التعليق على مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية 12

التعليق على مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية 12

الدرس في التعليق على مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أنواع الاختلاف في التفسير: النقل والاستدلال

يقسم المقطع الاختلاف في التفسير إلى نوعين رئيسيين: ما يستند إلى النقل عن المعصوم أو غير المعصوم، وما يستند إلى الاستدلال والاجتهاد. ويوضح أن صحة المنقول تُعرف بفحص الأسانيد، بينما الإسرائيليات لا يمكن الجزم بصدقها ولا فائدة فيها.

حكم الإسرائيليات وبيان ما لا فائدة من معرفته منها

يبيّن المقطع أن أخبار بني إسرائيل لا يُجزم بصدقها ولا تكذيبها، وأكثرها لا فائدة في معرفتها كتفاصيل لون كلب أصحاب الكهف وسفينة نوح. ويؤكد أن العلم النافع الثابت يأتي بالنقل الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة، أما روايات من اشتهر بالأخذ عن بني إسرائيل فلا تُقبل ولا تُرد إلا بدليل خارجي.

حكم الرواية عن أهل الكتاب والفرق بين الصحابة والتابعين في الإسرائيليات

يشرح المقطع حديث «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم» مبيناً أن الأصل التوقف في أخبار أهل الكتاب، ويفصل في حكم نقل الصحابة عنهم حسب شهرتهم بالأخذ عنهم. كما يفرق بين التحديث الجائز والتصديق غير الجائز، ويؤكد أن التابعين غير معصومين فلا يُحتج بأقوالهم في هذا الباب.

ختم الدرس والإشارة إلى الاستدلال بالنقل الصحيح

أشار المتكلم إلى أن ما ذُكر مستنده النقل الصحيح الثابت بالأسانيد، مما يُعمل به بلا شك. ثم أعلن الاكتفاء بهذا القدر واستكمال الباقي في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال: فصل في نوعي الاختلاف في التفسير المستند إلى النقل وإلى طرق الاستدلال. يريد بالنقل: ما ينقل عن المفسرين، فهو نقل بمعنى أنه يأتي مثلاً عن ابن عباس، هذا منقول عن ابن عباس، أو عن ابن مسعود، أو عن علي بن أبي طالب، أو غيرهم من الصحابة. هذا يسمى تفسيراً مستنده النقل، مستنده ماذا؟ النقل. وأما طرق الاستدلال: أي فهم الآية من غير نقل، وإنما من اجتهاد من مفسرين من المفسرين المتأخرين. طيب، هذا يسمى ماذا؟ الاستدلال. استدل مثلاً بلغة، أو استدل بآية أخرى بالاستنباط، ليس بالنص، استنبط من آية أخرى تفسير الآية هذه بشيء من الاستنباط والاستدلال. فهذان نوعان من أنواع التفسير، يعني أن بعض الآيات ما تجد فيها نقلاً عن الصحابة أو عن التابعين، فالمفسر يلجأ إلى ماذا؟ إلى الاستنباط والاجتهاد في تفسير الآية. فهذا ما يسمى بطرق الاستدلال، سيأتي معنا. قال: الاختلاف في التفسير على النوعين. منهما مستنده النقل فقط، ومنهما يُعلم بغير ذلك. إذ العلم إما نقل مصدق، يعني نقل صحيح مصدق، يعني صحيح جاء عن صحابي أو عن النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، لأنه كما مر معنا في أصول التفسير أن أفضل طرق التفسير تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بماذا؟ بالسنة. فالسنة لابد أن تكون نقلاً مصدقاً، بمعنى نقل ثابت صحيح، ليس بضعيف. واضح. ثم يأتي بعد الصحابة ماذا؟ بعد النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة. طيب، كان ابن عباس وابن مسعود وعلي رضي الله عنهم أجمعين، أو تلاميذهم من التابعين. طيب، فهذا كله نقل عن المفسرين، نقل عن المفسرين من الصحابة أو من النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وإما استدلال محقق. وذكرنا أن الاستدلال المراد به الاجتهاد في تفسير الآية دون نقل من أحد، وإنما يأتي مفسر فيجتهد في تفسير الآية. قال: والمنقول إما عن المعصوم وإما عن غير المعصوم. فالمنقول قد يكون عن المعصوم، من هو المعصوم؟ الرسول صلى الله عليه وسلم. طيب، فمثلا قال الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]، فسرها النبي صلى الله عليه وسلم: الزيادة بالنظر إلى وجه الله يوم القيامة. فهذا نقل عن المعصوم. طيب، وإما عن غير المعصوم، يعني الصحابة. طيب، فهم غير معصومين، قد يفسرون الآية ويأتي آخر ويعارض، كما مر معنا في أصول التفسير، كما مر معنا في أصول التفسير في بعض المواضع. قال: النوع الأول: الخلاف الواقع في التفسير من جهة النقل، من جهة النقل يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة أو التابعين أو من بعدهم. قالوا: المقصود بأن جنس المنقول سواء كان عن المعصوم أو غير المعصوم، وهذا هو النوع الأول. فمنه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف، وهذا السنة. طيب، يعني الحديث. وأيضاً قد يكون هناك سند عن الصحابة، مثلاً مجاهد يروي عن ابن عباس، وعن مجاهد يروي آخر، وهكذا سلسلة إسنادية إلى أحد المصنفين في الآثار كابن أبي شيبة مثلاً، أو ابن جرير الطبري، أو نحوهم، يأتي بالسند إلى الصحابة، فينظر في سند هذا الأثر أو هذا التفسير. فإن كان رجاله رجال الصحيح ثقات، وما فيه علة خفية من انقطاع أو نحوه، فهذا يكون النقل صحيحاً. وإن كان فيه ضعيف أو انقطاع أو علة أو نحو ذلك، فهذا يكون ضعيفاً. طيب، فهذا معنى قوله: فمنه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف. ومنهم ما لا يمكن معرفة ذلك فيه، وذلك لعدم وجود مثلاً الإسناد أو نحو ذلك. وهذا القسم الثاني من المنقول، وهو ما لا طريق لنا إلى الجزم بالصدق منه عامة، وما لا فائدة فيه. فهو يريد: ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه، يريد بذلك ما جاء عن بني إسرائيل، وهو ما تسمى بالإسرائيليات. فهذه من المنقول، لأنها قد تجد هذه عن التابعي أو عن الصحابي أو عن تابع التابعي أو نحو ذلك، لكنها جاءت عن بني إسرائيل، ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أحد الصحابة الذين لم يعرفوا بالأخذ عن بني إسرائيل. فهذا الذي لا يمكن معرفة ذلك فيه، وهو ما لا طريق لنا إلى الجزم بالصدق، يعني ما نجزم، فقد يكونوا صحيحاً وقد يكونوا غير صحيح. عامته مما لا فائدة فيه، يعني ما ورد في هذا الباب ما هو يعني بكبير فائدة في معرفته، ما هناك كبير فائدة في معرفته. قالوا: الكلام فيه من فضول الكلام، يعني الكلام الذي ليس فيه نفع، بل هو فضول حشو. وأما ما يحتاج المسلمون لمعرفته فإن الله تعالى نصب على الحق فيه دليلاً، يعني يأتي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة. مثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه: اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، هل هو أبيض أو أحمر أو أسود؟ هل هذا فيه نفع؟ ما فيه نفع. أش نستفيد من هذا؟ ما نستفيد شيئاً. وفي البعض الذي ضرب به قتيل موسى من البقرة، يعني هل ضرب في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: 73]، هل هناك فائدة لو قلنا ما هو هذا البعض؟ هل هو رجلها، هل هو يدها، هل هو ظهرها، هل هو شحمها، هل هو بطنها؟ أي شيء، الفائدة نستفيد منها، المهم بعض أي شيء منها. فهمتم هذا الآن؟ فهذا لا فائدة من معرفته، لا فائدة من معرفته. وفي مقدار سفينة نوح وما كان خشبها، يعني كم طولها، كم عرضها؟ هل هذا فيه نفع؟ هذا ما فيه نفع. وما هو خشبها؟ هل هو من الخشب الساج، أو من الخشب الخفيف، أو الخشب الثقيل؟ ماذا نستفيد من هذا؟ ما نستفيد شيئاً. وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر في قوله: ﴿فَوَجَدَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: 74]، أيش اسم هذا الغلام؟ زيد أو عبيد أو من اسمه؟ هل نستفيد من هذا شيئاً؟ ما نستفيد، المهم غلام. صح. هذا كله من الإسرائيليات ونحو ذلك. فهذه الأمور طريق العلم بها النقل، النقل يعني عن الرسول أو عن الصحابة الذين سمعوا عن الرسول. فما كان من هذا منقولاً نقلاً صحيحاً عنه صلى الله عليه وسلم، كاسم صاحب موسى أنه الخضر، هذا جاء في السنة. لكن هل جاء في القرآن اسمه أنه الخضر؟ هل جاء في سورة الكهف أنه الخضر؟ ما جاء، إنما ماذا جاء؟ جاء يعني: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الكهف: 60]، أو أبلغ حقباً. فلما بلغ مجمع وجد... نعم، ها، لا، الفتى هو الذي مع موسى، لكن الذي يعني علم موسى، الخضر، أين ذكر؟ هل ذكر اسمه في الآيات؟ ما ذكر اسمه. ها، قال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: 64]، ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف: 65]، نعم، سماه عبداً من عبادنا. هل ذكر اسمه في القرآن؟ طيب، من أين عرفنا أن اسمه الخضر؟ من السنة، لما موسى قال: لا أعلم أحداً يعني في هذا الكون أعلم مني، فقال الله: بلى، عبدنا الخضر، فذهب وموسى يبحث عنه. واضح. فاسم هذا الرجل الذي تعلم منه موسى جاء في السنة، في النقل الصحيح، حديثه في البخاري. قال: فهذه معلوم. وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب، كالمنقول عن كعب الأحبار، ووهب بن منبه، ومحمد بن إسحاق، هؤلاء ممن اشتهروا بالأخذ عن بني إسرائيل، مما اشتهروا بالأخذ عن بني إسرائيل، فهذا لا يجيز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة، يعني بدليل خارجي آخر، أما بنفس هذا الدليل فلا. قال: كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما يحدثوكم بباطل فتصدقوه». الظهر، صوابه: «فإما أن يحدثوكم» الأولى هذا بدون نون، ثم عندكم نون لأن «إن» هذه جازمة، أن هنا ناصبه تنصب الفعل المضارع، صح؟ فيكون الصواب: «فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه»، والثانية أتى بها على الصواب لأنها معطوفة على منصوب فهي منصوب، مثلاً: «وإما يحدثوكم» يعني يكون التقدير: «وإما أن يحدثوكم»، «وإما يحدثوكم بباطل فتصدقوه». ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، هذا في التحديث. طيب، لكن في التصديق: لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، لأن قد يكون هذا النقل صحيحاً، فإذا كذبتموه كذبتم شيئاً صحيحاً، وقد يكون هذا النقل غير صحيح، فإذا صدقتموه صدقتم شيئاً غير صحيح. فهمتم هذا الآن؟ فلذلك إذا جاء شيء عن بني إسرائيل لا نصدقه ولا نكذبه، نتوقف فيه، أنه قد يكون صحيحاً وقد يكون غير صحيح. قال: وقد ذلك ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، يعني وهذا فيما يتعلق بأخبارهم، يعني شيء مثلاً يتعلق بموسى، قصة موسى، قصة عيسى، شيء يتعلق بهم، أما شيء ما يتعلق بهم فهذا أمر آخر لا يدخل في الإسرائيليات. قال: فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، لماذا؟ لأنهم غير معصومين، فيكون هنا الترجيح. وما نقل في ذلك عن بعض الصحابة نقلاً صحيحاً فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين. هذه مسألة: وهي إذا حدث الصحابي عن خبر يتعلق ببني إسرائيل، كابن عباس مثلاً، أو عمر بن الخطاب، فهل حكمه حكم الإسرائيليات؟ هذه المسألة فيها تفصيل. الصحيح أن الصحابي الذي اشتهر عن الأخذ عن بني إسرائيل، هناك صحابة اشتهروا عن الأخذ عن بني إسرائيل، مثل عمرو بن العاص، كان عنده صحيفة من صحف بني إسرائيل يحدث منها، فهنا يتوقف في ما ينقل منها، أو يأتي من الإسرائيليات عن طريقه. وأما الصحابة الذين لم يشتهروا بذلك، فهنا يؤخذ بما يذكرونه، كما قال شيخ الإسلام: فالنفس إليه أسكن، يعني يؤخذ به مما نقل عن بعض التابعين. أما التابعون فلا، فيتوقف فيما يحدثون به عن بني إسرائيل. قال: لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من بعض من سمعه أقوى منه. وقلنا هذا في من لم يشتهر بالأخذ عن بني إسرائيل. ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومعنى أقل يعني جاء في مواضع قليلة، ومع جزم الصحابة ما يقوله، فكيف يقال إنهم أخذوا عن أهل الكتاب؟ وقد نوه عن تصديقهم، لكن ما نوه عن التحديث عنهم. طيب، فالصحابي الذي ينقل هو من باب: «حدثوا عن بني إسرائيل»، فالتصديق شيء والتحديث شيء آخر، فيجوز لك التحديث ولا يجوز لك التصديق، ففرق بين هذا وذاك. فالصواب في هذه المسألة والله أعلم أن الأصل فيما يقوله الصحابة عن بني إسرائيل أنه يؤخذ به، هذا الأصل. وأما الصحابة المشهورون بالأخذ عن الإسرائيليات فهذا يتوقف فيما يأتي عنهم. قال: والمقصود أن الاختلاف الذي لا يعلم صحيحه ولا يفيد حكاية الأقوال فيه هو كالمعرفة لما يروى من الحديث الذي لا دليل على صحته وأمثال ذلك، يعني الحديث الذي ما فيه دليل صحيح، فالإسرائيليات من ذلك. قال: وأما القسم الأول الذي يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف، لأن قسم أن المنقول قد يكون معرفة الصحيح منه والضعيف، وقد لا يكون، قد لا نعرف الصحيح من الضعيف، وقد نعرف الصحيح من الضعيف. فالقسم الأول الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود فيما يحتاج إليه، ولله الحمد. فكثيراً ما يوجد في التفسير والحديث والمغازي أمور منقولة عن نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والنقل الصحيح يدفع ذلك. بل هذا موجود فيما مستنده النقل، وفيما قد يعرف بأمور أخرى غير النقل، يعني أنها نقلات صحيحة جاءت بالأسانيد الثابتة، فهذا لا شك أنه يؤخذ بها. طيب، نكتفي بهذا ونكمل ما بقي في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.