الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 59، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ المراد بأمة الاستجابة ودقة لفظ "بعض" في حديث عبادة الأوثان، مبيناً بقاء الطائفة المنصورة على التوحيد. ثم يرد على استدلال عباد القبور بحديث يأس الشيطان موضحاً أن اليأس كان في زمن الصحابة لرسوخ العقيدة، وأن الحديث حكاية لظن الشيطان الذي تبين خطؤه بوقوع الشرك لاحقاً.
يفسر آية النساء في وصف أهل الكتاب بالإيمان بالجبت والطاغوت مبيناً شموليتهما لكل معبود أو متبوع يُتجاوز به الحد. ويستدل بحديث اتباع سنن من قبلنا وآية المائدة على أن هذه الأمة ستقع في عبادة غير الله كما فعلت الأمم السابقة.
يقرر أن القردة الحالية ليست نسلاً للمسوخين لانقطاع نسلهم، ويعرف الطاغوت بأنه من رضي بعبادة غير الله. ثم يستدل بقصة أصحاب الكهف على أن اتخاذ القبور مساجد سنّة يهودية نصرانية تؤدي لعبادة الأوثان محذراً من وقوع الأمة فيها.
تؤكد الآيات والأحاديث السابقة أن هذه الأمة ستقع في عبادة غير الله مخالفة زعم عباد القبور بنفي الشرك عنها. ويشير الدرس إلى أن تفصيل هذه المسألة سيستكمل في الدرس القادم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: قال شيخ الإسلام المجدد العلامة محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: «باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان». ومقصود هذا الباب أو هذه الترجمة: يريد المؤلف أن يرد على عباد القبور الذين يقولون: إن الشرك في هذه الأمة انتهى ولن يعود، مستدلين بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش». ولم يعتبروا دعاء القبور والاستغاثة بها والذبح لها من الشرك، قالوا: لأن الشرك غير واقع في الأمة، فكيف تقولون أن هذا شرك؟ فأراد المؤلف من هذا الباب أن يبين أن الشرك واقع في هذه الأمة، ولذلك حذر النبي عليه الصلاة والسلام منه. فقوله: «باب ما جاء» يعني: من الأدلة من الكتاب والسنة أن بعض هذه الأمة... وهذا من دقيق تعبيره رحمه الله؛ فإن الذي يقع في الشرك ليست الأمة كلها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله». فليس كل الأمة تقع في الشرك، وإنما بعض هذه الأمة؛ فلا تزال الطائفة المنصورة والفرقة الناجية على التوحيد، فلذلك عبر بلفظة «بعض». فقال: «باب ما جاء أن بعض هذه الأمة»، ويريد بالأمة هنا: أمة الاستجابة ممن يدعي الإسلام، يقع في عبادة الأوثان. وقد تقدم معنى عبادة الأوثان، وما معنى الأوثان: أنها ما كان على صورة، وما لم يكن على صورة، ويشمل ما كان له صورة وما ليس له صورة. بقي كيف الرد على هؤلاء عباد القبور الذين يستدلون بهذا الحديث، وما توجيه هذا الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش». فيقول عباد القبور: نحن نصلي، ها هي مساجدنا، وها نحن نصلي هذه الصلوات الخمس، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أيس الشيطان أن يعبده المصلون في جزيرة العرب»، ونحن في جزيرة العرب: اليمن والسعودية، وغيرها من البلاد من جزيرة العرب، فكيف ترموننا بالشرك وأننا وقعنا في الشرك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش»؟ فالجواب: أن قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان أيس» يعني: في ذاك الزمان، لما رأى الشيطان أن الإسلام قد انتشر، وقد فتحت البلاد، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فأصابه اليأس. وهذا اليأس في زمن معين، ولا يلزم منه أن يستمر. والخطاب لمن؟ للصحابة الذين كانوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، لرسوخ العقيدة في قلوبهم رضي الله تعالى عنهم. وهذا نظير قول الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: 3]، «اليوم» يعني: في ذاك الزمان، يأس الكفار من أن يتوسعوا في بلاد المسلمين، أو أن يدعوا إلى كفرهم وشركهم. لكن هل عبر التاريخ إلى يومنا هذا لم يتسلط الكفار على بعض بلاد المسلمين؟ بلى، تسلطوا. فهم يأسوا في زمن معين، ونشطوا في غيره. وهكذا الشيطان: يأس في ذاك الزمان. وقول آخر: أن النبي عليه الصلاة والسلام حكى عن ظن الشيطان، ظن الشيطان أنه يأس. طيب، وهذا الظن ليس بصحيح، بل تحرك الشيطان بعد ذلك حتى أوقع من أوقع من هذه الأمة في الشرك. واضح هذا الآن؟ فلا حجة لهم على هذا الحديث، أو بهذا لا حجة لهم في الحديث بما ذهبوا إليه. أمر آخر: أن أدلة كثيرة وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة سيقع فيها الشرك، وسيذكر المؤلف شيئًا من هذه الأدلة كما سيأتي معنا في هذا الباب. واضح. قال: وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 51]، تمام الآية: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. معنى الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾، هذا السؤال يسمى: السؤال التقريري، فيه تقرير أن الذين أوتوا نصيبًا يؤمنون بالجبت والطاغوت. و«ترى» هنا بصرية ليست قلبية؛ لأن الفعل متعدٍّ بحرف الجر (إلى) ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾، يعني: أوتوا شيئًا من الكتاب، للكتاب كله، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ﴾. الجبت: فسر بالسحر، وفسر كذلك بالكهانة، وفسر بعبادة غير الله، وكل هذه المعاني يشملها هذا اللفظ. والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع. معبود: الأصنام، الملائكة، الجن. من معبود، أو متبوع: المتبوع هم العلماء، فيتبعونهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، كما في حديث عدي بن حاتم. وهذا تعريف ابن القيم للطاغوت. أو مطاع: المراد بهم الأمراء، وهم الذين يطيعهم الناس. فأهل الكتاب يقعون في عبادة غير الله. ما وجه الشاهد من هذه الآية للترجمة؟ وجه الشاهد من هذه الآية للترجمة: ما سيأتي في حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ». فأهل الكتاب وقعوا في عبادة الجبت والطاغوت، يعني: في عبادة غير الله، وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة تتبع سُنَنَ من كان قبلنا، ومن هم كانوا قبلنا؟ منهم أهل الكتاب. فإذن: من هذه الأمة من يعبد الجبت والطاغوت؛ لأن أهل الكتاب عبدوا الجبت والطاغوت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»، يعني: طريق وسنن، يعني: تأتي أيضًا بمعنى السبيل الذي كان عليه من كان قبلنا. فدل ذلك على أن بعض هذه الأمة سيقع فيما وقع فيه أهل الكتاب، ومما وقع فيه أهل الكتاب: عبادة الجبت والطاغوت. فإذن: من هذه الأمة من يعبد الجبت والطاغوت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». عرفتم الآن وجه الشاهد من الآية، هذا هو وجه الشاهد من إيراد هذه الآية. قال: وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 60]. ومعنى الآية: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾، يا محمد صلى الله وسلم، ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ يعني: أخبركم، ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾، وذلك راجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، لماذا؟ لأن أهل الكتاب يفضلون المشركين على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فلذلك قال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾، يعني: شر من تفضيل هؤلاء اليهود المشركين عليكم. ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾: مثوبة هنا تمييز لـ «شر»؛ لأن «شر» أفعل تفضيل بمعنى «أشر»، والمعنى: قل هل أنبئكم بشر مما يقول هؤلاء؟ مثوبة عند الله، والمثوبة هنا بمعنى الجزاء، جزاء عند الله، والمراد به: الجزاء الذي فيه النكال والعذاب. ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾: اللعن بمعنى الطرد، ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾، ومن الذي غضب الله عليهم؟ اليهود، كما قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]، وكما قال الله عز وجل في اللعن: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: 78]. ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾: يعني مسخهم إلى قردة وخنازير، والقردة معروفة ذلك من الحيوان الذي فيه شبه من الإنسان. ولكن نبه العلماء أن هذه القرود الموجودة الآن ليست هي من نسل من مُسخوا؛ لأنه جاء حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أن الله عز وجل إذا مسخ أمة لم يجعل لهم نسلًا»، يعني: يموتون ولا يتكاثرون، لم يكن لهم نسل. وهذا فيه إبطال لمن زعم أن هذه القرود هم بني إسرائيل أو من بني إسرائيل، هذا ليس بصحيح. نعم، الله عز وجل مسخ بني إسرائيل إلى القردة والخنازير كما في هذه الآية، وفي غيرها من الآيات: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65]، وغيرها من الآيات. لكن تلك القردة قد انتهت وماتت، ولم يجعل الله عز وجل لها نسلًا بنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام. ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾: يعني من هؤلاء من عبد الطاغوت، فالطاغوت هنا مفعول به للفعل «عبد»، عبد يعني: هو أو هم الطاغوت. وهذا هو وجه الشاهد من الآية. فالطاغوت كما تقدم: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع. ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾: يعني هؤلاء شر، وليس المؤمنين شرًا، بل المؤمنون خير البرية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7]، وأما هؤلاء فهم شر، ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾: يعني أخطأوا الطريق وزاغوا عن الصراط المستقيم. ما هو وجه الشاهد من هذه الآية؟ في قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾، فمن كان قبلنا عبد الطاغوت، فإذن: من هذه الأمة من سيعبد الطاغوت، والطاغوت كما تقدم: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع. طيب، قد يقول قائل: منهم من عبد عيسى عليه السلام، ومنهم من عبد الملائكة، ومنهم من عبد مثلًا العزير، ومنهم من عبد كذلك صالح صالحي البشر أو صالحي الجن، فهل يطلق على هؤلاء طواغيت؟ لا، وإنما يقال: الطاغوت يطلق على من هو راضٍ بهذه العبادة. هذا تفسير. وتفسير آخر: نعم، يقال لهم طواغيت بالنسبة إلى من عبدهم، بالنسبة لمن عبدهم، فيقال: هذا الذي عبد عيسى طاغوت له لأنه عبده هو، لكن لا يطلق هذا على ذلك النبي أو على ذلك الولي. وكثير من أهل العلم يقيد إطلاق الطاغوت لمن كان راضيًا بهذه العبادة، كالشيطان والسحرة، وكذلك من رضي بهذه العبادة. فإذا هذا هو وجه الشاهد: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾. قال: وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: 21]، وهذا في قصة أصحاب الكهف: فتية قذف الله الإيمان في قلوبهم، فهربوا بدينهم ليعبدوا ربهم، فأجاءوا إلى كهف، فأماتهم الله، القصة المذكورة في سورة الكهف. فبعد فترة طويلة عثروا عليهم، فاحتاروا: ماذا يصنعون بهم؟ فقال الذين غلبوا على أمرهم، وهم الحكام، حكامهم في ذاك الزمان: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، نبني عليهم مسجدًا، ونجعلهم داخل هذا المسجد. هذا هو معنى الآية. وما هو وجه الشاهد منها؟ وجه الشاهد منها: أن من كان قبلنا كانوا يتخذون القبور مساجد، واتخاذ القبور مساجد كما تقدم يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله. طيب، فمن أدخل القبور إلى المسجد فقد اتخذ سُنَّة من سنن من كان قبلنا، فدل ذلك على أن بعض هذه الأمة سيقع في عبادة الأوثان، وهذا هو الواقع. هل الآن المساجد فيها القبور أو ليس فيها القبور؟ فيها القبور، وهذه سنن اليهود والنصارى، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». وهذا أيضًا من الأدلة التي تدل على أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، لماذا؟ لأن دخول القبر إلى المسجد هذا من سنن اليهود التي آلت بهم إلى عبادتها، وهكذا هذه الأمة. هذا هو وجه الشاهد من هذه الآيات الثلاث، فدل ذلك على أن هذه الأمة تقع في عبادة غير الله، في عبادة الأوثان، خلافًا لما يزعمه عباد القبور من أن الشرك لا يقع في هذه الأمة. وسيأتي زيادة بيان لهذه المسألة إن شاء الله، نؤجله إلى الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.