الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 145، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع فائدتين من قصة كعب بن مالك: الأولى جواز دخول دار الصديق بغير إذنه إذا علم رضاه بذلك استدلالاً بصعود كعب لبيت أبي قتادة. والثانية أن قول "الله ورسوله أعلم" لا يعد كلاماً ولا خطاباً، فلا يحنث به من حلف ألا يكلم شخصاً كما فعل أبو قتادة أثناء هجر الصحابة للثلاثة.
يبيّن المقطع الفرق بين مسارقة النظر المباحة في الصلاة والالتفات المنهي عنه مستدلاً بفعل كعب بن مالك. كما يبرز تقديم الصحابة طاعة النبي صلى الله عليه وسلم على مودة القربى في قصة كعب وأبي قتادة، ويؤكد مشروعية خدمة المرأة لزوجها من باب العشرة بالمعروف بسير نساء الصحابة.
يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم تُوفي في بيت عائشة، وأن خدمة المرأة لزوجها في المأكل والمشرب والنظافة والتربية من رعاية البيت الواردة في الحديث. كما يؤكد وجوب اجتناب الشبهات صيانة للدين، ويجوز إحراق الأوراق التي تحوي اسم الله أو القرآن إذا دعت مصلحة كمنع امتهانها كما فعل كعب بن مالك وعثمان رضي الله عنهما.
يوضح المقطع مشروعية سجود الشكر مستدلاً بفعل كعب بن مالك والصحابة عند نزول توبتهم. ويحث على المبادرة بإدخال السرور على المسلم ببشراه بالخير اقتداءً بهدي الصحابة في الاستباق بالبشارات.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال المحقق أو المعلق على كتاب قصص القرآن وهو يذكر فوائد الحديث الثلاثة الذين خلفوا: قال: وفيها جواز دخول المرء دار جاره وصديقه بغير إذنه ومن غير الباب إذا علم رضاه بهذا القيد، لأنه جاء في هذا الحديث أن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه صعد إلى بيت أبي قتادة، وكان صديقاً له، فكان صديقاً له، فهذا يحمل على ما ذكره المؤلف هنا أن هذا الفعل منه لعلمه برضى صديقه، وأن ما فيه تكشف عليه أو إخاف له أو نحو ذلك. قال: وفيها أن قول المرء: الله ورسوله أعلم، ليس بخطاب ولا كلام، ولا يحنث به من حلف ألا يكلم الآخر إذا لم ينوِ به مكالمته، لأن أبا قتادة رضي الله تعالى عنه لما سأله كعب بن مالك: هل أنا أحب الله ورسوله؟ قال له: الله ورسوله أعلم، مع أن الصحابة جميعاً أهجروا هؤلاء الثلاثة وأمروا بأن لا يكلمهم، فكيف الجمع الآن؟ أبو قتادة تكلم، قال: الله ورسوله أعلم. فجمع العلماء ذلك بأن هذا القول ليس بخطاب لأنه لم ينوِ به مكالمته، لم ينوِ به مكالمته، بل ازداد كعب بن مالك بهذا القول حسرة وبكاء وندم، إذ أنه لم يجبه بنعم أو لا. وكذلك لا يحنث به، بمعنى لا يكون ناقضاً يمينه، من حلف أن لا يكلم الآخر، فإذا سأله الآخر وقال: الله أعلم، قالوا: هذا لا يعد كلاماً لأنه لم ينوِ مخاطبته. نعم، قالوا: وفيها أن مسارقة النظر في الصلاة لا تقدح في صحتها، لأن كعب بن مالك كان يسارق النبي صلى الله عليه وسلم النظر، فهذا يحمل على الشيء اليسير الذي لا يصل إلى حد الالتفات، لأنه جاء النهي عن الالتفات في الصلاة، ففرق بين المسارقة وبين الالتفات، فالمسارقة هو الشيء الذي يكون بإدارة العينين لا بالتفات الوجه، والله تعالى أعلم. قال: وفيه إيثار طاعة الرسول على مودة القربى، بمعنى أن كعب بن مالك أتى له أهله ولا يزالون به كي يحلف أو كي يعتذر كما اعتذر من قبله، لكنه آثر رضي الله تعالى عنه طاعة الرسول على مودة القربى. وكذلك من وجه آخر: أن أبا قتادة كانت له قرابة من كعب بن مالك، ومع هذا لم يكلمه ولم يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في هجره، فآثر طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام على مودة القربى. قال: وفيه خدمة المرأة زوجها، أي أن هذا من العشرة بالمعروف، فإن هلال بن أمية لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الثلاثة بألا يقربوا نساءهم، قالت امرأة هلال لرسول الله: إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ فهذا دليل على خدمة المرأة زوجها، وأن هذا من حسن العشرة، ولا يزال نساء الصحابة رضي الله تعالى عنهن يخدمن أزواجهن، ولم تقل واحدة منهن: ليس بواجب علي خدمة الزوج، كما يتفلسف بعض نساء هذا العصر بمثل هذا القول. فانظروا إلى أسماء بنت أبي بكر كيف كانت تخدم زوجها حتى خارج البيت، فكانت تسوس الجمال وتأتي بالماء لبيتها ليشرب أهل بيتها. وهكذا تأتي فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتطلب منه خادماً لما وجدت من أثر الرحى على يدها، يعني أثر طحن الحب، هذا الدليل على أنها كانت تخدم زوجها. وهكذا ما مرّض النبي صلى الله عليه وسلم إلا عند عائشة رضي الله تعالى عنها، وما مات إلا بين صدرها أو في صدرها رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وكم من أحاديث مرت في السيرة النبوية، وهكذا في الأحاديث الصحاح والتي فيها خدمة نساء الصحابة لأزواجهن، فهذا مما تعارف عليه الناس، ومما كذلك عرف في المجتمع بأن المرأة تخدم زوجها في بيته وفي طعامه وفي شرابه. وهذا أيضاً معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»، فقد ذكر أهل العلم أن من رعاية المرأة في بيت زوجها أن تقوم بخدمته من مأكله ومشربه وتغسيل ثيابه وتربية أولاده والاعتناء بنظافة بيته، كل ذلك من معنى رعاية المرأة لبيت زوجها. قال: وفيه الاحتياط لمجانبة ما يخشى الوقوع فيه، بمعنى الابتعاد عما لربما يكون سبباً في الوقوع في المحظور، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام. قال: وفيه جواز تحريق ما فيه اسم الله للمصلحة، لأن أبا كعب بن مالك لما جاءه الكتاب من ملك غسان فيه ذكر الله، فيه اسم الله: «أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد قلاك، وأن الله لم يجعلك بدار هوان ولا مضيع، فالحق بنا نواسك»، فأخذ كعب بن مالك هذا الكتاب وسجره وأحرقه، وفيه ذكر الله. فالأوراق التي فيها ذكر الله ومنها القرآن، إذا كانت هناك مصلحة من حرقه كعدم الانتفاع به، وخشية لو وجد أو لو رمي من غير حرق لربما يهان، وكذلك يتناثر هنا وهناك ويطأ عليه الناس ونحو ذلك، فقد فعل الصحابي ذلك. فلما جمع عثمان رضي الله تعالى عنه القرآن في مصحف واحد، عمد إلى بقية النسخ المتناثرة والمتفرقة فأحرقها، فهذا دليل على ذلك أيضاً: جواز تحريق ما فيه اسم الله للمصلحة إذا كان هناك مصلحة في ذلك. قال: وفيها مشروعية سجود الشكر، لأن كعب بن مالك لما جاءته البشارة سجد لله، وسجود الشكر هذا ثابت في فعل كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. قال: وفيه الاستباق إلى البشارة بالخير، يعني إذا كان هناك شيء يفرح أخاك المسلم فبادر واستبق إلى إدخال السرور عليه، فإن الاستباق بالبشارة مما يدخل السرور على الأخ المسلم. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر