كتاب الإيمان 85

كتاب الإيمان 85

الدرس في كتاب الإيمان 85، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

منزلة الإمام الزهري وحفظ القرآن

يذكر منزلة الإمام الزهري وتفوقه في حفظ السنن، ويشير إلى قدرة بعض طلبة العلم على حفظ القرآن في مدة قصيرة مع الجد والاجتهاد. الله يسر القرآن للحفظ لمن يطلب العلم بصدق.

تفسير حديث النبي عن شك إبراهيم

شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بالشك من إبراهيم، حيث بين أن إبراهيم سأل الله أن يريه إحياء الموتى لزيادة اليقين. يوضح أن اليقين له درجات: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.

درجات اليقين وثناء النبي على الأنبياء

يفسر درجات اليقين الثلاث مستشهدا بمثال العسل ووجود الجنة، ويذكر ثناء النبي على أنبياء مثل إبراهيم ولوط ويوسف لصبرهم وثباتهم في المواقف الصعبة.

أهمية تكرار الأدلة لزيادة اليقين

يشرح أهمية تكرار الأدلة لزيادة اطمئنان القلب وتقوية اليقين، مستندا إلى حديث إبراهيم «ولكن ليطمئن قلبي»، ويبين تواضع النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين، أني سابوري القشيري رحمه الله: حدثني حرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب وعبد الله قال: أخبرني يونس، ويزيد علي بن شهاب، وهو الزهري، محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وشهاب جد جده، وهو تابعي مشهور، سمع من أنس وسهل بن سعد وغيرهم، ورووا عن كبار التابعين. وكان رحمه الله لا تهمه الدنانير والدراهم، حتى قال عمر بن دينار: ما رأيت أحدا الدنار والدرهم عنده بمنزلة البعر، يعني لا قيمة لها. وقال الشافعي رحمه الله فيه: لولا الزهري لذهبت السنن من المدينة. ذكر البخاري رحمه الله في التاريخ أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة، يعني أقل من ثلاثة أشهر، وهذا يدل على قوة حفظه رحمه الله. وطالب العلم إذا جد واجتهد في حفظ القرآن ربما فرغ وقته له، مع دعاء الله جل وعلا بتيسير حفظه وتسهيله، قد يحفظه في مثل هذه المدة أو نحوها، ثلاثة أشهر، أربعة أشهر، خمسة أشهر. أنا أعلم طلبة علم حفظوا القرآن في نحو هذه المدة. والله عز وجل يقول: ﴿قد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾. قال: حدثنا عن أبي سلامة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، وسعيد بن المسيب من أفاضل التابعين، قال: لما سئل أحمد رحمه الله: سعيد بن المسيب أفضل التابعين؟ قيل له: علقمة والأسود؟ قال: سعيد يعني أفضل، وهو أحد الفقهاء السبع من فقهاء المدينة. قال: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: ربي أرني كيف تحيي الموتى، قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي». قال: ﴿وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِي﴾. قال: وحدثني به إن شاء الله عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي. وقوله: حدثني به إن شاء الله، كأنه يقوله على سبيل الشك، فهذا لا يضر في صحة الحديث؛ لأن هذا في باب المتابعات والشواهد، وإلا في أصل الحديث قد ذكره رحمه الله في السند قبله بلا شك، لكن هذا من باب المتابعات. قال: حدثنا جويرية عن مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب وأبا عبيد، وهو سعد بن عبيد المدني، أخبراه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث يونس عن الزهري. وفي حديث مالك: «ولكن ليطمئن قلبي». قال: ثم قرأ هذه الآية حتى جاوزها. قال: وحدثنا عبد بن حميد، صاحب المنتخب، قال: حدثني عقبة بن مكرم عن ابن إبراهيم بن سعد قال: حدثنا أبو أويس عن الزهري كرواية مالك بإسناده، وقال: ثم قرأ هذه الآية حتى أنجزها. هذا الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بالشك من إبراهيم». قال أهل العلم: ومعنى هذا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يشك، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: نحن أحق بالشك من إبراهيم، فإذا لم نشك نحن فإن إبراهيم لم يشك. وقول: «نحن أحق بالشك من إبراهيم»، قاله عليه الصلاة والسلام على سبيل نفي الشك عن إبراهيم عليه السلام. قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ربي أرني كيف تحيي الموتى، قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي». أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين عظيم منزلة إبراهيم، وما كان عليه من اليقين وعدم الشك، وأن سؤاله لله جل وعلا أن يريه كيف يحيي الموتى لم يكن على سبيل الشك في ذلك، وإنما أراد الزيادة في الإيمان، أراد الزيادة في الإيمان أن يرى ذلك بعينيه، كما أنه يعلم بذلك موقنا به، لكن أراد أن يراه بعينه. ذكر الإمام النبي رحمه الله أقوالا لأهل العلم في سؤال إبراهيم لله جل وعلا ذلك. ولعل أقرب هذه الأقوال أنه سأله من أجل كمال اليقين؛ فإنه عنده علم اليقين بأن الله يحيي الموتى، فأراد درجة أرفع من ذلك، وهي عين اليقين، أن يرى الشيء بعينه، فسأل من الله جل وعلا أن يريه كيف يحيي الموتى. قال: «ربي أرني كيف تحيي الموتى، قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى، أنا مؤمن بذلك وأنك تحيي الموتى ولا شك في هذا الأمر، ولكن ليطمئن قلبي»، يعني الزيادة في الإيمان واليقين. ومعلوم أن اليقين درجات: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. علم اليقين: علمك بالشيء ويقينك به. وعين اليقين: أن تراه بعينك. وحق اليقين: أن تعايشه أو تدركه. مثلا العسل إذا قال لك إنسان: عندي عسل جيد ممتاز رقم واحد، هنا يكون عندك علم يقين بوجود هذا العسل، فإذا رأيته بعينك صار عندك عين اليقين، فإذا ذقته صار عندك حق اليقين. وهكذا مثلا علمك بوجود الجنة، أنت توقن وتؤمن بأن الجنة موجودة ومخلوقة وهي دار أهل الإيمان والتقوى، هذا علم يقيني، فإذا رأيتها بعينك صار عندك عين اليقين، درجة أعلى في اليقين، فإذا دخلتها صار عندك درجة أعلى وهي حق اليقين. فأراد إبراهيم عليه السلام درجة أعلى في اليقين، فيرتفع من درجة علم اليقين إلى درجة عين اليقين، ولم يقع في قلبه شيء من الشك. قال: «ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد». وهذا أيضا قاله النبي عليه الصلاة والسلام، مبينا عذر لوط عليه السلام حين أتاه الملائكة بصورة الأضياف على صورة مرد حسان، فأراد قومه الدخول عليهم وفعل الفاحشة بهم، فأراد أن يدفع هؤلاء الناس وأن يحمي أضيافه، فاعتذر إليهم بأنه ليس له عشيرة وقوم يلجأ إليهم، كما قال الله جل وعلا عن هؤلاء: ﴿بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿أَلَيْسَ لِي بِكُمْ قُوَّةٌ أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. وقوله: «كان يأوي إلى ركن شديد»، المراد بركن شديد هو الله جل وعلا؛ فإن الله عز وجل هو أعظم من يركن إليه ويلجأ إليه. قال: «ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي». وهذا فيه مدح وثناء ليوسف عليه السلام في صبره وتحمله وعدم خروجه من السجن حين جاءه رسول الملك يأمره بالخروج والإفراج عنه. وقد دخل السجن متهما بامرأة العزيز، فلما جاءه رسول الملك قال: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم، يعني أبأ يخرج حتى تظهر براءته وتطهر يطهر جانبه بأنه لم يكن ماذا قد وقع منه شيء من ذلك، وأنه بريء مما تهم به. ومع أنه لبث في السجن بضع سنين، ومعلوم ما حال الإنسان في السجن في الضيق والضنك والتعب، يفرح الإنسان إذا قيل له: أخرج أو أفرج عنه، ربما يخرج مباشرة ما يسأل عن السبب، لكن يوسف لصبره وثباته أبى أن يخرج حتى يبرأ مما تهم به، فمدحه النبي عليه الصلاة والسلام بذلك بقوله: «ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي»، يعني رسول الملك الذي أذن له بالخروج والإفراج عنه لخرج مباشرة. وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم تواضعا، وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم معلوم ما كان عليه من عظيم الصبر. الشاهد من هذا الحديث هو قوله عليه الصلاة والسلام فيما ذكره عن إبراهيم: «ولكن ليطمئن قلبي»، فيه زيادة اطمئنان القلب بتكرار الأدلة الدالة على الإيمان، وعلى كذلك أيضا قوة العلم واليقين. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.