التعليق على كتاب التوحيد 91

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 91، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكم جحد الأسماء والصفات وتقسيم الإنكار

يبيّن المقطع حكم من جحد شيئاً من أسماء الله وصفاته، موضحاً أن الإنكار نوعان: إنكار تكذيب وهو كفر بإجماع، وإنكار تأويل ينقسم إلى مسوغ لغوي فلا يكفر صاحبه بل يضل، وغير مسوغ فيكفر صاحبه. ويستدل بقصة كفار قريش مع اسم الرحمن على أن إنكار اسم من أسماء الله كفر.

أثر مخاطبة الناس على قدر عقولهم في التعليم

يشرح المقطع أثر علي بن أبي طالب «حدثوا الناس بما يعرفون»، مبيناً أن المراد مخاطبة الناس بما تبلغه عقولهم لا بما يعلمونه مسبقاً، وأن تجاوز ذلك يوقع في تكذيب الحق فتنة وجهلاً. ويؤكد أن هذا الأصل يجري في تعليم الأسماء والصفات وتطبيق السنن مراعياً التدرج والرفق.

تفصيل المحكم والمتشابه وأنواع المتشابه

يفرق المقطع بين المحكم والمتشابه عند اجتماعهما وانفراد كل منهما، ويبين أن المتشابه نوعان: مطلق لا يعلمه إلا الله، ونسبوي يعلمه الراسخون في العلم، مستدلاً بقراءتي الوقف والوصل في آية آل عمران. ويقرر أنه لا يوجد في القرآن متشابه مطلق في المعنى لأن الله أنزله للتدبر.

إنكار قريش لاسم الرحمن والمسائل العقدية المستفادة

يتناول المقطع إنكار قريش لاسم الله الرحمن ورد القرآن عليهم، مستعرضاً خمس مسائل: كفر من جحد أسماء الله وصفاته، تفسير آية الرعد، وجوب التدرج في التعليم درءاً للفتنة، علة النهي عن طرح ما لا يفهم لئلا يؤدي لتكذيب الوحي، وتحذير ابن عباس من الهلاك لمن أنكر المتشابه من الصفات مع إثباتها بما يليق بجلاله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا ومباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال الشيخ العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: "باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات". والجحد المراد به الإنكار، يعني: باب من أنكر شيئًا من الأسماء والصفات، يعني: ما حكمه؟ ما حكمه؟ وتعلمون أن من أنواع التوحيد توحيد الأسماء والصفات، أن يثبت المسلم ما أثبت الله عز وجل لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء الحسنى والصفات العلى. فالمراد بالجحد هنا: إنكار شيء من تلك الأسماء أو من تلك الصفات الثابتة. والإنكار نوعان، وبمعرفة أنواع الإنكار يتبين لنا حكم من أنكر شيئًا من الأسماء والصفات. فالإنكار نوعان: النوع الأول: إنكار تكذيب، إنكار تكذيب. وهذا كفر بلا شك. وما معنى إنكار تكذيب؟ يعني: كأن يقول هذا المنكر: ليس لله يد، أو ليس لله قدم، أو أن الله عز وجل لم يستوي على عرشه. أنكر هذه الصفات وكذب بها وكذب بها، فهذا كافر بإجماع المسلمين؛ لأنه تكذيب لخبر الله ورسوله. وقد أخبر الله عز وجل عن نفسه بأن له هذه الصفات، وهكذا نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا هو النوع الأول. النوع الثاني من أنواع الإنكار: إنكار تأويل، إنكار تأويل. وهو: ألا ينكرها، ما ينكر هذه الصفات، يقول: أن الله عز وجل له هذه الصفات، لكن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها، إلى معنى يخالف ظاهرها. هو ما ينكر هذه الصفات، يقول: نعم، الله عز وجل مثلاً له يد، لكن يتأول هذه اليد، ولا يثبتها على حقيقتها، ولا يثبتها على حقيقتها، فيأتي بمعنى يخالف ظاهرها. فهذا النوع من أنواع الإنكار ينقسم إلى قسمين، ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون للتأويل مسوغ في اللغة. أن يكون للتأويل هذا الذي أوله على غير ظاهره مسوغ في اللغة. مثلًا على سبيل المثال: يقول: نعم، أنا أثبت اليد، لكن المراد باليد النعمة، أو المراد باليد القوة. فقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ يعني: نعمته وقوته. فهذا ضلال، لكن لا يكفر صاحبه، لا يكفر صاحبه؛ لأنه متأول، لكنه قد ضل وأثم بهذا التأويل الفاسد، وخالف معتقد أهل السنة، لكن لا يصل إلى حد الكفر. والذي منع أهل السنة من تكفير هذا هو التأويل الذي وقع فيه، التأويل الذي وقع فيه؛ لأن تأويله له مسوغ في اللغة، فعنده شبهة، فهذه الشبهة منعت من كفره. وإلا فهو قد أنكر هذه الصفة، ولم يثبتها لله. صح: من تأول وأخرج اللفظ عن ظاهره فقد عطل هذه الصفة، لكن لما كان متأولًا لم يحكم أهل السنة بكفره، وإنما حكم بضلاله. لا يحكم عليه بالكفر. والقسم... إن كان... أيوة، لكن هنا شبهة التأويل، شبهة التأويل. ولذلك مثلًا هنا القسم الثاني من هذا النوع، اللي هو بتأويل: أن لا يكون له مسوغ. يتأول هذه الصفة بتأويل ليس له مسوغ في اللغة، لم يأت هذا التأويل الذي ذكره في اللغة. مثاله: مثلًا لو تأول مثلًا اليد بالسماوات، قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ بل سماواتهم مبسوطتان. قال: له هذا ليس له مسوغ في اللغة، ما في شبهة، لذلك كفر العلماء من قال ذلك. من تأول بتأويل ليس له مسوغ في اللغة فهو كافر. كأن يكون المراد مثلًا: اليدان السماوات، أو المراد بأعيننا أرضنا، أو لها بالأرض. هذا ليس له مسوغ في اللغة، فهذا يكفر، فهذا يكفر. فإذن معنا الآن تقسيم ثنائي: أولاً الجحد نوعان، صح؟ جحد تكذيب أو إنكار تكذيب، وإنكار تأويل. وعرفنا ما معنى إنكار التكذيب: يعني ينفي الصفة من أصلها، ليس لله يدان، وليس له عينان، ولم يستوي على العرش، بدون أي مسوغ وبدون أي تأويل. فهذا لا شك في كفره، فهو بإجماع المسلمين. وأما إنكار التأويل فهو على قسمين: إما أن لا ينكر هذه الصفة، ولكن يتأولها بغير ظاهرها، وتأويل هذا له مسوغ في اللغة، فهذا ضال لكن لا يكفر لتأويله. وأما من أول بمعنى ليس له مسوغ في اللغة، فهذا يكفر. هذا هو الخلاص، فهذا هو حكم من جحد شيئًا من الأسماء والصفات. ولذلك أهل السنة كفروا الجهمية لأنهم نفوا الصفات، نفوا الصفات. وهكذا كفروا المعتزلة لأنهم كذلك نفوا الصفات، والذين قالوا بعقيدة المعتزلة في خلق القرآن، كفرهم الإمام أحمد والبخاري وغيرهما. من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر. لماذا؟ لأن هذا ليس له مسوغ. بخلاف من تأول بتأويل كالأشاعرة، الأشاعرة ما كفرهم العلماء مع أنهم أنكروا الصفات، لكن إنكار تأويل، فأولوا مثلًا اليد بالنعمة، وأولوا العين بالمراقبة أو العناية أو نحو ذلك. فلذلك العلماء ما كفروا. فهذا هو التفصيل في مسألة من جحد شيئًا من الأسماء والصفات. قال: وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾. قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ﴾، هم يعني: كفار قريش، كفار قريش يكفرون بالرحمن. وأن المراد: يكفرون بهذا الاسم، باسم الرحمن، وليس المراد المسمى، يعني: لا يكفرون بالله، وإنما يكفرون بهذا الاسم. ومما يدل على ذلك لأنهم لا يكفرون بالله، وأنهم يقرون بالله عز وجل. قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وهم يقرون بأن الله هو الخالق، وأن هناك رب خلق السماوات، رب. وإنما المراد: يكفرون بالرحمن، يعني: بهذا الاسم. ومما يدل على هذا ما وقع في صلح الحديبية، ومما يدل على هذا ما وقع في صلح الحديبية في حديث سهيل بن عمرو. فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم"، قال: "أما الرحمن فوالله لا أدري ما هي، ولكن اكتب: بسمك اللهم، بسمك اللهم". والحديث في البخاري. وأنكر الله عز وجل على المشركين إنكارهم لاسم الرحمن في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾. لماذا هنا خص لفظ الرحمن؟ لأن المشركين كانوا ينكرون هذا الاسم، ينكرون هذا الاسم. فهذه الآية فيها، وهو موضع الشاهد منها، فيها دليل على أن من أنكر اسمًا من أسماء الله تعالى فإنه يكفر، فإنه يكفر. فلما أنكر هؤلاء المشركون هذا الاسم كفرهم الله. وإذا قال بعدها: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾، فمن لم يؤمن بهذا الاسم فكأنه لم يرتضي أن يكون الله عز وجل إلهه الذي يعبده ويتقرب إليه. فقال: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾. ومعنى "متاب": أي متابي، أصلها متابي بالياء، فحذفت الياء تخفيفًا. والمتاب بمعنى التوبة، يعني: إليه توبي، إليه توبي من التوبة، من التوبة. وهذه كلها عبادات، التوبة تكون لله سبحانه وتعالى. فإذن هذا هو موطن الشاهد من هذه الآية: أنكر الله عز وجل على قريش إنكارهم لهذا الاسم، وهذا فيه كفر من أنكر اسمًا أو صفة من صفات الله سبحانه وتعالى. هذا هو المراد. قال: وفي صحيح البخاري قال: قال علي رضي الله عنه: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟". ومعنى قول علي: "حدثوا الناس"، يعني: عظوا الناس وعلموا الناس بما يعرفون. وما معنى "بما يعرفون"؟ يعني: بما تبلغه عقولهم، وما يدركوه ويفهموه، وما يدركوه ويفهموه. هذا هو المراد بقوله: "حدثوا الناس بما...". يعني: شيء ما يكون فوق عقولهم، فلذلك طالب العلم يلقى عليه ما لا يلقى على العام. وهذا من الحكمة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. في كل شيء، في كل شيء: "حدثوا الناس بما يعرفون"، أي: بالشيء الذي يفهمونه ويدركونه وتبلغه عقولهم. وليس المراد بما يعرفونه من قبل، لأن هذا يكون تحصيل حاصل. ليس معنى "حدثوا الناس بما يعلمون من قبل"، لا، لأن لو كان هذا المعنى، إيش الفائدة من تحديثهم؟ وهم يعلمون هذا الشيء. واضح. وإنما المراد: "حدثوا الناس بما يعرفون"، يعني: بما تبلغه عقولهم، وما يفهمونه، وما يعونه، وما يفقهونه. هذا هو المراد. ثم علل، ثم علل علي رضي الله تعالى عنه فقال: "أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟". والمعنى: معنى ذلك يعني: إذا حدثتم الناس بما لا يعرفون، يكون فتنة لهم، فلربما ردوا ما حدثتموهم به، قالوا لك: يعني هذا ما نقبله. صح، لأن ما بلغته عقولهم، يقول لك: نحن هذا ما نقبله، وهو حق قاله الله وقاله رسوله. لكن بسبب هذا المتحدث رد هؤلاء هذا الحديث أو هذا القول، لأن فوق عقولهم، لأنه فوق عقولهم. فالاستفهام هنا استفهام إنكار، لأن لو قلت: قال الله، قال رسوله، قال: هذا كذب، ما بلغه عقله، ما بلغه عقله. ومثلوا على ذلك ببعض الأمثلة، فمثلا: تأتي عند العوام وتحدثهم عن استواء الله، وأن الله ينزل للسماء الدنيا، وأن الله قريب من عباده، ومع قربه فهو مستوٍ على عرشه. هذا ربما بعض العوام يعني يختلط عليه الأمر، فيظن أن الله قد نزل من العرش، وغد صار يعني صارت السماوات والعرش فوقه، وربما يعني يتذبذب هؤلاء العامة لما تحدثهم بمثل هذا، لما تحدثهم بمثل هذا. هذه الأحاديث التي لا تبلغ عقولهم، الأسماء والصفات. وهذا هو موطن الشاهد من إراد هذا الأثر في هذا الموضع، في هذا الموضع. فما هو مناسبة هذا الأثر؟ يعني: أن بعض الصفات لا تحتملها أفهام العامة، ما تحتملها أفهام العامة. فربما أنت تكون سببًا في جحد العامة لبعض الأسماء والصفات. فأنت تعلم الناس رويدًا رويدًا بالحكمة. ليس معنى ذلك أنك لا تحدثهم عن الأسماء والصفات، تحدثهم لكن بأسلوب يناسبهم، بأسلوب يناسبهم. فمثلا: تريد أن تبين لهم علو الله، فتبين لهم مثلًا حديث الإسراء، وأن الله مستوٍ على عرشه، وأن هذا العرش عظيم لأن الذي فوقه عظيم. وما تذكر لهم أن الله يعني مع علوه فهو قريب من خلقه، ربما يلتبس عليهم: كيف هذا فوق عرشه وقريب من خلقه؟ وتفصل بين المسألتين: الله مستوٍ على عرشه، ثم بعد فترة مثلًا تحدثهم أن الله يعني ليس كخلقه، فهو قريب منا، وهو يسمع ما نقول، وهو كذا. يعني: تحدثهم بحديث يناسبهم، لا فيه يعني كلل للذهن، ولا كذلك يعني تشتيت للفهم، ولا شيء من ذلك. فتحدثهم بأسلوب توصل إليهم ما تريد لكن بأسلوب حسن، رويدًا رويدًا. وهذا كما تقدم من الحكمة. وقال العلماء: هذا الحديث ينطبق ليس على الأسماء والصفات فقط، بل على كل شيء في الدين، حتى في العمل بالسنة، حتى في العمل بالسنة لا بد يكون بالرفق واللين. فمثلا: أنت الآن جئت عند أناس ما يعرفون السنة، وهم مباشرة بسم الله طبق لهم السنة. فيوم تسلم تسليمة واحدة، ويوم يعني تصلي بهم على المنبر، ويوم يعني ربما تصلي بالنعال. هذا فتنة لهم. لكن تعلمهم الأولى التي هي أحسن، ولا بس أن تحببهم أولاً إليك، ثم تأتيهم مثلًا درس في يعني فضل التمسك بالسنة وأجر ذلك، وهكذا تتدرج معهم حتى توصل إليهم هذه السنة فيتقبلونها بصدر رحب، لأنك قد مهدت لهم ذلك، ها قد مهدت لهم ذلك. وأما أن يعني تطبق السنة دون تعليم ودون كذلك ترويض، تأتي صلاة المغرب وتقرب سورة الأعراف كما فعل أصحاب النبي، هذا فتنة للناس. يعني: يد العشاء وما زال يصلون، يعني هذا بعض الناس ما يقبل هذا. لو قيل لهذا: النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا، ربما يقول: ماذا؟ هيا هيا هيا، أنتم كل شيء قال النبي، النبي ما بيفعل هذا. ربما ينكر هذا، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا، لكن أنت ما علمت الناس، ما بينت للناس، ما وضحت للناس. ثم بعد ذلك: هل هذا من السنة؟ هذا من الشيء الجائز، ليس من السنة، وأنك تثاب عليه وكذا. وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيما ورد عنه مرة واحدة، مرة واحدة، ولم ينقل عنه أنه فعله أكثر من ذلك. فالمهم: لا بد من الحكمة، ولا بد يعني من يعني تحديث الناس بما يفهمون، ليس في باب الأسماء والصفات فقط، بل حتى في غيرها من العلم ومن السنن. كذلك مثلًا في باب الجرح والتعديل، وتأتي محاضرة عام وتمسك لك يعني كل ساعة يعني منحرف من المنحرفين، هذا يعني عوام ربما يعني ما يفهمون هذه المسائل. لكن عند طلاب العلم وعند الدعاة، أو إذا اقتضت الحاجة في حالات نادرة، رأيت العوام يعني كما أفتا ذلك الشيخ الفوزان وغيره، وقد قرأنا هذا: رأيت العوام اغتروا بضال من المضلين، تأتي لهم بحكمة وأسلوب حسن. مثلًا: أولاً تأتي لهم بالأخطاء التي وقع فيها، ما رأيكم في شخص يعني يقول كذا وكذا؟ يقول: الربا لا بأس به، يقول: الغنى لا بأس به. ما رأيكم في هذا؟ تأتي لهم بأسلوب إلى أن تذكر اسمه، وهذا فلان، وهذا قد تكلم عليه العلماء، وهذا كذا. فالعام يحتاج إلى حكمة مداراة، وإلى يعني أسلوب ليس كطالب العلم، ليس كطالب العلم. فهذا معنى قوله رضي الله تعالى عنه: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟". هذا في البخاري، هذا في البخاري. وجاء في مسلم عن ابن مسعود: "ما أنت بمحدث قوم حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". هو بمعنى أثر علي بن أبي طالب، هو بمعنى أثر علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين: "ما أنت بمحدث قوم بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، إلا كان لبعضهم فتنة". فإذا هذا من هذا الباب، والله تعالى أعلم. قال: وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى رجلًا انتفض لما سمع حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكارًا لذلك، فقال: "ما فرقوا هؤلاء". هكذا ضبط: "ما فرقوا هؤلاء". يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه. انتهى. ومعنى هذا الأثر: قوله: "أنه رأى رجلًا انتفض لما سمع حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات"، يعني: استعظامًا لذكر هذه الصفة أن الله عز وجل وصف بها. انتفض، معروف: انتفض، ارتعش، ارتعش، يعني: استنكارًا لذكر هذه الصفة. لذا قال: "استنكارًا لذلك". فرأى هذا الرجل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فقال: "ما فرقوا هؤلاء". يريد: هذا الرجل. ومعنى "ما فرقوا هؤلاء": يعني: ما خوفوا هؤلاء. الفرق بمعنى الخوف بالفتح، الفرق بمعنى الخوف. يعني: ما هو سبب خوف هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، والرقة هي اللين والقبول عند المحكم. يجدون رقة ويجدون قبولًا وطمأنينة، وأما عند المتشابه يهلكون. ومعنى "يهلكون": يعني: ما يقبلون هذا المتشابه، فيردونه، وهو من الحق، وهو من الدين، وهو من الدين. هذا هو المعنى. وهذا يجرنا إلى مسألة مهمة، وهي: أن القرآن جاء فيه ذكر المتشابه وذكر المحكم، ذكر المتشابه وذكر المحكم، في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. فلما جمع، إذا جمع بين المتشابه وبين المحكم في القرآن، فيراد بالمحكم: الذي اتضح معناه وتبين. هذا المحكم اتضح معناه وتبين. وأما المتشابه: فهو الذي يخفى معناه، فلا يعلمه الناس جميعًا، ربما يعلمه بعض الناس، يعلمه بعض الناس. هذا إذا جمع بين المحكم والمتشابه، إذا جمع يعني: ذكر المحكم والمتشابه في آية واحدة كهذه الآية، فيراد بالمحكم: الذي اتضح معناه وتبين، ويراد بالمتشابه: الذي يخفى معناه، فلا يعلمه كل الناس، وإنما يعلمه بعض الناس. هذا إذا جمع بين اللفظين. أما إذا ذكر المحكم مفردًا بدون ذكر المتشابه، فيكون المراد بالمحكم: المتقن الذي ليس فيه خلل، المتقن الذي ليس فيه خلل. هذا كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾. ما معنى "أحكمت"؟ يعني: أتقنت، فليس فيها خلل، فلا فيها خلل في أحكامها، فأحكامها عادلة، ولا في أخبارها، فأخبارها صادقة. فهذا اللفظ إذا جاء مفردًا فيراد به الإتقان. وهكذا قال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾، يعني: الذي لا خلل فيه ولا نقص. وأما المتشابه إذا ورد مفردًا، فيراد به: أنه يشبه بعضه بعضًا في جودته وكماله، يشبه بعضه بعضًا في جودته وكماله. وهذا كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾. فما معنى "متشابها"؟ يعني: يشبه بعضه بعضًا. ليس معنى متشابه: يعني يخفى على بعض الناس، لا، لأنه هنا جاء مفردًا دون جمعه مع المحكم، دون جمعه مع المحكم. وضع هذا الآن، فعلى هذا نخلص أن التشابه يأتي في القرآن على نوعين. التشابه الذي هو يعني: إذا جمع التشابه، إذا جمع مع المحكم، يأتي على نوعين، يأتي على نوعين. انتبهوا: المتشابه الذي يجمع مع المحكم ما يأتي وحده، وإنما يأتي مضافًا إلى لفظ المحكم، فهذا على قسمين: نسبي ومطلق. وما هو الفرق بينهما؟ ما هو الفرق بين المتشابه النسبي والمتشابه المطلق؟ المتشابه النسبي، أو المتشابه، هو لنا المطلق؟ هذا يخفى على كل أحد، فلا يعلمه إلا الله، فلا يعلمه إلا الله، ما يعلمه أحد من خلقه. واضح، هذا يسمى متشابه... ماذا؟ مطلق. وأما المتشابه النسبي: فهو الذي يعلمه بعض الناس دون بعض، وهم العلماء. وبهذا المعنيين جاءت قراءتان في الآية، وبهذا المعنيين جاءت قراءتان في الآية، في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. جاءت قراءتان: القراءة الأولى بالوقف على لفظ الجلالة، ثم استئناف في القراءة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. تقف، ثم تقول: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. على هذه القراءة، فيكون التشابه في هذه الآية: التشابه ماذا؟ مطلق أو نسبي؟ أنتم معي الآن، أنتم معي، ومنتم معي، ما فهمتم هذا؟ لا يكون مطلق، لأن ما هو تعريف التشابه المطلق؟ هو الذي لا يعلمه إلا الله. فلما وقفنا عند الآية، معنا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقفنا، خلاص. بعدين: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، يعني: الراسخون في العلم ما يعلمون تأويله. فهذا يكون تشابه... ماذا؟ مطلق. تشابه مطلق، الذي لا يعلمه إلا الله، مطلق، ما يعلمه أحد. واضح. وأما على قراءة الواصل، وهو قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، معنى أن الراسخين في العلم يعلمونه، صح؟ فهذا تشابه... ماذا؟ نسبي. ومعنى نسبي: يعني قد يعلمه غير الله، وهو من شاء من خلقه من العلماء. واضح، فهذا يسمى تشابه... ماذا؟ نسبي. يسمى تشابه نسبي. طيب، مثلوا للتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله. شبه، ومثلوا له بمعرفة كيفية الصفة. هل أحد من الخلق يعلم كيفية الصفة؟ نحن نعرف المعنى، صح؟ نعرف ما معنى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، يعني: علا وارتفع، صح؟ لكن كيفية الاستواء: هل أحد يعلمها؟ لا، يعلم ذلك إلا الله. له كيفية لكن ما يعلمها إلا الله. ولذلك لما جاء ذلك إلى الإمام مالك، قال له: كيف استوى؟ فقال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، ما أراك إلا صاحب بدعة"، ثم أمر به فأخرج. فالكيف مجهول، ما يعلمه إلا الله. هذا من التشابه... ماذا؟ المطلق. من التشابه المطلق. ولذلك قرر العلماء أنه ليس في القرآن شيء متشابه على جميع الناس، يعني: ليس في القرآن شيء من التشابه المطلق، لأن القرآن ربنا عز وجل أنزله لنتدبر آياته، فكيف أمرنا بتدبر شيء لا نعلمه؟ واضح هذا الآن. فما يزعمه أهل التأويل أو التفويض: أننا ما نعلم معاني هذه الصفات، فهذا ضلال. كيف نتعبد الله عز وجل بقراءة شيء ما نعرف معناه؟ هذا ما يكون. تقرأ: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، يقول لك: لا، مررها، يعني: ما نعلم معناه، ما ندري ما معنى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. هذا أهل التفويض الذين ماذا يفوضون؟ الكيفية والمعنى، يفوضون الكيف والمعنى. وهذا ضلال. كيف سيؤثر فيك هذا القرآن وكله مليء بالأسماء والصفات وأنت ما تعرف معناها؟ فقرر العلماء أنه ليس في القرآن شيء متشابه على جميع الناس من حيث المعنى، من حيث المعنى. ولكن يختلف الناس في الفهم، فقد أنت ما تفهم معنى آية، وغيرك من العلماء وطلاب العلم يفهمونها. فالعيب ليس في عدم وجود معنى في القرآن، وإنما العيب في ذلك القارئ للقرآن. فمن هذا الآن، فهكذا قرر أن المتشابه المطلق ليس موجودًا في القرآن. قال: ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ﴾. وهذا شيء معلوم عن المشركين العرب، أنهم كانوا ينكرون هذا الاسم. وهذا يشير إلى ما جاء في صحيح البخاري من قصة الصلح، صلح الحديبية، لما كتبوا: "بسم الله الرحمن الرحيم"، قال سهيل بن عمرو: "فوالله لا أدري ما هي"، يعني: ما هي، أما هو الرحمن، ولكن اكتب: "باسمك اللهم". وهم كانوا ينكرون هذا الاسم، ولذلك أنكر الله عز وجل عليهم وكفرهم. قال: فيه مسائل: الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات، يعني: انتفاء الإيمان عن من جحد شيئًا من الأسماء والصفات. الثانية: تفسير آية الرعد، وهي قول: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾. الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع، حتى لا يكون له فتنة، حتى لا يكون له فتنة. حتى على مستوى طلاب العلم، ما تأتي عن طالب علم مبتدئ وتطرح عليه مسائل ذكرها العلماء في المطولات، أو في تعارض... تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية، أو تأتي إلى الطحاوية مباشرة وتطرح عليه المسائل العقدية، هذا فتنة له. ولكن تتدرج معه، تتدرج معه، تعطيه أولاً الدروس الصغيرة والكتب الصغيرة، ثم بعد ذلك يعني تعطيه بعد ذلك ما يفهمه. الرابعة: ذكر العلة، يعني: لماذا نهينا عن التحديث بما لا يفهم السامع؟ ما هي العلة؟ ما هي الحكمة؟ قال: ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله، ولو لم يتعمد المنكر، هو ما تعمد رد ذلك، لكن أنت السبب. لما تأتي له بشيء ما يبلغه عقله، فيقول لك: يا أخي، هذا ما سيقوله الرسول، هو قاله الرسول، لكن لأن ما هو على عقله، يقول لك: يعني ما أدركه فهمه، فيقول لك: هذا ما قاله الرسول. إذن الآن: هل هو يقصد إنكار ما قاله الرسول؟ ما يقصد هذا. ولذلك لو استخدمت معه الأسلوب الحسن ربما قبل هذا، لكن لأنك ما استخدمت معه الأسلوب الحسن كان سببًا في رده هذا الحديث أو ذاك القول أو نحو ذلك. الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئًا من ذلك، وأنه أهلكه، لأنه قال: ﴿وَيَهْلِكُونَ عِندَ مُتَشَابِهِ﴾. ولذلك تجد الآن كثيرًا من هؤلاء، إذا قلت له: إن الله عز وجل يعجب أو يضحك، يستعظم هذا، هؤلاء المنكرون للصفات. قلت له: كيف؟ يعني: يظن أن إذا أثبتت هذه الصفة شبهته بخلقه، فربما عظم ذلك وأنكر ذلك. هذا يقع فيه عباد القبور والأشاعرة ونحوهم، ينكرون على أهل السنة ذلك، وأهل السنة يثبتون هذا كما يليق بجلال الله، لا يقولون: يضحك كالبشر، كخلقه، لا، ضحك يليق بجلاله، يعجب عجب يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. كما أنهم أثبتوا ذاتًا لله تليق بجلاله، لا كذات الخلق، فكذلك نقيس على ذلك بقية الصفات. فما ثبت بالكتاب والسنة من صفات ربنا عز وجل نثبتها كما تليق بجلاله. لكن هؤلاء لما تذكر له شيئًا من هذه الصفات استعظم هذا، ربما ينتفض، أعوذ بالله، أعوذ بالله، الله يضحك، الله يعجب، ربما ينكر عليك هذا. يقع من أمثال هؤلاء، هذا هو الهلاك. ولذلك وقعوا في ماذا؟ في تعطيل الصفات، وفي إنكارها، وفي إنكارها، فوقعوا في الضلال، وهذا هو الهلاك. هذا هو المراد، والله تعالى أعلم. بهذا نكتفي لهنا، والحمد لله. ترجمة نانسي قنقر.