الخطبة بعنوان شهر الله المحرم فضائل وأحكام، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بروكب 4 محرم 1448هـ الموافق 19 يونيو 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبيّن الخطيب أن الله قدر اثني عشر شهراً منذ خلق السماوات والأرض، وجعل منها أربعة أشهر حرمًا هي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، ونهى عن الظلم فيها تعظيمًا لحرمتها. ويخص شهر المحرم بالفضل لانتسابه إلى الله، مشيرًا إلى أنه أفضل الشهور للصيام بعد رمضان.
يُعد صيام شهر المحرم أفضل الصيام بعد رمضان، ويوم عاشوراء (العاشر منه) مستحب استحباباً مؤكداً لكفران ذنوب سنة ماضية. كان صيامه فرضاً في أول الهجرة ثم نسخ بفرض رمضان وبقي نفلاً، ويستحب صيام التاسع معه مخالفة لليهود.
يبيّن الخطيب بدع الرافضة وأهل السنة في يوم عاشوراء، مؤكداً أن الصيام هو المشروع، ثم يدعو إلى محاسبة النفس مع استقبال العام الهجري الجديد. مستشهداً بتقلب الأحوال وضرورة التوبة قبل الموت.
يختتم المتحدث بدعاء شامل يطلب فيه الخير في الدنيا والآخرة والوقاية من عذاب النار، ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه. وينهي بدعوة الحضور للقيام إلى الصلاة.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر المسلمين، يقول ربنا عز وجل في كتابه العظيم: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. فأخبر ربنا عز وجل أن عدة الشهور منذ أن خلق السماوات والأرض اثنا عشر شهرا، لم تتغير ولم تتبدل، ومن هذه الأشهر أربعة أشهر جعلها الله جل وعلا أشهرا محرمة وأشهرا معظمة، فنهى ربنا عز وجل أن نظلم فيها أنفسنا، أي بالذنوب والمعاصي، بترك الواجبات أو بارتكاب المحرمات، وإن كان ذلك يحرم في سائر الشهور وفي سائر الأزمان، إلا أنه تعظم حرمتها في هذه الأشهر لعظم أمرها عند الله سبحانه وتعالى. قال الإمام القرطبي رحمه الله: «فالله جل وعلا ذكر هذه الأربعة الأشهر وأنها أشهر حرم، ونهى عن الظلم، عن ظلم النفس فيها تشريفا لها، وإن كان منهيا عنه في كل زمان». وهذه الأربعة الحرم، بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، روى البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في خطبته في حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاث منهن متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». الحديث، فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأشهر الأربعة الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وكذلك رجب، ونسبه إلى مضر لأنه هو الشهر الذي حرمه الله وتعظمه قبيلة مضر، بخلاف رجب ربيعة، فليس هو الشهر الذي حرمه الله سبحانه وتعالى. وذا القعدة سُمّي بذلك، وكان شهرا محرما لأن العرب كانوا يقعدون فيه عن القتال، فلا يتقاتلون فيه، ويحرمون ذلك فيما بينهم. وذو الحجة لأنه شهر أداء مناسك الحج، فيحج من يحج منهم وهو آمن. وشهر الله المحرم، إذ يرجعون بعد أداء الحج إلى بلدانهم وإلى قراهم وهم آمنون على أنفسهم. ورجب وهو في وسط السنة، لأجل من أراد أن يزور بيت الله الحرام فيزوره وهو آمن. عباد الله، شهر الله المحرم، نسبه الله عز وجل إلى نفسه تشريفا وتعظيما وتكريما. جاء في صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم». شهر الله المحرم، فنسب هذا الشهر وأضافه إلى الله تشريفا وتكريما. قال ابن رجب رحمه الله: «وإضافته إلى الله تدل على فضله وعلى شرفه، والله عز وجل لا يضيف إلى نفسه إلا خواص خلقه». نعم عباد الله، ومن فضل هذا الشهر أنه يستحب فيه الصيام، فالصيام فيه أفضل من غيره من الشهور بعد شهر رمضان. قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم». أفضل الصيام بعد رمضان، أي بعد صيام الفريضة، فمن أراد أن يصوم نفلا وأن يصوم تطوعا، فإن أفضل الصيام في هذا الشهر، في شهر الله المحرم. ويتأكد من صيام أيامه صيام يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من محرم، فإن صيامه مستحب استحبابا مؤكدا. وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون هذا اليوم، فسأل عن ذلك، فقالوا: إنه يوم نجى الله عز وجل فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا لله، فنحن نصومه. فقال عليه الصلاة والسلام: «نحن أولى بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه. وجاء في حديث عائشة: «أن يوم عاشوراء يوم كانت تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزل صيام فرض رمضان ترك صيامه، فمن شاء صامه ومن شاء تركه». ومعنى ذلك أن صيام يوم عاشوراء كان فرضا واجبا على أهل الإسلام، وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يصوموا يوم عاشوراء، فلما فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، نسخ فرض صيام عاشوراء، وأصبح صيامه نفلا مستحبا، من أراد أن يصوم صامه، ومن أراد أن يفطر فيه أفطر، ولكن صيامه مستحب استحبابا مؤكدا لما فيه من الأجر العظيم وهو الثواب الكبير. ففي صحيح الإمام مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: «أحتسب على الله أن يكفر ذنوب السنة الماضية» أو قال: «سنة ماضية». نعم عباد الله، فصيام يوم عاشوراء يكفر عنك ذنوب سنة كاملة، وهذا لا شك أنه أجر عظيم، وأنه فضل كبير، لا ينبغي للمسلم أن يفرط فيه، وأن يضيع على نفسه هذه الفرصة العظيمة، فإن ذنوبنا كثيرة وأعمالنا قليلة، فنحن بحاجة عظيمة إلى أعمال يكفر الله عز وجل بها ذنوبنا وسيئاتنا، ولو كان ذلك في شدة الحر، فإن الأجر يعظم على قدر المشقة، وأنت ربما تصوم في شدة حر، في شدة حر الدنيا، حتى تتقي بذلك شدة حرارة الآخرة. قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: «صوموا يوما حارا شديدا حره لحرارة يوم النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور». نعم يا عباد الله، فأنت بهذه الطاعات وبهذه القربات تصلح حالك يوم الآخرة ويوم الرحيل من هذه الدنيا. هذا الذي يستحب يا عباد الله في يوم عاشوراء أن يصام، وإن استطاع المسلم أن يصوم التاسع قبله فهذا أفضل، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له: إن اليهود يصومون يوم عاشوراء، قال: «لئن بقيت إلى قابل -أي للسنة المقبلة- لأصومن التاسع»، فمات عليه الصلاة والسلام قبل أن يدرك ذلك، فدل هذا على استحباب أن يصام التاسع مع العاشر مخالفة لليهود، فإن استطاع المسلم ذلك فهذا الأفضل والأكمل، وإن لم يستطع إلا أن يصوم عاشوراء وحده فلا حرج عليه في ذلك. هذا المستحب يا عباد الله في مثل هذا اليوم، أن يصام، وأن يتقرب إلى الله عز وجل بهذه الطاعة والعبادة. وقد وقع في مثل هذا اليوم أن قتل فيه الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما، سيد شباب أهل الجنة، فاتخذ الرافضة الأنجاس -قطع الله دابرهم وأقمأ الله فتنتهم- هذا اليوم يوم مأتَم وحزن على مقتل الحسين، ووقعوا في أنواع من البدع والشركيات، من استغاثة بالحسين وغيره، ومن ضرب الوجوه وشق الجيوب، وتعذيب أنفسهم بالسلاسل والسيوف والسكاكين حتى تسيل منهم الدماء حزنا زعموا على مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، وهذا لا شك أنه بدعة محدثة، وكذلك عبادة منكرة لم يأت بها الشرع، بل هي تخالف دين الله سبحانه وتعالى، وتنكرها العقول السليمة، إذ يفعلون أفعالا يضحك منها العقلاء. وفي المقابل، بعض أهل السنة جهلا، أرادوا مقابلة هذه البدعة ببدعة مثلها، فاتخذوا يوم عاشوراء يوم فرح وسرور، ويوم عيد وتوسعة، وربما استدلوا بما ورد من أحاديث موضوعة من استحباب الاغتسال والاختضاب وغير ذلك، وكل ذلك أيضا بدعة محدثة، وكل الطائفتين على نقيض، وكذلك على باطل. والذي يشرع في ذلك عباد الله ما سمعتم من استحباب صيامه والتقرب إلى الله جل وعلا بذلك. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن في استقبالنا لهذا الشهر نستقبل عاما هجريا جديدا، ونودع عاما هجريا ماضيا، قد أودعنا فيه -أودعناه- من أعمال من خير أو شر، منا من كان محسنا فليزدد إحسانا، ومنا من كان مسيئا فليستعتب وليتب. عام مضى يا عباد الله، كم مولود فيه قد ولد، وكم من حي فيه قد مات، وكم من عزيز فيه قد ذل، وكم من ذليل فيه قد عز، وكم من غني فيه قد افتقر، وكم من فقير فيه قد اغتنى. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. عام يمضي يا عباد الله، ينبغي أن نتعظ وأن نعتبر وأن نتفكر وأن نتذكر، كم فارقنا فيه من أحباب، وكم كذلك ذهب عنا من أصحاب، كم ودعنا من أحباب، وكم كذلك فارقنا من أصدقاء، ونحن سنرحل بعدهم كما رحلوا، وكذلك سننتقل كما انتقلوا. كل ابن آدم وإن طالت سلامته *** يوما على آلة حدباء منقول فإذا حملت إلى القبور جنازة *** فاعلم بأنك بعدها محمول فما أحوجنا عباد الله أن نحاسب أنفسنا فيما مضى من أعمالنا، وفيما يستقبل من أعمارنا، فإن السعيد من حاسب نفسه في الدنيا ليخف عليه حساب الآخرة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. ينبغي أن ننظر عباد الله في أنفسنا، وكذلك في أحوالنا، كم ضيعنا من واجبات، وكم ارتكبنا من محرمات، وكم وقعنا في مظالم، وكم كذلك وقعنا في منكرات، ينبغي أن نصلح ما أفسدنا، وأن نتوب إلى الله مما وقعنا فيه وظلمنا، قبل أن يحول بيننا وبين ذلك الموت، ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم اغزر أمطارنا، ورخص أسعارنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم واجعل لا إله إلا الله تكفينا، فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهم من أرادنا والإسلام بسوء، فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره. اللهم وخذ أخذ عزيز مقتدر. ومن أرادنا والإسلام بخير، فوفقه لكل خير يا رب العالمين. اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وقوموا إلى صلاتكم.