التعليق على نظم الورقات 26

الدرس في التعليق على نظم الورقات 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في الأمر والنهي

يفيد الأمر الوجوب والتكرار، والنهي يستلزم الامتناع عن الفعل المنهي عنه. العلماء يختلفون في اقتضاء النهي للفساد.

المكلفون بخطاب الله تعالى

يدخل المؤمنون جميعًا في خطاب الله، ويُستثنى الصبي والساهي والمجنون. الكافرون يدخلون في الخطاب الشرعي باختلاف في التفاسير.

دخول الكفار في الخطاب الشرعي وعواقبه

الكفار مخاطبون بالشرائع، ودخولهم في الخطاب يزيد من عذابهم يوم القيامة. يُفرق بين الأصول والفروع في الدين.

أسباب دخول النار وسقر

أسباب دخول سقر هي عدم الصلاة وإطعام المسكين والخوض في الباطل. هذه الأفعال كانت سببًا لدخولهم النار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. وحمد الله الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد أخذنا الأمر والنهي، وهناك قواعد أيضا في الأمر والنهي لم تذكر هنا، وهي ليست كثيرة، لكن أكثر القواعد هنا ذكرت. الأمر يفيد الوجوب، والأمر يفيد الفورية، والأمر يفيد التكرار. والأمر يدل على الوجوب، وعلى ما لا يتم به أيضا. أو يقولون: الأمر أمر بالوجوب، وبما لا يتم به، أي فهو واجب أيضا كذلك. وأيضا مسألة الأمر: هل هو نهي عن ضده؟ فقلنا إن العلماء اختلفوا في هذه القاعدة. والأولى أن ترجع إلى فهم المقصد، أو يقال كما صرح به بعض العلماء، كشيخ الإسلام وغيره: أنه يستلزم الأمر بشيء استلزام النهي عن ضده، أو عن أضداده. قد يكون عن ضده، قد يكون عن أضداد، لأن أحيانا الأمر بشيء يخرج أضدادا كثيرة. مثلا تقول: صلي قائما، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين: صلي قائما. فصلي قائما هنا أمر بالقيام، ويدخل فيه النهي عن أشياء كثيرة: عن الجلوس، أن يصلي جالسا، أن يصلي متكئا، أن يصلي مثلا متجها، غيرها من هذه. فكلها داخل في النهي، فهو لا يصلي إلا قائما. فلهذا الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده أو عن أضداده. وليس كما تقدم أن ذكرنا أنه نهي عن ضد الأمر، لأنه يختلف في بعض المسائل كما ذكرنا. طيب، أيضا النهي كذلك، وهناك قاعدة أيضا زائدة في النهي، وهي: هل النهي يقتضي الفساد أو لا يقتضيه؟ هل النهي يقتضي الفساد؟ وهذه القاعدة حصل فيها الخلاف بين الفقهاء وأهل الأصول. فمن العلماء من قال: إنه يقتضي الفساد مطلقا، إنه يقتضي الفساد مطلقا، سواء تعلق بذات الشيء أو لم يتعلق بذاته. وهذا الذي مشى عليه الحنابلة. ولهذا تجدهم مثلا يقولون: إن من شروط الصلاة أن يكون الماء مباحا، غير محرم، مثلا غير مغصوب. غير مغصوب، غير مشروط. كذلك أيضا يقولون مثلا: إنه لا يجوز أن يصلي في الأرض المغصوبة، صلاته باطلة. يقولون: معنى ذلك أنه إذا كان مثلا معه بيت مغصوب، لا يجوز له أن يصلي فيه، لأن قلنا صلاته باطلة. وذهب الحنفية، وكذلك الظاهر من المالكية، إلى أنه لا يقتضي الفساد مطلقا. وهناك قول ثالث: إنه يقتضي الفساد إذا تعلق بذات الشيء أو بشرط من شروطه أو ركن من أركانه. وهذا هو قول الشافعية، وهو الصحيح الذي دلت عليه الأدلة: أنه لا يقتضي الفساد إلا إذا تعلق بذات الشيء أو بركن من أركانه أو بشرط من شروطه، سواء كان في العبادات أو المعاملات. فمثلا العبادات، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، نهي في ذات الشيء، هو الصلاة نفسه. فنفي الصلاة لهذا، فهذا النوع يعتبر مما يقتضي الفساد. أو كذلك في المعاملات، إذا تعلق النهي بذات الشيء أو بشرط من شروطه أو بركن من أركانه. فمثلا: «لا نكاح إلا بولي»، هنا نفي النكاح، عن التعلق النهي بذاته. فلهذا اشترط العلماء الولاية في النكاح. بخلاف أبي حنيفة، أبو حنيفة لا يرى أن النهي يقتضي الفساد ولو تعلق بذاته. فلهذا فهو يقول: لا يشترط الولي، وإنما يشترط إذنه، إذنه ولو بعد النكاح. طيب، قال المؤلف رحمه الله: فصل فيمن تناوله خطاب التكليف ومن لا يتناوله. ومن المكلف؟ قال رحمه الله: والمؤمنون في خطاب الله قد دخلوا إلا الصبي والساهي وذا الجنون كلهم لم يدخلوا والكافرون في الخطاب دخلوا فإن هذه الأبيات فيمن هو المكلف بالخطاب، خطاب الله جل وعلا، في الأمر والنهي. فقال: والمؤمنون، أي كلهم في خطاب الله جل وعلا قد دخلوا. كان الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، الذين هنا اسم موصول، فيدخل فيه كل من اتسم بهذا الاسم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أو ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ أو ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾، فهذا عام في هؤلاء. وهنا على كلام مؤلفنا: أن الكافر لا يدخل في الخطاب. لكن الظاهر أن المؤلف رأى أن الكافر يدخل في الخطاب في فروع الشريعة وأصولها. والعاقل هنا استثنى الصبي والساهي والمجنون: أنهم لا يدخلون في الخطاب. والعاقل أن هؤلاء كلهم يدخلون في الخطاب، إنما قلنا: إن الصبي لا يدخل لكونه ليس أهلا، وكذلك المجنون. ولهذا لو صلى الصبي المميز تقبل صلاته، فهو العاقل أنه داخل في الخطاب. وإنما قلنا: لا يدخل لأنه ليس أهلا. وكذلك المجنون. وأما الساهي فهو داخل، الساهي داخل لأنه لا يسقط عليه الحكم ما دام أن الحكم لا يسقط عليه. فهذا معنى أنه داخل، لا يسقط عنه الحكم. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فلما نام عن صلاة أو سهى عنها فليصلها إذا ذكرها». فهنا لم يعدره ولم يخرجه من خطاب، وإنما قال: «فليصلها إذا ذكرها». فلهذا دل على أن الساهي داخل في الخطاب، لكن لا يؤاخذ في الإثم. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، لا يؤاخذ في الإثم. وأيضا كذلك قد يخرج من الخطاب أيضا من وجد عنده مانع، وإلا فهو الأصل أنه داخل في الخطاب. لكن لوجود المانع لم يدخل في الخطاب، مثل الحائض والنفساء في الصلاة والصيام، فإنهم العقل أنهم يدخلون، لكن لوجود المانع لم يدخلوا. وكذلك الصبي والمجنون، العقل أنهم داخلون في الخطاب، وإنما لعدم تكليف الصبي وأنه ليس أهلا لذلك، وكذلك المجنون أخرجوا. ولهذا يقول جمهور العلماء: بالزكاة في مال الصبي والمجنون، هذا يدل على أنهم داخلون في الخطاب. وهنا أيضا قوله: والمؤمنون في خطاب الله، مفهوم أن الكافر لا يدخل. ثم قال في البيت الثاني: والكافرون في الخطاب دخلوا. ومنهم من حمل كلام المؤلف على أنه استدرك في كلامه. ومنهم من قال: أي من العلماء أراد المؤلف على الأصل أنه داخل في فروع الشريعة وليس داخل في أصولها. أراد المؤلف. ومنهم من قال العكس: أن الكفار داخلون في أصل الشريعة لا في فرعها. ما يخاطبون بالأصول، أي بالإسلام نفسه، ولا يخاطبون بالفروع الشريعة. لكن هذا خطأ، لأن الله عز وجل يقول: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُنْ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُنْ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾، فذكروا أشياء كما يقولون أصول وفروع. لكن نحن لا نسلم لهم أن الصلاة فرع، لا نسلم لهم أن الصلاة فرع، بل الصلاة أصل لأنها عمود الدين، ولا دين لمن لا صلاة له. فكيف يكون بعد ذلك يقال أنها ليست من الأصول؟ والصحيح الذي يعول عليه في هذا المقام: أنهم يخاطبون في أمر الشرع بالنسبة للآخرة، بالنسبة للآخرة لا بالنسبة للدنيا. لماذا؟ لأنهم بإجماع العلماء أنهم لا يقضون الصلاة. لو أن أحدهم أسلم لا يقضي الصلاة، لا يقال له: صلي الصلاة التي تركتها. فإذا أسلم فإنه يغفر له ويعفى عنه ما قد تقدم، يعفيه الله عز وجل ويغفر له ما قد تقدم من تركه الصلاة. بل قال الله عز وجل: ﴿وَيُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. ثم قال رحمه الله: في سائر الفروع للشريعة وفي الذي بدونه ممنوع، وذلك الإسلام. فالفروع تصحيحها بدونه ممنوع. قوله: في سائر الفروع، معناه فروع الإسلام المتفرعة من أصول الإسلام. لكن كما قلنا: هناك أصول يجعلونها فروعا. الله النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة». فذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأنه يقاتل به. فكيف يكون مثل هذا فروعا؟ فالفروع المسائل المتفرعة من هذه الأصول، هذا الأصل. لكن أهل الأصول بنوا على هذا: أن الأصل هو ما كان متعلقا بالعقائد، وما كان متعلقا بالأعمال يسمونه فرعا. قال: في سائر الفروع للشريعة وفي الذي بدونه ممنوعة. وقوله: وفي الذي بدونه ممنوعة، معنى دخول الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله. لأن هذه الفروع لا يطالب بها الشخص في الدنيا إلا بدخوله الإسلام. وفي الذي بدونه ممنوعة، يعني يقول: إنه داخل في الخطاب، أي هذا الكافر في سائر الفروع للشريعة يدخل في الخطاب. وفي الذي بدونه ممنوعة، وهو الإسلام. فإن هذه الفروع أصلا لا تصح إلا بالإسلام، لكنه يخاطب بها. يخاطب بها. وهذا استدلالا بالآية التي ذكرنا. فخلاصة هذا المبحث: أن جميع الناس يدخلون في خطاب الله جل وعلا، جميع الناس يدخلون في خطاب الله سبحانه وتعالى، سواء كان المؤمن أو الكافر. لكن هناك من يخرج لعدم أهليته للخطاب، لعدم أهليته للخطاب، كالصبي والمجنون. وهناك من يخرج لوجود مانع يمنعه من فعل هذا الشيء، فيدخل في ذلك الحائض والنفساء. ويدخل في ذلك أيضا الكفر، هو مخاطب، لكن الذي يمنع من دخوله في الخطاب هو كفره. وفي الذي بدونه ممنوع، بسبب أنه ليس بمسلم، فهو لا يدخل في ذلك الخطاب. لهذا يقال: إن الكافر ليس مكلفا، لكنه يعاقب على تركه هذه أصول الإسلام وفروعه. ولو قيل: ما الفائدة من دخولهم في الخطاب وهم كفار؟ فيقال: إنهم يكثر عليهم العذاب في يوم القيامة، ويوبخون أيضا يوم القيامة بتركهم هذه الشرائع. ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُنْ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُنْ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾، لا أدري. هذا ما أذكره. والله تعالى أعلم.