التعليق على مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية 14

التعليق على مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية 14

الدرس في التعليق على مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أصل تعدد طرق المرسلات وحجية خبر الصحابة

يُقرر الأصل أن تعدد طرق المرسلات دون تواطؤ يورث الجزم بصحة الخبر بشرط سلامة الرواة من الكذب والضبط. ويُؤكد أن الصحابة رضي الله عنهم في غنى عن التوثيق لثبوت عدالتهم وضبطهم يقيناً، فيقبل خبرهم بلا بحث في أحوالهم.

ثقة التابعين وحفاظهم وتمييز الغلط عن الكذب في الرواية

يبيّن المقطع مكانة كبار التابعين وأئمة الحديث في الأمانة والضبط، وأن الغلط والنسيان قد يعرض للبشر لكن الحفاظ المتقنين كشعبة والزهري والثوري عُرفوا بالبعد عن الغلط. ويوضح أن اتفاق الرواة على قصة طويلة من غير مواطأة يمتنع فيه الكذب والغلط الكلي، مستشهداً بحديث شراء النبي صلى الله عليه وسلم البعير من جابر حيث اختلفوا في الثمن فقط لا في أصل القصة.

حجية خبر الآحاد وتلقي الأمة له بالقبول

يقرر النص أن خبر الآحاد إذا تلقته الأمة بالقبول والتصديق أفاد العلم واليقين الراجح، مستدلاً بإجماع أهل الحديث والعلماء من المذاهب الأربعة والأشعرية على العمل به. ويرد قول من أنكره من المتكلمين والفلاسفة بدعوى أنه يفيد الظن فقط، مؤكداً أن العبرة بإجماع أهل الاختصاص لا بأهل الكلام.

حجية الإجماع في تصديق الخبر وتمييز أهل الاختصاص فيه

يبيّن المقطع أن الإجماع على تصديق الخبر يُعتبر حجة قاطعة بشرط أن يكون إجماع أهل العلم بالحديث لا غيرهم، كما يُفرّق بين إجماع المحدثين في الأخبار وإجماع الفقهاء في الأحكام. ويشير إلى أن تعدد طرق الرواية دون تواطؤ يورث العلم بمضمون المنقول، وهو أصل مهم في علم أحوال الناقلين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه، وبعد. قال: وهذا الأصل ينبغي أن يعرف، فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي. ما هو هذا الأصل؟ المرسلات إذا تعددت طرقها ولم يتم الاتفاق ولا المواطأة، فإنه يحكم بصحة ذلك الأمر، بل وبالجزم به. طيب، هذا هو الأصل. قال: وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك، يعني هذا الأصل لا ينتفع به في المغازي والسير والتفسير فقط، بل حتى في حديث الناس، حتى في حديث ماذا؟ الناس. قال: وغير ذلك. ولهذا إذا روي الحديث الذي يأتي فيه ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجهين، يعني من طريقين، وجهين بمعنى طريقين، معنى طريقين: يعني مثلاً ما يجتمع السند، يعني ينتهي إلى راوٍ واحد، والسند الثاني ينتهي إلى راوٍ واحد، هذا المخرج يسمونه واحداً، مخرج الحديث واحد، هذا هو نفسه أحاد، ليس متواتراً. تمام، هذا يسمى أحاد لأن مخرجه واحد. لكن لو مخرجه ليس واحداً، إنما أكثر من واحد، مثلاً مرسل انتهى إلى الحسن البصري، ومرسل انتهى إلى سعيد بن جبير، إذن هنا المخرج مختلف. طيب، لكن لو في سند جاء النهاية إلى الحسن، وجاء سند آخر النهاية إلى الحسن، هذا ما تعددت طرقه، هذا يعتبر طريقاً واحداً، يعتبر ماذا؟ طريقاً واحداً. فقوله هنا: ولهذا إذا روي الحديث الذي يأتي فيه ذلك عن الحسن من وجهين، يعني من طريقين، مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر، يعني ما أخذه، مثلاً فلان عن يعني الحسن، وأخذه نفس فلان عن الحسن، لا، إنما جاء من أكثر من طريق، جزم بأنه حق، لأنه لا يمكن أن يتفقا على شيء وهو غير صحيح. قال: إذا علم أن نقلته ليس ممن يتعمد الكذب، يعني بعد النظر في إسناد هذا النقل لا بد أن يكون سنده صحيحاً إلى من نقله ومن قاله. طيب، قال: وإنما يخاف على أحدهم النسيان والغلط، يعني الإنسان بشر قد يقع في النسيان أو الغلط، ولذلك أهل الحديث لما ذكروا شروط صحة السند وصحة الحديث ذكروا أن يكون إسناده صحيحاً بأن يكون الرواة ثقات وضابطين. إيش معنى ضابطين؟ يعني ما عندهم نسيان، إذا عندهم نسيان زيادة ربما ينسى فيذكر شيئاً لم يكن ولم يرد في الحديث. فمع شرط عدم التواطؤ وعدم الاتفاق لا بد أن يكون شرط ماذا؟ أن يكون الرواة ضابطين، غير متهمين بنسيان أو قلة ضبط أو نحو ذلك. هذا معنى قوله: وإنما يخاف على أحدهم النسيان والغلط. يعني إذا تأكدنا أن الرواة ليسوا بمتهمين في أمانتهم وعدالتهم، يعني هؤلاء الرواة لا يمكن أن يكذبوا، لكن هل يمكن أن ينسوا ولم يضبطوا؟ نعم، لكن ينظر أهل الحديث، ذكروا من هو سيء الحفظ فجعلوه من قسم من يضعف حديثه، هذا معروف في علم المصطلح. طيب، فهنا قوله: وإنما يخاف على أحد منهم النسيان والغلط، فإن من عرف الصحابة كابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عمر، وجابر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وغيرهم، علم يقيناً أن الواحد منهم لم يكن ممن يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضلاً عن من هو فوقهم، كما يعلم الرجل من حال من جربه وخبره خبرة باطنة طويلة أنه ليس ممن يسرق أموال الناس، ويقطع الطريق، ويشهد الزور، نحو ذلك. يعني إذا جاء الخبر عن الصحابة فلا تبحث عن ضبطه ولا عن عدالتهم، لأن الصحابة كلهم عدول، وكلهم ضابطون، ما تكلم أحد من العلماء على الصحابة من حيث الضبط ومن حيث العدالة، كلهم عدول، فتأخذ بكلام الصحابة كما تأخذ بثقة شخص خبرته وعايشته، فلان معك عشرين سنة، ضابط صندوق، يحفظ لك الأموال، ويحسب لك الأموال، ما عهدت عليه خيانة ولا كذباً ولا أخذ مال بغير حق، فأنت تحكم له بماذا؟ بالأمانة والصدق، صح. فهكذا الصحابة ينبغي أن تحكم لهم بالعدالة والصدق. وكذلك التابعون بالمدينة ومكة والشام والبصرة، فإن من عرف مثل أبي صالح السمان، والأعرج، وسليمان بن يسار، وزيد بن أسلم، هذا كلهم تابعون ثقات معروفون عند أهل العلم ثقات ضابطون، علم قطعاً أنهم لم يكونوا ممن يتعمد الكذب في الحديث، فضلاً عن من هو فوقهم، مثل محمد بن سيرين، هذا من كبار التابعين، محمد بن سيرين، أو القاسم بن محمد، لهم من فقهاء السبعة، القاسم بن محمد، أو سعيد بن المسيب، أو عبيدة السلماني، أو علقمة، أو الأسود، أو نحوهم. وإنما يخاف على الواحد من الغلط، فإن الغلط والنسيان كثيراً ما يعرض للإنسان، ومن الحفاظ من قد عرف الناس بعده عن ذلك جداً، يعني عن الغلط، فهؤلاء مع ما جمعوا من الأمانة والعدالة، كذلك عرفوا عند أهل العلم بالضبط وعدم النسيان. قال: ومن الحفاظ من قد عرف الناس بعده عن ذلك جداً، كما عرفوا حال شعبة، والزهري، وعروة، وقتادة، والثوري، وأمثالهم، كما عرفوا حال شعبة، والزهري، وعروة، وقتادة، والثوري، وأمثالهم، لا سيما الزهري في زمانه، والثوري في زمانه، فإنه قد يقول القائل: أن ابن شهاب الزهري لا يعرف له غلط عندنا. والزهري صواب: ابن شهاب الزهري، لأن ابن شهاب هو نفسه الزهري، صح. ابن شهاب هو نفسه الزهري، فصواب أن ابن شهاب الزهري لا يعرف له، والدليل: لو كان اثنان سيقول: لا يعرف ماذا لهما، صح، لأنهما اثنان، لكن هو يريد ابن شهاب الزهري، فالياء هنا زائدة. قال: فإنه قد يقول القائل: أن ابن شهاب الزهري لا يعرف له غلط مع كثرة حديثه وسعة حفظه، فهو غاية في الإتقان. قال: والمقصود، يعني يريد أن يقول: أن من عدم نسيان هؤلاء، أن أحدهم ما عرف له غلط، يعني ما عرف له نسيان، وهذا يدل على قوة ماذا؟ إتقانهم في الحفظ، على قوة إتقانهم في ماذا؟ في الحفظ. قال: والمقصود أن الحديث الطويل إذا روي مثلاً من وجهين مختلفين، قال: والمقصود أن الحديث الطويل إذا روي مثلاً من وجهين مختلفين من غير مواطأة، امتنع عليه أن يكون غلطاً، لأن لو كان أحدهم أخطأ فالثاني لم يخطئ، صح. فهذا يدل على صحة ما رويا الإثنان أو الثلاثة، قصة طويلة ونفس الأحداث، لو أخطأ الأول ما سيخطئ، ما سيخطئ الثاني، هذا مراد شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. قال: امتنع أن يكون غلطاً، كما امتنع أن يكون كذباً، فإن الغلط لا يكون في قصة طويلة متنوعة، وإنما يكون في بعضها، يعني ربما يكون هناك اختلاف في بعض الألفاظ، ليس في أصل القصة وكل القصة. فإذا روى هذا قصة طويلة متنوعة، ورواها الآخر مثل ما رواها الأول، من غير مواطأة، يعني ما اتفقا، ما اجتمعا، امتنع الغلط في جميعها، كما امتنع الكذب في جميعها، من غير مواطأة، يعني صعب أن كل واحد يكذب بنفس الكذبة وهم لم يلتقيا، وكذلك يعني يمتنع أن ينسى هذا وينسى هذا نفس الموضع، وهذا ونفس القصة بطولها، هذا شيء مما يمتنع، هذا معنى كلام شيخ الإسلام. قال: وإنما يقع في مثل ذلك غلط في بعض ما جرى في القصة، يعني ليس في أصل القصة وكل القصة، وإنما في بعضها. قال: مثل حديث اشتراء النبي صلى الله عليه وسلم البعير من جابر، يعني الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى بعيراً من جابر، هذا أصل القصة جاءت بطرق متنوعة، لكن اختلف الرواة في بعض تفاصيل هذه القصة، وهو الثمن، كم كان ثمن هذا الجمل؟ ولذلك قالوا هنا شيخ الإسلام: فإن من تأمل طرقه علم قطعاً أن الحديث صحيح، يعني أصل شراء النبي صلى الله عليه وسلم الجمل من جابر، وإن كانوا قد اختلفوا في مقدار الثمن، يعني بكم اشتراه النبي صلى الله عليه وسلم، بعضهم يقول بكذا، وبعضهم يقول بكذا، هذا الاختلاف الذي ورد، وهذا كثير تجده في الحديث، خصوصاً الطويلة. وقد بيّن ذلك البخاري، صحيح. فإن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، يعني في هذه القصة، لأن غالبه من هذا النحو، أو في غيرها من القصص، ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق، والأمة لا تجتمع على خطأ، لا تجتمع أمة على ضلالة، لا تجتمع أمة على ضلالة، حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا جاء حديث من عدة رواة فهذا يدل على صحته، لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة وعلى خطأ، والأمة لا تجتمع على خطأ. فلو كان الحديث كذباً في نفس الأمر، والأمة مصدقة له قابلة له، لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب، وهذا إجماع على الخطأ، وذلك ممتنع، وإن كنا نحن بدون الإجماع نجوز الخطأ أو الكذب، يعني إذا لم تجمع الأمة فقد يكون هناك خطأ من بعض من قال بقول ما، فهو كتجويزنا قبل أن نعلم، قبل أن نعلم الإجماع على العلم الذي ثبت بظاهر أو قياس، يعني قد يجتهد العالم فيحكم في مسألة بظاهر الأدلة، أو يحكم بقياس، وهو غير جازم في المسألة، فيؤيد هذا الظاهر والقياس الإجماع، فهذا يقوي ما ذهب إليه هذا العالم من اجتهاد. قال: أو قياس ظني أن يكون الحق في الباطن بخلاف ما اعتقدناه، فإذا أجمع على الحكم جزمنا بأن الحكم ثابت باطناً وظاهراً. قال: ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، تصديقاً له أو عملاً به، أنه يوجب العلم، ومعنى يوجب العلم يعني اليقين. طيب، العلم يعني اليقين، ومعنى اليقين: العلم الراجح، العلم الراجح. أما المتواتر فهو يدل على اليقين بمعنى العلم الجازم، العلم الجازم، بخلاف بعض الطوائف، بعض أهل الأهواء يرون أن الحديث الآحاد يدل على الظن فيردونه، مثل العقلانيين والمعتزلة، لا يأخذون بالحديث الآحاد. ما هو الحديث الآحاد؟ الحديث الآحاد هو الذي يروى دون المتواتر، يعني يرويه عدد قليل عن عدد قليل، وأما المتواتر فهو الذي يرويه جمع عن جمع يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، هذا معروف في علم المصطلح. طيب، فأهل السنة عندهم أن الحديث الآحاد يعمل به، وأنه يدل على العلم الراجح، ليس على الظن، ليس على الظن، فيعمل به، ومثله في العمل مثل المتواتر، وإن كان المتواتر أقوى، لكن ليس معنى أن يرد الحديث الآحاد، هذا هو المراد. قال: وهذا هو الذي ذكروه المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، كل هؤلاء يرون العمل بالحديث الآحاد. قال: إلا فرق قليل من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام وأنكروا ذلك، يعني قالوا بأن الحديث الآحاد يفيد الظن، لا يفيد اليقين أو العلم الراجح، وهم طائفة قليلة، وأكثرهم من أهل الكلام، أهل الفلسفة، أهل العقل، تقديم العقل على النصوص. ولكن كثيراً من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء، يعني مع هذا بعض أهل الكلام يوافق الفقهاء في الأخذ بالحديث الآحاد. قال: يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسنة على ذلك، وهو قول أكثر الأشعرية، كأبي إسحاق، وابن فورك. وأما ابن الباقلاني فهو الذي أنكر ذلك، يعني ذهب مع الفلاسفة، وتبعه مثل أبي المعالي، وأبي حامد، وابن عقيل، وابن الجوزي، وابن الخطيب، والآمدي، ونحو هؤلاء. والأول هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، وأبو الطيب، وأبو إسحاق، وأمثالهم من أئمة الشافعية، وهو الذي ذكره القاضي، يعني الأول يريد العمل بالحديث الآحاد. ها هو البصري جاء، قال: وهو الذي ذكره شمس الدين السرخسي وأمثاله من الحنفية، والذي ذكره أبو يعلى، وأبو الخطاب، وأبو الحسن بن الزاغوني، وأمثالهم من الحنبلية. وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبا للقطع به، فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث، بالحديث، يعني ليس العبرة بما ذهب إليه الفلاسفة وأهل الكلام، وإنما العبرة بما ذهب إليه أهل الحديث، فأهل الحديث متفقون ومجمعون على أن الحديث الآحاد يوجب العلم، ولا يوجب الظن، واضح هذا الآن؟ هذا معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. قال: وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبا للقطع به، فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث، كما أن الاعتبار في الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي، يعني من أهل الفقه، والإباحة. والمقصود هنا أن تعدد الطرق مع عدم التشاعر، التشاعر يعني كل واحد يشعر الآخر، أو الاتفاق، في العادة يوجب العلم بمضمون المنقول، لكن هذا ينتفع به كثيراً في علم أحوال الناقلين. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درسنا القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.