الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 374، ألقاها
المحور يتناول تحريم تصوير ذوات الأرواح سواء باليد أو بالآلات الحديثة، ويحذر من التجسس على الناس. كما يبين أن تصوير ما ليس فيه روح جائز.
هذا المحور يشرح العقوبة التي تنتظر من يصور ذوات الأرواح أو يكذب في الأحلام أو يتجسس على الناس، ويستند إلى أحاديث نبوية في ذلك.
المحور يبين جواز الجلوس على سرير واحد مع آخرين مستندا إلى أحاديث وآثار، ويستشهد بقصة وفد الهيثم بن الأسود إلى معاوية وجلوسه مع عبد الله بن عمر.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا أيوب، عن إكرامة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من صور صورة كلف أن ينفخ فيه الروح، وعذب، ولن ينفخ فيه، ومن تحلم كلف أن يعقد بين شعيرتين، وعذب، ولن يعقد بينهما، ومن استمع إلى حديث قوم يفرون منه صب في أذنيه الآن». هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «باب من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون»، أي: ما الذي يترتب على هذا الفعل أن يستمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، يعني: يكرهون أن يسمع حديثهم، ولا يحبون أن يستمع لحديثهم. فإذا فعل ذلك فهو معرض للوعيد المذكور في هذا الحديث الذي ذكره رحمه الله في هذا الباب. وهذا يدل على حرمة التجسس، أن يتجسس المسلم على أخيه إذا كان يسمع كلامه مع آخر، وهو لا يحب أن يسمعه أحد، أو أن يعرف أحد هذا الكلام، فيأتي يتجسس ويقترب ويستمع، وهم له كارهون، فإنه بذلك يعرض نفسه لهذه العقوبة التي أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام. ذكر حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صور صورة كلف أن ينفخ فيه الروح، وعذب، ولن ينفخ فيه». من صور صورة يعني: صورة مما فيه روح، من صور صورة مما فيه روح كصورة إنسان أو حيوان. قال: «كلف أن ينفخ فيه الروح، وعذب»، يعني: أن ينفخ فيها الروح، وعذب بهذه الصورة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من صور صورة جعل له بكل نفس أو بكل صورة صورها نفسا يعذب بها في جهنم». وهنا قال: «كلف أن ينفخ فيه»، أي: فيها الروح، وعذب بسبب تصويره لهذه الصورة، «ولن ينفخ فيه»، أي: لن ينفخ فيها الروح، ولن يستطيع ذلك. هذا الحديث يدل على حرمة تصوير ذوات الأرواح، سواء كان التصوير باليد بالرسم، أو بالآلات الحديثة، فإنه يدخل في لفظ هذا الحديث «من صور صورة». وهذه صورة تصورها باليد أو صورها بالآلات الحديثة، فإنه يدخل في التحريم. وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء بنحو هذه الفتوى، وأنه يحرم تصوير ذوات الأرواح من إنسان أو حيوان أو طير، وسواء كان ذلك باليد أو كان بالآلات الحديثة، وسواء كان للذكرة أو لغيرها من المقاصد، فلا يجوز. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون». أما تصوير ما ليس فيه روح كالأشجار أو الأحجار أو البحار أو الأنهار أو نحو ذلك من الأشياء التي لا روح فيها، فهذا جائز. وإنما المحرم هو تصوير ذوات الأرواح. قال: «ومن تحلم كلف أن يعقد بين شعيرتين، وعذب، ولن يعقد بينهما». من تحلم بمعنى أنه ادعى أنه رأى في نومه كذا وكذا، أنه رأى في نومه كذا وكذا، وهو كاذب، وليس بصادق. ففي بعض الروايات في الصحيح: «من تحلم بحلم كلف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل». وهذا في هذه القطعة من الحديث في الصحيحين، أو في البخاري: «من تحلم كلف أن يعقد بين شعيرتين، وعذب»، يعني: عذب وعوقب بسبب كذبه، وادعائه أنه رأى كذا وكذا، ولم ير شيئا. كلف أن يعقد بين شعيرتين، يعني: يقال له: اعقد بين شعيرتين، حبتي شعير، يكلف أن يعقد بينها، ولن يستطيع، لن يستطيع ذلك. هذا من باب التعجيز، وأنه معرض للعقوبة والعذاب. قال: «ومن استمع إلى حديث قوم يفرون منه صب في أذنيه الآن». هذا هو وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب. «من استمع إلى حديث قوم يفرون منه»، يعني: ما يحبون أحد أن يستمع لحديثهم، هم يبتعدون ويفرون. قال: فيأتي هذا الإنسان الفضولي، ويريد أن يستمع لحديثهم، يقترب منهم أو يتجسس عليهم، هذا لا يجوز. قال: «صب في أذنيه الآن»، والآن هو الرصاص المذاب، يصب في أذنيه لأنه استمع لهم، وهم كارهون، وهم غير راضون بذلك. هذا وعيد شديد فيمن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، فالمسلم يحذر من ذلك، ألا يتجسس على إخوانه، فيريد أن يستمع لكلامهم أو لحديثهم، هم ما يحبون أن يستمع لهم أحد، فيبتعد، ويسلم من هذا الوعيد الشديد. قال: «باب الجلوس على السرير». قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا الأسود بن شيبان، قال: حدثنا عبد الله بن مضارب، عن العريان بن الهيثم، قال: وفد أبي إلى معاوية وأنا غلام، فلما دخل عليه، قال: «مرحبا، مرحبا»، ورجل قاعد معه على السرير. قال: «يا أمير المؤمنين، من هذا الذي ترحب به؟» قال: «هذا سيد أهل المشرق»، وهذا الهيثم بن الأسود. قال: «قلت: من هذا؟» قال: «هذا عبد الله بن عمر بن العاص». قلت له: «يا أبا فلان، من أين يخرج الدجال؟» قال: «ما رأيت أهل بلد أسأل عن بعيد ولا أترك للقريب من أهل بلد أنت منه». ثم قال: «يخرج من أرض العراق ذات شجر ونخل». هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «باب الجلوس على السرير»، أي: أنه يشرع الجلوس على السرير، أن يجلس الإنسان على السرير، سواء كان فاضلا أو مفضولا، فالجلوس عليه جائز. وذكر في هذا الباب عدة أحاديث وآثار تدل على الجواز. فذكر هذا الأثر، أثر عبد الله بن عمر، ودخول العريان بن الهيثم عليه. قال: «وفد أبي»، يقول: عريان بن الهيثم بن الأسود، وفد أبي، يعني: الهيثم بن الأسود، وفد أبي إلى معاوية، وأنا غلام، فلما دخل عليه، قال: «مرحبا، مرحبا»، أي: قال معاوية: مرحبا به، مرحبا، مرحبا. وهذه الكلمة مما يجوز أو يستحب قولها لمن قدم على الإنسان من سفر، فيرحب به بمثل هذه العبارة، فيقول: «مرحبا، مرحبا». قال: «ورجل قاعد معه على السرير»، هذا والشاهد من هذا الأثر: «ورجل قاعد معه على السرير»، فكان معاوية وعبد الله بن عمر جالسين على السرير. قال: «قال: يا أمير المؤمنين، من هذا الذي ترحب به؟» عبد الله بن عمر يقول لمعاوية: من هذا الذي ترحب به؟ فقال: «هذا سيد أهل المشرق»، هذا الهيثم بن الأسود. قلت: «من هذا؟» قالوا: «هذا عبد الله بن عمر بن العاص». وهذا في أن الإنسان إذا دخل على شخص فأخبره أو سئل: «من هذا الداخل؟» قيل: «فلان»، فليس لهذا الداخل أن يسأل عن من سأل عنه، فيقول: «من هذا؟» أو «من فلان؟» أو «من هذا الجالس؟» أو «من هذا في الغرفة؟» فيسأل عنه. قال: «قلت له: يا أبا فلان، من أين يخرج الدجال؟» قال: «ما رأيت أهل بلد أسأل عن بعيد ولا أترك للقريب من أهل بلد أنت منه». يعني: تسأل عن شيء بعيد حصوله، وتترك الشيء الذي هو قريب. قال: «ثم قال: يخرج من أرض العراق ذات شجر ونخل»، يعني: أن خروج الدجال من أرض العراق، وهي أرض ذات شجر ونخل. وجاء في حديث عند الطبراني أنه يخرج من أرض يقال لها كوفة، يخرج من أرض يقال لها كوفة ذات سباخ ونخل. وصح ما ورد في خروج الدجال، كما في حديث: «بأمامه»، وجاء كذلك عن غيره من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، أن خروج الدجال يخرج من قبل المشرق، من أرض يقال لها خرسان، أنه يخرج من أرض يقال لها خرسان. وفي حديث النواس بن سمعان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يخرج خلة بين الشام والعراق»، خلة، يعني: طريقا بين الشام والعراق. هذا الأثر ضعيف، فالعريان بن الهيثم مجهول، قال فيه الحافظ ابن حجر رحمه الله: «مقبول»، يعني: لين الحديث، إلا إذا وجد له متابع. وكذا أيضا عبد الله بن مضارب الراوي عنه، كذلك أيضا مقبول. لكن وجه الشاهد منه وهو قوله: «رجل قاعد معه على السرير»، هذا الحكم ثابت بأحاديث كثيرة وآثار كثيرة. ومنها الأثر المذكور بعده، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا خالد بن دينار، عن أبي العالية، قال: «جلست مع ابن عباس على سرير». والأثر هذا صحيح، يقول: أبو العالية: «جلست مع ابن عباس على سرير»، فابن عباس جلس على السرير، وجلس معه أبو العالية رحمه الله. فاستدل به الإمام البخاري رحمه الله على مشروعية الجلوس على السرير، وسيأتي أيضا في بقية الآثار والأحاديث في هذا الباب ما يدل كذلك على جواز ذلك. صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.