حرم لعارض كالصيام في رمضان أو الإحرام بالحج والعمرة إلى غير ذلك، قال: فباشره في الحال التي عرض فيها التحريم، يعني وقع في هذا الأمر وفعله في الحال التي حرم فيها، قال: كالوطء في الإحرام والصيام». «كالوطء» يعني الجماع في الإحرام أي بالحج أو العمرة والصيام. «قال: وفرده» يعني منه، أو يعني على قاعدته العامة يعني ومثله وعلى نحوه. «قال: في الحيض والنفاس»، أي إذا وطئ زوجته حال كونها حائضًا أو نفساء فقد وقع في الحرام مع أن أصل الفعل جائز وهو وطء الرجل زوجته، لكن إذا كانت حائضًا أو كانت نفساء ففي هذه الحال لا يجوز، حرام. «قال: بخلاف الوطء في الدبر». «قال: بخلاف الوطء في الدبر» يعني هذا ليس كالأول، لماذا ليس كالأول؟ لأنه حرام من أصله، حرام في جميع الأحوال وفي جميع الأزمنة وفي جميع الأماكن، فهذا حرام لا يجوز، بخلاف ما سبق ذكره فأصله مباح لكن لا يجوز إما في زمن معين وإما في حالة معينة. قال: «ولهذا كان إلحاق بعض الفقهاء له بالوطء في الحيض لا يصح». في الحيض لا يصح. لماذا يا إخوان لا يصح إلحاق الوطء في الدبر بماذا؟ بوطء الزوجة حال كونها حائضًا أو نفساء؟ كلاهما من الكبائر وكلاهما يحرم على الأبد. ما زلنا معك يا أبا موسى. الوطء في الحيض والنفاس أصله حلال أو حرام؟ أصله حلال، أصل الوطء حلال، لكن في حال الحيض والنفاس يحرم. طيب، الوطء في الدبر حرام من أصله، حرام من أصله. قال: «فإنه لا يباح في وقت دون وقت، قال: فهو بمنزلة التلوط». ما معنى التلوط؟ يعني عمل اللواط، عمل قومي لوط، الذكر يأتي ذكرًا بالفاحشة. قال: «فإنه قال: فهو بمنزلة التلوط وشرب المسكر». «قال: النوع الثاني، النوع الثاني، قال: ما عقده لله من نذر أو بالله من يمين أو حرمه الله ثم أراد العبد حله، قال: فشرع الله سبحانه حله بالكفارة وسماها تحلة: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]، أي ما يحل به ذلك اليمين. قال: وليست هذه الكفارة ماحية لهتك حرمة الاسم بالحنث كما ظنه بعض الفقهاء، كما ظنه بعض الفقهاء، فإن الحنث قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا وقد يكون مباحًا، وإنما الكفارة حل لما عقده، حل لما عقده. فمن نذر لله نذرًا، إذا كان ليس في معصية وجب عليه الوفاء به. وهكذا من أقسم على شيء أنه يفعله، يقول: والله لأذهبن غدًا إلى كذا، إلى كذا، فأصبح وتصبح ثم بدا له أن يجلس ولا يذهب، ولا يذهب، هنا وقع في الحنث، ماذا عليه؟ عليه كفارة، وهي كفارة يمين: أن يعتق رقبة، أو ماذا؟ يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم، فإن لم يستطع شيئًا من هذه الثلاث عندها وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم. ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89]، يحفظ العبد يمينه بعدم الإكثار من الأيمان وأن لا يقسم إلا عند الحاجة، وإذا احتاج إلى أن يحنث، أن يرجع عن اليمين، فعليه ماذا؟ عليه كفارة، عليه كفارة». «قال: النوع الثالث، والنبي صلى الله عليه وسلم يا إخوان أرشدنا إلى أمر، قال: ‹من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه›. أب حلف أنه يضرب ولده، قال: والله إذا جئت لأضربنك ضربًا مبرحًا في حالة غضب، أراد بذلك التأديب لولده، فبعدها رأى أن ترك الضرب أنفع وأصلح، فيترك ويكفر عن يمينه، يكفر عن يمينه». «قال رحمه الله تعالى: قال: النوع الثالث، أي من أنواع الكفارات، قال: ما تكون فيه جابرة -ما تكون فيه جابرة- وفي بعض النسخ: جائزة. قال: ما تكون فيه جابرة لما فات، ككفارة قتل الخطأ، ككفارة قتل الخطأ. قال: وإن لم يكن هناك إثم، من قتل شخصًا خطأً، من قتل شخصًا خطأً، خرج يتقنص، اصطاد، معه البندق، وبينما هو يصطاد ولا سيما في الليل رأى حركة، رأى شيئًا يتحرك، فغلب على ظنه أنه صيد، فقام وضربه، فلما أتى يريد أن يأخذ الصيد وإذا به إنسان قد سقط مقتولًا. طيب، هل قصد ذلك؟ الجواب: لا. هذا ليس بعمد، هذا ليس بعمد، هذا من نوع شبه العمد، فأراد أن يصيب صيدًا، أو هذا من الخطأ، أراد صيدًا فوقع على إنسان. هنا هل نأخذه ونقتله؟ الجواب: لا، ليس عليه قتل، وإنما فيه الكفارة. الدية، الدية، الكفارة على القاتل، الدية على العاقلة. من هم العاقلة؟ من هم العاقلة يا بُنَيَّ؟ العاقلة على قبيلته، على أسرته، على أوليائه، يجمعوا الدية، والكفارة على القاتل نفسه. هذا في شبه العمد، وهكذا في الخطأ. أما في العمد: شخص قتل آخر عمدًا، أخذ سكين وطعنه، أخذ سلاحًا ورماه، هذا عمد، قصد قتله، فهذا فيه الحد على القاتل، إلا أن يعفو أولياء الدم، يقول: خلاص، يأتي بالدية، فأية دية؟ ماذا يلزم بها القاتل نفسه؟ يلزم بها القاتل نفسه». «قال رحمه الله تعالى: قال: وكفارة قتل الصيد خطأً، وكفارة قتل الصيد، أي قتله في حق من كان محرمًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] الآيات. فكفارة قتل الصيد خطأً ليس عليه إثم وإنما عليه كفارة. قال: فإن ذلك من باب الجوابر، أي يجبر، يغطي ويكمل النقص. قال: والنوع الأول من باب الزواجر، النوع الأول الذي سبق فيما كان أصله مباحًا لكنه عرض تحريمه، حرم في حال أو في زمن معين، فوجب فيه الكفارة، وهذه كفارة ماذا؟ كفارة مغلظة، فهذه الكفارة من باب الزواجر، الزجر يعني الردع عن فعل هذا الأمر. قال: والنوع الوسط من باب التحلة، لما منعه العقد كالذي مضى معنا في النذر، وهكذا أيضًا في اليمين». «قال: ولا يجتمع الحد والتعزير في معصية، بل إن كان فيها حد اكتُفي به، وإلا أي إذا لم يكن فيها حد اكتُفي بالتعزير. ومر معنا الكلام حول التعزير، أشرنا إليه: التعزير يكون فيما دون الحد، معصية أو جريمة وقع فيها الإنسان وليس هناك حد يترتب على فعلها، فعندها يعزر، أي يعاقبه الحاكم بماذا؟ يعزر بالضرب ممكن دون الحد، يعزر بالسجن، يسجن أيامًا ونحوها، يعزر بغرامة مالية، يقال: تدفع مبلغ خمسمائة ألف ريال يمني تعزيرًا لك لأجل ألا تعود إلى هذا أو إلى هذه الجريمة، وهكذا لكي لا يتساهل الناس في فعلها، فهذا يعتبر من التعزير». «قال: ولا يجتمع الحد والكفارة والكفارة والكفارة والكفارة والكفارة والكفارة فال كفارة فال كفارة وما فيه كفارة فلا حد فيه. وهذه قواعد يا إخوان عظيمة، أما يصدرها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، ومثل هذا لا يقال إلا عن طريق الاستقراء والتتبع، وهو رحمه الله تعالى من أهل ذلكم الباب، فوسِّعوا الاطلاع، وهكذا عنده من الفقه والفهم الدقيق الشيء الكثير». «قال: وهل يجتمعان؟ إذن لا يجتمع عندنا في معصية حد وتعزير، إذا كان هناك حد يقام الحد ولا يعزر، وإذا كان ليس على هذه المعصية حد فللحاكم أن يعزره. أيضًا لا يجتمع الحد والكفارة في معصية واحدة، فإذا كان هناك حد يقام الحد وليس عليه كفارة، وإذا لم يكن هناك حد وإنما كفارة فعليه أن يقوم بالكفارة، عليه أن يقوم بالكفارة. قال: وهل يجتمع التعزير والكفارة في المعصية التي لا حد فيها؟ فيها وجهان، وهذا إشارة إلى الخلاف الموجود في المسألة. قال: وهذا، أي مثاله كالوطء في الإحرام والصيام، كالوطء يعني الجماع في حال الإحرام، وهكذا في حال الصيام. قال: ووطء الحائض، أي الزوج يجامع زوجته وهي حائض، فهل في هذا حد؟ هل في هذا الذي ذكر حد يا أبا الحسن؟ ليس فيه حد. طيب، قال: إذا أوجبنا فيه الكفارة، إذا وجبت الكفارة في هذه الأشياء، فهل يجمع أو هل يجوز أن نجمع مع الكفارة تعزيرًا؟ نقول له مثلًا: أنت جامعت زوجتك في نهار رمضان وأنت صائم، هذا حرام، قال: حرام، أستغفر الله وأتوب إليه منه. نقول: عليك كفارة، قال: ما هي الكفارة؟ قلنا: تعتق رقبة. كيف تعتق رقبة؟ قلنا: تذهب وتشتري عبدًا وتعتقه. قال: أين العبيد؟ وإذا وجد العبيد فمن أين آتي بالمال الذي يشترى به العبد؟». «كان يا إخوان قبل سنوات عبيد يتم شراءهم في بعض البلدان كإفريقيا، مثل موريتانيا وغيرها، يرسل بمبالغ مالية إلى ذلك البلد ويشترى العبد ويشترى العبد ويعتق في بابه الكفارات. اليوم ينذر يا إخوان، اليوم يكاد لا يوجد، ولهذا ربنا عز وجل لما ذكر الكفارة وذكر فيها عتق رقبة كما في آيات الظهار، قال سبحانه: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ [المجادلة: 4]، فمن لم يجد، أشار بعض العلماء إلى أنه قد يأتي زمان لا يوجد، وهذه الآية نزلت والرق بلغ أوجه، يعني أقوى مراحله، أسواق يا إخوان مثل أسواق الإبل والغنم، مثل أسواق القصب ونحوه، أسواق للعبيد، أسواق للرقيق. لكن انظر كيف أتى الوقت ولا يكاد يجد الشخص رقبة يشتريها فيعتقها، فيعتقها. وهنا يا إخوان تظهر سماحة الإسلام، ويظهر بغي وعدوان وظلم الكفار. الإسلام حث على عتق الرقاب، وأن من أعتق رقبة أعتق الله به بكل عضو من هذه الرقبة عضوًا من هذا المعتق حتى فرجه بفرجه كما جاء في الحديث، وهكذا جعل عتق الرقاب من أعظم الأعمال: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 11-13]، يعني هذا من الأعمال التي تنجي وتخلص صاحبها من الأزمات، وهكذا من النكبات والمصائب والفتن. وهكذا جعل كفارة لبعض الجرائم والمعاصي: أعتقوا رقبة، إلى غير ذلك. فأحسن إلى الرقيق والعبيد حتى وصل الحال إلى ما ترى وتسمع. لكن ماذا فعل الكفار يا إخوان؟ الصليبيون هؤلاء أثناء حملاتهم التي سموها بالكشوفات الجغرافية، تنطلق البواخر من إسبانيا والبرتغال، تنطلق من هولندا، وهكذا من غيرها من البلاد، فتمر على بلاد إفريقيا فيأخذ من أهلها المئات بل وأحيانًا يحمل الألوف، يخدعونهم، مساكين، بحجة: هناك أعمال، هناك وظائف، يغرونهم بالأموال، ومنهم من يأخذونهم غصبًا، أحرارًا يأخذونهم عبيدًا، يباعون في أسواق أمريكا، وهكذا في أسواق أوروبا وغيرها من البلدان الأخرى. أنظر كيف جنوا على البشرية. يأتون اليوم هؤلاء الكفار من النصارى واليهود ويتحدثون عن حقوق الإنسان، عن حقوق الإنسان، ومن ظلم الإنسان غيرهم؟ يتحدثون عن حقوق المرأة، يقول لك: حق المرأة أنها تخرج تشتغل، حق المرأة أنها تختار صديقها صاحبها الذي يرافقها، حق المرأة أنها لا تلزم بالحجاب والنقاب إلى غير ذلك. بل يعني يضحكون على الذقون كما يقال، فيطالبون بحقوق الحيوان، حق الهرة وحق الكلب، إن شاء مستشفيات للهررة ومستشفيات للكلاب ونحوها، وهم يقصفون ويضربون مستشفيات البشر كما يفعل اليهود المجرمون هذه الأيام في أرض غزة، في أرض غزة. أين الذي يطالب بحق الهرة والكلب؟ لماذا لا يدفع ويرفع الظلم الحاصل على الإنسان؟ إن كانوا مسلمين فترك حقهم، لو كانوا نصارى يا إخوان أو يهودًا لرأيت المنظمات ولرأيت المؤسسات ولرأيت الجهات تقوموا قومة رجل واحد لكي ترفع الظلم. وقبل عقود من الزمن شهدت البشرية مجازر من أروع وأبشع المجازر في قلب أوروبا، في قلب أوروبا، حين أن قامت الحرب بين الصرب وبين البوسنة والهرسك، البوسنة والهرسك مسلمون، والصرب ومعهم بعض الجمهوريات كالجبل الأسود وغيرها، صليبيون نصارى حاقدون. انظر العالم يتفرج على النصارى وهم يبيدون المسلمين إبادة، العالم يتفرج والنصارى يغتصبون العذارى ويغتصبون النساء على مرأى ومسمع من الرجال، الأب ينظر إلى ابنته وهي تُغتصب، والزوج ينظر إلى زوجته وهي تُغتصب، البنت تنظر إلى أبيها وهو يُقتل. انظر جرائم لن ينساها التاريخ لأولئك المجرمين من الصليبيين والنصارى الحاقدين، ويأتوا يطالبون بحق الهرة والكلب والطيور والأسماك وغيرها وغيرها. فنحمد الله عز وجل يا إخوان على نعمة الإسلام والهداية إلى التوحيد والإيمان، ونسأله تبارك وتعالى أن يثبتنا على هذا الخير حتى نلقاه». «قال رحمه الله تعالى: قال: فقيل يجب التعزير لمن تهتك من الحرمة بركوب الجناية، أي ركوب وفعل المعصية، وقيل لا تعزير في ذلك اكتفاء بالكفارة لأنها جابرة وماحية. إذن العلماء مختلفون في الذنب الذي فيه كفارة، هل يجوز أن يعزر صاحبه أم لا؟ وهذا يرجع يا إخوان إلى الحاكم، لأن باب التعزير هو ماذا؟ يتعلق بالإمام، فإن رأى عزر وإلا فيترك ذلك، وإلا يترك ذلك. طيب، نكمل إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم، إذ أن شيخ الإسلام ابن القيم سينتقل إلى الحديث حول العقوبات القدرية ويذكر فصولًا تتعلق بذلك بعد أن ذكر فصولًا تتحدث حول العقوبات الشرعية. طيب، نكتفي بهذا ونسأل المولى عز وجل أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا يقربنا إليه، وأسأله جل وعلا أن يغفر ذنوبنا ويصلح أحوالنا ويهدي أزواجنا وأولادنا وشباب المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم، وشباب المسلمين، وشباب المسلمين».