الدرس في التعليق على مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع قول شيخ الإسلام ابن تيمية إن التفسير والمغازي والملاحم غالباً ما تفتقر إلى الأسانيد المتصلة، لذا يتساهل العلماء في نقلها بخلاف الأحاديث النبوية. ويبين أن المراد بالمراسيل هنا الانقطاع في السند عموماً، ويذكر مراتب العلماء في معرفة المغازي مقدماً أهل المدينة ثم أهل الشام ثم أهل العراق لارتباطهم المباشر بأحداث السيرة والجهاد.
يبيّن المقطع أن أعلم الناس بالتفسير هم أهل مكة لتلقيهم عن ابن عباس، ثم أهل الكوفة عن ابن مسعود، وأهل المدينة في المرتبة الثالثة. كما يشرح قاعدة تقوية الحديث المرسل إذا تعددت طرقه وانتفت المواطأة (الاتفاق) بين الرواة قصداً أو اتفاقاً، مستدلاً على أن النقل الصادق المطابق للخبر يتحقق بانتفاء الكذب العمد والخطأ.
يشرح المقطع كيف أن اتفاق الرواة في تفاصيل واقعة واحدة دون تواطؤ مسبق يدل على صدقها، مستشهداً بمثال الحريق والشعر. وأن تعدد طرق المراسيل مع انتفاء المواطأة يرفعها إلى درجة الصحة أو الحسن، كما في متواترات السيرة مثل غزوة بدر.
يشير المقطع إلى أن الروايات الواردة في السيرة النبوية وإن كانت مرسلة، إلا أن شهرتها وتواترها عن السلف يجعلها مقبولة ولا ترد لعدم ثبوت سندها الصحيح. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر من الحديث في ترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. بعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فالمقصود أن المنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره". ومعنى نصب الله الأدلة على بيان ما فيها: أي أن هذه المنقولات يعرف المسلم وجه الصواب فيها من حيث الصحة وغيره، فقدر الله عز وجل جهابذة علم الحديث ينخلون هذه الأسانيد نخلاً، ويبينون مدى صحتها من ضعفها. قال: "ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالم المنقول في المغازي والملاحم". ويريد بالمغازي: الغزوات والقتال، والملاحم: ما هو أوسع من المغازي، والملاحم يعني الوقائع التي يكون فيها القتال. والمغازي: ما يكون مما وقع في السيرة وفي غزوات النبي عليه الصلاة والسلام. فهو يقول هنا: إن التفسير ما ينقل عن الصحابة أو عن التابعين وتابعيهم، مثله مثل ما ينقل في المغازي والملاحم، أي أن أكثرها من غير سند، من غير سند. قال: "ولهذا قال الإمام أحمد: ثلاثة أمور ليس لها إسناد". هذا يعني في الغالب، ليس معناه مطلقاً لا، قد يكون في هذه الثلاث ما فيه إسناد، بل ما هو في الصحيحين. قال: "ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير، والملاحم، والمغازي". ولذلك كثير من أهل العلم يتساهل في يعني ما ينقل في التفسير أو في المغازي أو في الملاحم، يعني يتساهل، يعني ما يشدد مثل الأحاديث النبوية، لا بد أن يكون الحديث صحيحاً، ما يشدد في هذا، يتساهل في هذا. ولذلك لو تنظر يعني في كتب المفسرين ينقلون ما له إسناد وما ليس له إسناد، وكذلك في السيرة تجد العلماء، لو قرأت مثلاً في سيرة ابن هشام كم فيها من الأخبار التي انقطعت أسانيدها أو لا إسناد لها، ولو قرأت أيضاً حتى في السيرة عند بعض المعاصرين كشيخ الإسلام مثلاً محمد بن عبد الوهاب في مختصر السيرة، فإنه يذكر بعض الوقائع وبعض حوادث السيرة وليس لها إسناد وليس لها أصل، فيتساهل العلماء في ذلك. فلا نقول يعني لا بد أن تكون السيرة كلها صحيحة، إلا إذا كان هذا النقل فيه معارضة لأصل من أصول الشريعة، وفيه كذلك يعني مخالفة لشيء من قواعد هذا الدين، فيرد لهذا المعنى. أما إذا لم يكن فيها شيء، فيتساهل في ذلك ويذكر، ولا بأس أن يحدث به. فوضِع هذا الآن: فالنقل في التفسير والسيرة والمغازي، طيب، المغازي وكذلك الملاحم، يعني لو قرأت مثلاً في البداية والنهاية يذكر الحظ من كثير وقائع وقعت مثلاً في عهد الدولة الأموية أو في عهد الدولة العباسية، وأشياء يعني ليست لها إسناد، فهل نقول لا نحدث بها؟ لا نحدث بها لأن الملاحم هذه ليست مثل الحديث النبوي الذي قال عليه الصلاة والسلام: «من حدث عني كذباً متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». واضح، فلابد عند النقل عن النبي عليه الصلاة والسلام أن يتحرى المتحدث، لكن عن غيره يتساهل في ذلك. فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: "أن ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير، والملاحم، المغازي"، يعني هذا في الغالب. قال: "ويروى: ليس لها أصل"، أي إسناد، يعني بمعنى الأثر المتقدم. قال: "لأن الغالب عليها المراسيل". ويريد هنا بالمراسيل: الانقطاع. لأنكم لو أحد منكم درس علم المصطلح، أن المراسيل عند أهل المصطلح يطلق على اصطلاحين. طيب، الاصطلاح الأول المشهور: وهو ما أسنده التابعي، ما أسنده التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يقولون له: ماذا؟ حديث مرسل، حديث مرسل. والإرسال أيضاً يكون بالمعنى العام وهو الانقطاع، فقد يكون تابع تابع تابع التابعين مباشرة يضيفه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يسمى ماذا؟ مرسل أيضاً بالاصطلاح العام. فالمرسل له اصطلاح عام وهو مطلق الانقطاع بغض النظر عن من انقطع عنه هذا السند، ويطلق كذلك على ما أسنده التابعي للنبي صلى الله، أو إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: "لأن الغالب عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق". هذا بعضهم تابعين وبعضهم غير تابعين، فهذا كلها تعد من المراسيل. قال: "وابن إسحاق هذا الذي وصاحب السيرة، قال: ومن بعدهم ك يحيى بن سعيد الأموي". هذا ليس من التابعين، من بعد التابعين، "والوليد بن مسلم، والواقدي، ونحوهم في المغازي". فإن أعلم الناس بالمغازي: أهل المدينة، ثم أهل الشام، ثم أهل العراق. وما هو السبب؟ سيأتي. قال: "فأهل المدينة"، قال: "فأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت عندهم"، يعني لأن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في المدينة، فهم أعلم بالسيرة من غيرهم لأنهم شاهدوا هذه السيرة، وإن لم يشاهدها التابعون فشاهدها آباؤهم من الصحابة، فشاهدها آباؤهم من الصحابة. فأعلم الناس بالمغازي وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام هم من أهل المدينة، أهل المدينة لهذا السبب. نعم. وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد، فكان لهم من العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم. لماذا أتى في الدرجة الثانية أهل الشام؟ لأنهم كثيروا الغزو، وهم عندهم خبرة ومعرفة بالجهاد وأخبار الرسول حتى يقتدوا به عليه الصلاة والسلام، فلذلك يأتون في الدرجة الثانية بعد أهل المدينة. قال: "لهذا عظم الناس كتاب أبي إسحاق الفزاري"، أبا إسحاق الفزاري الذي صنفه في ذلك، لقي... لقي العمالة، اشتغل بها، قال: "الذي صنفه في ذلك، وجعل الأوزاعي يعلم بهذا الباب من غيره من علماء الأمصار". لماذا؟ لأنهم أعلم بالسيرة للوصف المتقدم. لقى... أنت لقيت... تقى جلس. قال: "وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس، وابن عباس هو أعلم الصحابة بالتفسير كما تقدم". وهنا قاعدة عند العلماء: يقولون علم الطالب مستمد من علم شيخه، فإذا كان شيخه قوياً في العلم صار الطالب قوياً في العلم. فقال العلماء: من أخذ التفسير عن ابن عباس فهو أعلم من غيره، لأن ابن عباس من أعلم الصحابة بالتفسير، لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم له، ولي تخصصه في هذا الباب، كما مر معنا في أصول التفسير عند ابن عثيمين رحمه الله. قال: "فإن أعلم الناس به أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم". كل هؤلاء من أعلم الناس بالتفسير لأن شيخهم ابن عباس. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب عبد الله بن مسعود، لأن عبد الله بن مسعود استقر في الكوفة فيما بعد، فأخذ عنه هؤلاء الطلاب علم التفسير، وابن مسعود كذلك يأتي في الدرجة الثانية في التفسير، فهو أيضاً من المتخصصين في تفسير القرآن. ولذلك لو نظرت في تفسير ابن كثير وتفسير ابن جرير، كثيراً ما ينقلان الأقوال في التفسير عن ابن عباس وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما. قال: "ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم". قال: "وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم، الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضاً ابنه عبد الرحمن، وأخذه عن عبد الرحمن...". يعني يأتي في الدرجة الثالثة أهل المدينة، عبد الله بن وهب. قال: "والمراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن المواطأة قصداً أو الاتفاق بغير قصد، كانت صحيحة قطعاً". إيش معنى هذا الكلام؟ المراسيل في السنة النبوية في حكم أهل المصطلح: ضعيف. جاء حديث مرسل فهو من قسم الحديث الضعيف. لكن لو جاء مرسل آخر، جاء مرسل آخر من غير هذه الطريق الأولى، فإن هذا الحديث يرتقي، يتقوى، فيصل إلى درجة ماذا؟ الحسن، يكون حديث حسن، يستشهد به. طيب، وهكذا في التفسير: إذا جاءت هذه المراسيل وتعددت طرقها، تعدد الطرق، وخلت عن المواطأة، ومعنى خلت عن المواطأة: يعني ما اتفق أهل إسنادها على هذا الحديث، وإنما اختلفت طرقها من غير مواطأة، يعني المواطأة هو الاتفاق. طيب، فمثلا: أنا آخذ الحديث عنك، أنت ترسله وأنا أرسله، هذا ما شي فائدة لأن المخرج واحد، الطريق واحد. واضح. لكن لو أنت رويت وأنا رويت من طريق آخر، غير طريقك، وما اتفقت معك، ولا درست عندك، ولا التقيت بك أصلاً، طيب، فهذا يقبل ويؤخذ. هذا معنى قوله: "وخلت عن المواطأة". وهذه المواطأة قد تكون قصداً أو بغير قصد. يعني قصداً بمعنى أنه ما عرف أنه حدث، ولا يعني علم بطريقه. وبغير قصد بمعنى أنه حدث بحديث، فهذا الحديث نفسه حدث به الآخر لكن من غير قصد موافقة الأول، ما قصد موافقته، وإنما حدث بما سمع، فوافق حديثه حديث الأول، فهذه تمت موافقة من غير قصد. تمت موافقة من غير قصد. وقد تكون الموافقة بقصد لكن من غير اتفاق. طيب، من غير اتفاق: أنا أعرف أنه فلان حدث بحديث، لكن أنا أخذت هذا الحديث من طريق آخر، فهنا تم القصد. طيب، ذاك أحدث بحديث وأنا قصدت نفس الحديث، لكن هو أخذه من طريق وأنا أخذه من طريق، فهذا يرقي ماذا؟ يرقي هذا المرسل، فيرتفع إلى درجة الحسن، يرتفع إلى درجة الحسن. هذا معنى كلامه. قال: "فإن النقل إما أن يكون صدقاً مطابقاً للخبر، وإما أن يكون كذباً تعمد صاحبه الكذب، أو أخطأ فيه". فمتى سلم... طيب، بعدين جلس... جلس. بعدين قال: "فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان صدقاً بلا ريب". إيش معنى هذا الكلام؟ يعني المواطأة يكون فيها الكذب، أنا أتفق أنا وأنت على شيء، وهذا الشيء ليس بصحيح، هذا الشيء ليس بصحيح، هذا كذب. وقد تكون المواطأة ليست عن عمد، وإنما عن موافقة، وافق حديث وحديثي، فهذا يكون من الأخبار الصادقة. وهذا معنى قوله: "فإن النقل إما أن يكون صدقاً مطابقاً للخبر". أنت حدثت بحديث وحديثك طابق حديثي، ولم نلتقي ولم نتعامل ذلك، فهذا الحديث صدق، ما فيه أي كذب. لكن الموافقة والمواطأة يكون فيها الكذب. قال: "فمتى سلم الكذب من العمد والخطأ، من العمد والخطأ، كان صدقاً بلا ريب". قال: "فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات، وقد علم أن المخبرين لم يتواطوا على اختلاقه، وعلم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقاً بلا قصد، علم أنه صحيح بهذا الشرط". لما تكون هناك مواطأة وموافقة بين الراويين لهذا المرسل، مثل شخص يحدث عن واقع جرت، ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال والأفعال، ويأتي شخص آخر قد علم أنه لم يواطئ الأول، فيذكر مثل ما ذكره الأول من تفاصيل الأقوال والأفعال، فيعلم قطعاً أن تلك الواقعة حق في الجملة. إيش معنا هذا الكلام؟ مثلا: احترق بيت، طيب، وكلنا شاهدنا حريق هذا البيت، فرأينا وناس يخرجون نساء من البيت، ورأينا سيارات الإطفاء تأتي تطفئ هذا البيت، ورأينا يعني الناس تصيح، والنساء تصيح، والأطفال يصيحون، والناس يعني يهربون وكذا. فأنت وصفت ما شاهد، وأنا وصفت ما شاهد، وفلان وصف ما شاهد، فاتفقنا كلنا على أخبار صحيحة لأننا كلنا شاهدناها. فهذا يعطي الخبر ماذا؟ قوة. كون هذا الخبر أتى عن ثلاثة لم يتفقوا، لم يجتمعوا يقولون: هيا نؤلف في هذا، والله شاهدنا كذا وكذا وكذا وكذا، وبعضهم من رأسه، وبعضهم هكذا من غير رأسه، وبعضهم صدق، وبعضهم كذب، هذا هو الذي يرد لأنه عن مواطأة. لكن كل واحد يخبر بما رأى، فتتفق الأخبار، وكذلك تتقارب الأخبار، فهذا يقوي الخبر. وهكذا المرسل: هذا يخبر ما لا يخبر به الآخر، وكلهم شاهدوا هذا الحدث أو ذاك أو تلك الواقعة. هذا هو الذي يريده شيخ الإسلام. قال: "فيعلم قطعاً أن تلك الواقعة حق في الجملة، فإنه لو كان كل منهما كأن فيه هنا زيادة، كل منهما، كل صح عندكم، كل كأن هذه زائدة، الكل الثانية، فيكون الصواب والله أعلم، فإنه لو كان كل منهما كذبها عمداً، كذبها عمداً، أو خطأً، لم يتفق في العادة أن يأتي كل منهما بتلك التفاصيل". لو كل واحد كذب في هذا الأمر، لم يحترق بيت أصلاً، طيب، لم يحترق بيت، فهذا قال: احترق بيته، وقع كذا وكذا، والآخر نفس الشيء قال: احترق بيته، وقع كذا كذا، هل سيتفق في الأخبار؟ لا، ما سيتفق، لأن أصلاً الخبر كذب، غير موجود أصلاً. فأنتم هذا الآن، مثلا الآن أنا ألفت في بيت يحترق، هو ما في احترق، بس كذب، أنا ألفت هذا، وجاء واحد ثاني وألف أيضاً أن بيت احترق، هل سنتفق في الأحداث؟ ما سنتفق في الأحداث، لأن الخبر ليس له حقيقة، ولا مطابق للواقع أصلاً، وإنما شيء كذب خيالي نذكره هكذا. فأنتم هذا الآن، فهو قصده: هذا شيء... شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قال: "أن يأتي كل منهما بتلك التي تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة من أحدهم لصاحبه". يعني لم يتواطأ، لم يتفق، لم يجتمع في تأليف هذا الكذب، وإنما كل واحد صنف لنفسه وكذب من نفسه، ما سيتفقان في ماذا؟ في صحة الخبر. قال: "فإن الرجل قد يتفق أن ينظم بيتاً، أو ينظم بيتاً يعني شعراً، وينظم الآخر مثله، أو يكذب كذبة ويكذب الآخر مثلها، أما إذا أنشأ قصيدة طويلة ذات فنون على قافية وروي، فلم تجرِ العادة بأن غيره ينشئ مثلها لفظاً ومعنى مع الطول المفرط، بل يعلم بالعادة أنه أخذها منه". يعني مثلا الآن أنا ألفت قصيدة، طيب، هل يستطيع أحد أن يؤلف نفس القصيدة وبنفس الألفاظ دون أن يرجع إلي، ودون أن يأخذ من قصيدتي؟ نفس القصيدة يؤلفه، هل يستطيع؟ ما يستطيع. فأنتم هذا الآن، متى يستطيع؟ إذا أخذها مني، أو تواطأ معي، وكتبناها مع بعض، هذه القصيدة. هذا الآن قال: "وكذلك إذا حدث حديثاً طويلاً فيه فنون، وحدث آخر بمثلي، فإنه إما أن يكون واطأه عليه، أو أخذه منه، أو يكون الحديث صدقاً، وبهذه الطريق يعلم صدق عامة ما تعدد جهاته المختلفة على هذا الوجه". مثلا: أنا الآن عملت خطبة، هل يستطيع أحدكم أن يعمل نفس الخطبة دون أن يسمع خطبتي، ودون أن يأخذها مني؟ ما يستطيع. صح. وهذا مثله. قال: "يعلم بالعادة أنه أخذه منه، وكذلك إذا حدث حديثاً طويلاً فيه فنون، وحدث آخر بمثلي، فإنه إما أن يكون واطأه عليه، أو أخذه منه، أو يكون الحديث صدقاً، وبهذا الطريق يعلم صدق عامة ما تعدد جهاته". يعني الذي يتعدد جهاته من دون مواطأة، فهذا لشك أنه ماذا؟ حق وصدق. لأنه... لأنه كل حدث بما رأى وبما شاهد. فأنتم هذا الآن، فهو يريد هنا أن يقول: أن المراسيل إذا تعدد طرقها، ولم يكن هناك مواطأة والتفاق بين الرواة، فهنا ترتفع إلى درجة الصحة أو الحسن أو القبول. هذا الذي يريده شيخ الإسلام من هذه التفاصيل. قال: "لكن مثل هذا لا تضبط به الألفاظ والدقائق التي تعلن بهذه الطريق، بل يحتاج ذلك إلى طريق يثبت بها مثل ذلك الألفاظ والدقائق". ولهذا ثبتت غزوة بدر بالتواتر، وأنها قبل أحد، الأحد، لا يشك في هذا، طيب، لأن الصحابة كثير ممن شاهدوها، وممن حدثوا عنها، وممن ذكروها، فهذا شيء متواتر. والتواتر هو ماذا؟ هو أن ينقل فلان عن فلان، أو جمع عن جمع، ينقل جمع عن جمع، لم يتم التواطئ فيما بينهم، لم يتم التواطئ فيما بينهم. قال: "بل يعلم قطعاً أن حمزة وعلياً وعبيدة برزوا إلى عتبة وشيبة والوليد، وأن علياً قتل الوليد، وأن حمزة قتل قرنه، ثم يشك في قرنه، أل هو عتبة أو شيبة". يعني هذا كلها جاءت في السيرة، وهي ربما تكون من المراسيل، لكنها مما اشتهر، ومما تواتر فيها القول عن السلف، فهذا لا يرد، فهذا لا يرد، ولا نقول: لم يثبت ذلك بسند صحيح، بل شهرتها، بل شهرتها ووجود التواتر فيها يكفي في قبولها، يكفي في ماذا؟ في قبولها. طيب، نكتفي بهذا اليوم. ترجمة نانسي قنقر.