كتاب المعاملات 31

الدرس في كتاب المعاملات 31، ألقاها

أحكام وضع الوديعة ومسؤولية المودع

يتناول حكم وضع الوديعة عند الغير ومسؤولية المودع في حالة تلفها، مع التركيز على التعدي والتفريط والعذر الشرعي. يُوضح أن التعدي أو التفريط يوجب الضمان.

أحكام حفظ الوديعة وردها في الفقه الإسلامي

يشرح شروط حفظ الوديعة وردها ومسؤولية المستودع عنها، مع توضيح أحكام الودائع المصرفية المعاصرة وتطبيقاتها العملية.

حكم الودائع البنكية والتعامل مع المصارف الربوية

يتناول حكم الودائع البنكية التي تدر فائدة واعتبارها ربًا محرمًا، مع توضيح أحكام الودائع التي لا يتقاضى صاحبها فائدة والتعامل مع الزيادة الناتجة عن الإيداع الإجباري.

التصرف في الزيادة على الراتب عند الإيداع الإجباري

يجب إنفاق الزيادة على الراتب في مصالح المسلمين العامة، مع جواز وضع المال في البنوك عند الضرورة وبيان أحكام ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال له الخامس: ليجوز أن يودعها عند غيره من غير عذر، وأما لعذر كسفر أو حضور موت فجائز. وعليه، فإن أودعها عند الغير بعذر فتلفت لم يضمن، وإن كان بغير عذر ضمن لتعديه وتفريطه. يقول: لا يجوز أن يودعها عند غيره من غير عذر؛ عنده وديعة أمانة وضعها شخص عنده، فلا يجوز أن يضعها عند غيره من غير عذر؛ لأن صاحب الوديعة ائتمنه ولم يأتِ من غيره. لكن إذا كان هناك عذر، جاءه سفر طارئ، وخشي على هذه الوديعة من الضياع، فوضعها عند من يثق به ويأمن منه، فوضعها عنده جاز له ذلك ما دام أنه معذور، أو جاءه مرض مفاجئ، أو حضره الموت، وخاف على ضياع هذه الوديعة، فوضعها عند من يحفظها، فحينئذ يجوز. طيب، إذا وضعها لعذر عند من يحفظها فتلفت، هل عليه ضمان؟ قال: لم يضمن إذا كان بعذر لم يضمن، وهذا طبعًا إذا لم يحصل تعدٍ أو تفريط، إذا لم يحصل تعدٍ أو تفريط. وأما إن وضعها عند غيره من غير عذر، فإنه يضمن مطلقًا؛ لماذا؟ لأن وضعه لها عند غيره من غير عذر هذا تعدٍ، أو كذلك يعتبر تفريطًا منه في حفظها؛ لأنه ليس هناك داعي وسبب إلى أن يضع هذه الوديعة عند غيره، وقد ائتمنه صاحبها ووضعها عنده، حينئذ يكون ضامنًا مطلقًا، سواء كان حصل بذلك تفريط أو تعدٍ أو لم يحصل؛ لأنه بفعل هذا قد صار متعديًا ومفرطًا إذا وضعها من غير عذر. إذا كان من غير عذر، أنت ضامن، أنت متعدٍ أصلا، كيف تضعها عنده من غير عذر؟ أنا صاحب الوديعة ائتمنتك أنت، أنا ما عرفت هذا، لا؛ لأن أنا أصلا مفرط، أنا فعلي متفريط أصلا، من يضمنه؟ أنا أضمنه، يضمن الذي لا، أنا أتحملها؛ لأن أنا بفعلي قد فرط، ما كان ينبغي أن أضعها عنده من غير عذر. قال سادسًا: إذا خاف المستودع على الوديعة أو أراد السفر، فإنه يجب عليه ردها إلى صاحبها أو وكيله، فإن لم يجدهما، فإنه يحملها معه في السفر إذا كان ذلك أحفظ لها، وإلا دفعها إلى الحاكم، فإن لم يتمكن أو دعها عند من يثق به؛ لأن النبي ﷺ قبل الهجرة إلى المدينة أو دع الودائع لأم أيمن رضي الله عنها، وأمر عليًا أن يردها إلى أهلها. وكذلك إذا مرض المستودع مرضا مخوفا وعنده ودائع، فإنه يجب عليه ردها إلى أصحابها، فإن لم يتمكن أو دعها عند الحاكم أو عند من يثق به. يقول: إذا خاف المستودع على الودائع، مثلا يكثر السطو، وخاف على هذه الودائع التي عنده أن تسرق، أو أراد أن يسافر وخاف على هذه الودائع، قال: يجب عليه ردها إلى صاحبها. يقول: لصاحبها: تفضل هذه أمانتك، أنا أخاف أن تسرق وأن تتلف، ويبرأ، أو ردها إلى وكيله إن كان هناك وكيل لصاحب هذه الودائع أعطاه هذه الوديعة. فإن لم يجدهما، لا صاحبها ولا الوكيل، قال: يحملها معه في السفر إذا كان ذلك أحفظ لها، يعني إذا كان أخذها معه لها أحفظ، أخذها معه، وإلا دفعها إلى الحاكم؛ إذا كان يخشى عليها في السفر من السرقة، فإنه يضعها عند الحاكم، إذا كان هناك من هو من جهة الحاكم من يقوم بهذا الأمر من حفظ الودائع والأمانات، وضعها عنده؛ لأن الحاكم ولي من لا ولي له. قال: فإن لم يتمكن، لم يوجد من هو أمين، قال: أو دعها عند من يثق به، ومن يثق به من كان قويا أمينا، كما قال ﴿إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾، فإن وجد من يثق به وضع هذه الودائع عنده. قال سابعا: إذا كانت الوديعة دابة، لزم المستودع إعلافها وتغذيتها، فإن أهملها وتلفت ضمنها، ويأثم بهذا الإهمال لحرمتها، ولأن كل كبد رطب فيها أجر. يقول: إذا كانت الوديعة دابة، حيوان يحتاج إلى أكل وإلى علف، فإنه يلزم هذا الأمين المستودع أن يعلفها وأن يؤكلها. إذا قال صاحبها: ألم يضع عندي شيء من العلف؟ نقول: ما دمت قد قبلتها، وجب عليك أن تقوم بها، تغذيتها وإعلافها، ثم لك أن ترجع بعد ذلك على صاحبها بما أنفقته عليها. أما أن تتركها بلا طعام حتى تموت، فأنت ضامن؛ لأنك بهذا كنت سببا في تلفها، وأنت قد قبلتها، فوجب عليك القيام بإطعامها. وكذلك أيضا أنه لا يجوز أن يتركها بلا طعام حتى تموت؛ لأن هذا مما ينافي ما أمر الله به من الإحسان إلى الحيوان، وقد جعل النبي ﷺ الأجر والثواب في إطعام كل ذات كبد رطب، كما جاء في صحيح البخاري: «بكل ذات كبد رطبة أجر». قال ثامنا: المستودع أمين، يقبل قوله إذا ادعى أنه رد الوديعة إلى صاحبها أو من يقوم مقامه، ويقبل قوله مع يمينه إذا ادعى أنها تلفت من غير تعد ولا تفريط. وعلى المستودع أن لا يؤخر عند طلب صاحبها لها. يقول: المستودع أمين، يقبل قوله إذا ادعى أنه رد الوديعة إلى صاحبها، إذا قال الأمين الذي هو المستودع أو المودع عنده: أنا رددت لك الوديعة، فقال المودع: لا لم ترد لي شيئا، فحينئذ نقول للمستودع أو المودع عنده: احلف أنك رددتها، فإذا حلف برئ، إذا حلف برئ من هذه الوديعة؛ لماذا؟ لأنه أمين وهو محسن، والله جل وعلا يقول: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾، فإذا برئ برئ من سبيل. وهكذا أيضا إذا ادعى أنه ردها إلى من يقوم مقام المودع كوكيله أو غيره، ويقبل قوله مع يمينه، يعني قول المودع عنده وهو المستودع يقبل قوله مع يمينه ويبرأ من هذه الوديعة. وهكذا إذا ادعى التلف، إذا ادعى التلف مثلا تلفت في يده، فقال: أنا لم أتعد أو فرط، سرق الدهب من الصندوق من داخل البيت، فإنه يصدق في ذلك؛ لأنه أمين إذا ادعى أنها تلفت من غير تعد ولا تفريط قبل قوله. قال: وعلى المستودع ألا يؤخر الوديعة عند طلب صاحبها لها، إذا طلب صاحب الوديعة الوديعة فلا ينبغي للمودع أن يتأخر في ردها إلا إذا كان لعذر، إذا كان معذورا أتاه في وقت يعني لا يستطيع أن يردها له، فحينئذن لو حصل لها شيء من التلف وهو معذور فليس عليه ضمان، لكن إن كان ليس له عذر، قال له: هات الوديعة، قال: أبشر غدا، جاء في الغد: هات الوديعة، قال: بعد غد، وهكذا يماطله حتى تلفت الوديعة، حينئذن يضمن هذا التلف؛ لأنه بتأخيره لدفعها لصاحبها بلا عذر يعتبر بهذا قد حصل منه تفريط أو كذلك تعدي في عدم ردها له. قال تاسعا: من الصور المعاصرة للوديعة الودائع المصرفية، وهي ما يقوم به الأفراد من إيداع مبالغ نقدية في البنوك إلى أجل محدد أو مطلقا، يعني مدة سنة مثلا أو سنتين أو مطلقا يضعها من غير أن يحدد فترة معينة. قال: ويقوم البنك بالتصرف في هذه المبالغ ويدفع لصاحبها فائدة مالية ثابتة، يعني يقول لك كل شهر مثلا أو كل سنة نسبة 30% مثلا من الربح من هذا المال. قال: وهذه تصير في معنى القرض، يكون في معنى القرض الذي جر به نفعا، وكل قرض جر نفعا فهو ربا. قال: من حيث تملك البنك لعينها وتعلقها بذمته وتعهده برد مثلها عند المطالبة، وهي بهذه الصورة من الربا المحرم؛ لأن بهذه الصورة تصير كالقرض الذي يأخذه الإنسان من الشخص ويشترط عليه أن يرد له زيادة، فهو ضامن لهذا المال، ضامن لهذا المال حتى لو تلف في يده فإنه يرده لصاحبه، يرده لصاحبه، فصارت هذه المعاملة في الحقيقة هي بمنزلة القرض الذي اشترط فيه ماذا؟ رد الزيادة معه، وهذا من صور الربا. قال: فليحذر المسلمون من الوقوع فيه، وهذه معاملة أكثر البنوك اليوم، أكثر البنوك ربوية تتعامل بهذه المعاملة، يضع الإنسان ماله بالبنك فيفتح له حساب، ويقال له: لك نسبة كذا وكذا كل سنة، وهذه النسبة مضمونة، ربح مضمون، يعني ليست هي من باب المضاربة الذي إذا خسر فيه صاحب المال خسر ماله وخسر العامل عمله، لا، هذا ربح مضمون، فهي بمنزلة القرض، كأنهم أخذوا منك دينا ثم يردون لك هذا الدين بزيادة، وهذا يشك أنه ربا. قال: أما الوديعة التي لا يتقاضى صاحبها عليها فائدة، كالذي يعرف اليوم بالحساب الجاري، فلا شيء فيه؛ لأنه لم يأخذ زيادة على أصل ماله، مثل التعامل مع المصارف، محلات الصرافة، تضع مالك عندهم فقط مجرد حفظ، تفتح لك حساب وتضع مالك عندهم تحفظه عندهم، متى ما أردت وأخذته، ليس هناك يعني زيادة أو اشتراط نسبة لك في كل سنة أو نحو ذلك مما تفعل البنوك، فمثل هذا جائز. قال: فلا شيء فيه؛ لأنه لم يأخذ زيادة على أصل ماله، فهو يأخذ ماله كاملا وإن كان صاحب الصرافة يستفيد منها، لكن هذه الاستفادة وهذا الاستعمال قد جرى عرفا، أو حصل الاستيذان عرفا، فأنت لما تضع مالك عندهم لا شك أنهم يستفيدون من هذا المال ويستعملونه في مقابل أن يحفظوا لك مالك، في مقابل أن يحفظوا لك مالك، لكن لا يعطيك زيادة على مالك، أنت تأخذ مالك فقط متى ما أردته موجود تأخذه، فليس هو في معنى القرض الذي يرد بزيادة كحال المعاملات في البنوك. قال: أما إذا ألزم الشخص بقبض الزيادة وكان مضطرا إلى الإيداع في مثل هذه البنوك بحيث يلحقه ضرر محقق بترك ذلك، يعني مثلا يقول: ليس هناك مصارف، ما في إلا بنوك، طيب إذا وضع المال في بيته لا يأمن عليه من السرقة، لا يأمن عليه من السرقة، يكون خائفا، فيضطر أن يضع هذا المال في البنك، طيب يقول لصاحب: أنا ما أريد زيادة، يقول: لابد، لابد أن تأخذ زيادة، كيف يفعل بهذه الزيادة؟ قال: وكان مضطرا إلى الإيداع في مثل هذه البنوك بحيث يلحقه ضرر محقق بترك ذلك، يعني إذا لم يضع هذا المال في البنك فإنه سيلحقه ضرر متحقق من سطو اللصوص عليه وربما يعني يعرضونه للقتل أو سفك دم أو نحو ذلك، فإذا كان هكذا يصل الأمر إلى هذا الحال. قال: فإنه يقبض هذه الزيادة وينفقها في مصالح المسلمين العامة، يأخذ هذا المال ويأخذ الزيادة التي جعلت له، لكن لا يستعمل هذه الزيادة فيما يتعلق بأموره الخاصة من مأكل ومشرب وملبس نحو ذلك، يأخذها ويضعها في المصالح العامة، في صلاح طرقات، في بناء مستشفيات، في نحو ذلك من المصالح العامة، فيضع فيه هذا المال ويتخلص منه، وكونه يضعه في البنك على هذا الحال فهو مضطر، وقد جوز كثير من أهل العلم وضع المال في البنوك عند الضرورة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على