التعليقات على كتاب الأدب المفرد 343

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 343، ألقاها

تحذير النبي للنساء وأحكام كفر المنعمين

حديث نبوي يحذر النساء من كفر المنعمين ويشرح معنى كفر النعمة. كما يستدل على جواز التسليم على النساء إذا أمنت الفتنة.

أحكام الصلاة مع الإمام وإدراك الركعة

يتناول المقطع أحكام الصلاة مع الإمام وإدراك الركعة، ويشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن.

علامات الساعة وآداب التسليم

يذكر أن من علامات الساعة تخصيص التسليم لفئة دون أخرى، ويبين أهمية اتباع السنة النبوية في آداب التسليم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا مخلد وهما مالك الجمال، قال: حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن ابن أبي غنية، وهو يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن محمد بن مهاجر، عن أبيه، وهو مهاجر بن أبي مسلم، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية: مر بنا النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في جوار أتراب لي -يعني بنات والجارية يطلق على البنت البكر، وأتراب يعني متقاربات في السن- فسلم علينا، وقال: «إيا كن وكفر المنعمين، وكنت من أجرائهن على مسألته»، فقلت: يا رسول الله، وما كفر المنعمين؟ قال: «لعل إحدى كن تطول أيمتها من أبويها، ثم يرزقها الله زوجا ويرزقها منه ولدا، فتغضب الغضبة، فتكفر، فتقول: ما رأيت منك خيرا قط». والحديث صحيح، العلامة الألباني رحمه الله. هذا الحديث تخبر أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام مر عليها في جوار معها، فسلم عليهم، وقال: «إيا كن وكفر المنعمين» يعني كفر النعمة، ومن أحسن إليكن. «وكنت من أجرائهن على مسألته» يعني عندي جراء على السؤال والكلام، فقلت: يا رسول الله، وما كفر المنعمين؟ قال: «لعل إحدى كن تطول أيمتها من أبويها» -معنى أيمتها يعني غيبتها، تطول غيبتها من أبويها، تبقى عند زوجها فترة من الزمن- قال: «ثم يرزقها الله زوجا ويرزقها منه ولدا»، ومعنى ذلك أنها تعيش معه، والمرأة إذا تزوجت فهي في حكم زوجها، ربما ترزق منه الولد، وإذا جاء الولد جاءت المطالب، فربما تطلب شيئا منه فلا يأتي به أو يتأخر، فتغضب الغضبة، فتكفر. المراد بالكفر هنا ماذا؟ كفر النعمة، لا الكفر بالله. قال: «فتكفر، فتقول: ما رأيت منك خيرا قط» يعني تجحد النعمة والفضل والإحسان الذي أحسن به زوجها إليها في تلك الفترة الطويلة، بسبب أنه لم يأتي بشيء طلبته في مرة من المرات، فتقول: ما رأيت منك خيرا قط. هذا كفر المنعمين، يحذر النبي عليه الصلاة والسلام المرأة من ذلك، وأن لا تجحد فضل زوجها عليها، ولا تكفر النعمة إذا لم يأتي لها بشيء في مرة من المرات أو تأخر، فينبغي أن تقدر الظروف وأن تعرف له فضله وإحسانه وتصبر وتتحمل. والشاهد من الحديث هو قولها: «فسلم علينا» أي النبي عليه الصلاة والسلام سلم عليهم، فاستدل به الإمام البخاري على جواز التسليم على النساء. وقلنا فيما مضى في الدرس الماضي أن التسليم على النساء إن كنا محارم فلا إشكال في جوازه، وإن كنا أجانب، فإن كانت الفتنة مأمونة فلا بأس أن يسلم عليهم. وأما إن كان هناك فتنة وخشية من وقوع محذور، فإنه يمنع، فلا يسلم الرجل على المرأة ولا المرأة على الرجل. وفيها أيضا أن صوت المرأة ليس بعورة، وإنما فتنة، صوت المرأة ليس بعورة، لكن صوتها فتنة، ولهذا نهى الشرع أن تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض. وأما كونه تسأل مثلا أو تتكلم مع رجل أجنبي لحاجة، كأن تكلم طبيب أو تسأل عالم عن مسألة أو نحو ذلك، مع أمن الفتنة، فهذا جائز. وفيها أيضا أن الكفر يطلق على غير الكفر بالله، يطلق على غير الكفر بالله، فالكفر على أقسام وأنواع، منه الكفر بالله جل وعلا، ومنه الكفر الذي هو كفر النعمة وجحود النعمة، ومنه الكفر الذي هو دون كفر، ما أطلق عليه الشرع الأفضل كفر، ولا يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام، كقتال المسلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قتال المسلم السباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، وليس مراد به الكفر الأكبر، لكن كفر أصغر غير مخرج من الملة. وهذا الحديث فيه نوع من أنواع الكفر، وهو كفر النعمة. قال: باب من كره تسليم الخاصة. قال: حدثنا أبو نعيم، وهو الفضل بن ذكين، قال: عن بشير بن سلمان، وهو أبو إسماعيل الكوفي، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب. وطارق بن شهاب رأى النبي عليه الصلاة والسلام ولم يسمع منه. وقوله عن سيار أبي الحكم، الإمام البخاري رحمه الله يرى أنه سيار أبي الحكم الذي روى عن طارق بن شهاب. وتابع البخاري على ذلك ابن حبان والنسائي ومسلم في الكنى. وأشار الحافظ رحمه الله في التهذيب إلى أن هذا وهم، كما قال الإمام الدارقطني: الإمام الدارقطني رحمه الله يقول: وهم الإمام البخاري في قوله بأن سيار الراوي عن طارق هو أبي الحكم. قال: والصواب هو أبو حمزة، سيار أبو حمزة. ورجح الحافظ رحمه الله قول الإمام الدارقطني. قال: كنا عند عبد الله جلوسا -أي عبد الله بن مسعود- فجاء آذنه -آذنه يعني الذي يخبره ويعلمه بوقت الصلاة وإقامة الصلاة- فقال: قد قامت الصلاة، فقام وقمنا معه، فدخلنا المسجد، فرأى الناس ركوعا في مقدم المسجد، دخل في مؤخر المسجد والناس قد ركعوا. قال: فكبر وركع -أي في خلف الصف، هو في المؤخرة ركع في المؤخرة- كبر وركع. قال: ومشينا وفعلنا مثل ما فعل -يعني كبروا في محلهم وركعوا ومشوا وهم راكعون- قال: وفعلنا مثل ما فعل. فمر رجل مسرع -أو إذا أدرك الركوع هو في المؤخرة ثم قام الإمام- قام معه ومشى حتى يصل الصف. قال: فمر رجل مسرع، فقال: عليكم السلام يا أبا عبد الرحمن. فقال: صدق الله وبلغ رسوله. فلما صلينا رجع، فولج على أهله -يعني دخل، دخل عليهم- وجلسنا في مكاننا ننتظره حتى يخرج. فقال بعضنا لبعض: أيكم يسأله؟ قال طارق: أنا أسأله. فسأله، فقال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وفشو القلم، وظهور الشهادة بالزور، وكتمان شهادة الحق». والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله. هذا الحديث والأثر كما سمعنا، فيه أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه دخل المسجد والناس ركوع، فكبر وركع خلف الصف -يعني قبل أن يصل إلى الصف- ثم مشى إلى الصف. وهذا الفعل علق عليه الشيخ الألباني رحمه الله، وقال: إن هذا هو الثابت في السنة، وجرى عليه عمل السلف. أن مدرك الركوع مدرك للركعة. وهذا فيه كذلك حديث صحيح مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا كونهم ركعوا وهم بعيدون عن الصف، ثم مشوا حتى انضموا إلى الصف، قد ثبت هذا أيضا عن جمع من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فيدل أن فعل مثل ذلك من السنة. ومما ورد في ذلك ما رواه الطبراني في الأوسط، وأخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن الزبير قال: قال: «إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع، فليركع حين يدخل، ثم يدب دبرا راكعا حتى يدخل في الصف، فإن ذلك السنة». وعمل به الصحابة كأبي بكر، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود. أخرج أثر أبي بكر، وزيد بن ثابت البيهقي، وأثر ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، والبيهقي في سننه. وعن زيد بن وهب أنه دخل مع ابن مسعود المسجد، فركع قبل الصف -يعني في المؤخرة خلف الصف- فركع قبل الصف، ثم مشى حتى دخل الصف، فقام زيد بعد السلام -بعد أن سلم الإمام- قام زيد بن وهب حتى يأتي بركعة، ظنا منه أنه لم يدرك الركعة. قال: فأخذ عبد الله بيده فأجلسه، وقال: «إنك أدركت». قال: «إنك أدركت» أي أدركت الركعة، وهو قد ركع خلف الصف. وأما ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في إدراك المصلي للصلاة إذا ركع مع الإمام، ما جاء في حديث ابن مغفل المزني رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا وجدتم الإمام ساجدا فاسجدوا، أو راكعا فاركعوا، أو قائما فقوموا، ولا تعدوا بالسجود إذا لم تدركوا الركعة». أخرجه إسحاق بن منصور في مسائل أحمد وإسحاق، كما ذكر الشيخ الألباني رحمه الله، وهو في الصحيحة برقم 1188. وأخرجه البيهقي والترمذي من حديث علي ومعاذ مرفوعا، وفي إسناده ضعف، لكنه ينجبر برواية ابن مغفل. وهذا الحديث فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يدخل المصلي مع الإمام على أي حال وجده عليها. جاء الإمام قائما دخل معه وقائما، وجد الإمام راكعا يدخل معه وراكعا، وجد الإمام ساجدا يدخل معه في السجود، وجده في التشهد يجلس معه في التشهد. ولكن لا يعتد بالركعة إلا إذا أدرك الركوع، ولا تعتد بالسجود إذا لم تدرك الركعة. يعني إذا جيء والإمام ساجد، فسجدت معه، لا تحسب لك ركعة، إلا إذا أدركت الركوع، إذا ركعت معه وأدركت معه الركوع، فتحسب لك ركعة. ثم إن طارقا ومن معه سألوا ابن مسعود رضي الله عنه، وكأنهم سألوه عن بعض علامات الساعة، فقال: «بين يدي الساعة تسليم الخاصة» يعني من علامات الساعة تخصيص السلام، أن يسلم الإنسان على أناس مخصوصين، ولا يعم السلام لجميع المسلمين، هذا من علامات الساعة. تسليم الخاصة أن يسلم على خاصة ماذا؟ خاصة من الناس، فيسلم على بعض دون بعض. قال: «وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة» هذا من علامات الساعة، تنتشر التجارة وتتوسع حتى أن المرأة تساعد زوجها في التجارة في الحسابات أو في العمل معه في البيع والشراء نحو ذلك، وهذا أمر واقع. وهكذا قطع الأرحام، هذا من علامات الساعة، أن يقطع الإنسان أرحامه، فلا يزورهم ولا يحسن إليهم. قال: «فشو القلم» والمراد به ظهور الكتابة، فشو القلم انتشار تعلم الكتابة. قال: «وظهور الشهادة بالزور» أن يشهد المرء شهادة الزور، الشهادة الكاذبة، يشهد أنه رأى وهو لم ير، يشهد أن فلان قال وهو لم يسمعه، يشهد أن هذا الشيء لفلان وهو يعلم أنه ليس له، إلى آخر ذلك من شهادة الزور، هذا من علامات الساعة، وما أكثر شهادات الزور التي تقع بين المسلمين. قال: «وكتمان شهادة الحق» يكتم شهادة الحق، يسأل ويطلب منه أن يشهد فيكتم الشهادة، هذا من علامات الساعة، ولا يجوز للمسلم أن يكتم الشهادة وهو يعلم. ولا تكتم الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه، إذا تعلم وطلب منك أن تشهد، وجب عليك أن تشهد بما تعلم، فكتمانها هذا من علامات الساعة. فكل ما في هذا الحديث مما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام قد وقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام. والشاهد من هذا الحديث قوله: «تسليم الخاصة»، بين يدي الساعة تسليم الخاصة، فتسليم الخاصة هذا من علامات الساعة، وكون المسلم يخص السلام لأناس دون غيرهم، هذا خلاف الصواب، والذي ينبغي أن المسلم يعم السلام على من عرف ومن لم يعرف، كما في حديث عبد الله بن عمر. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على